رواية لا تخافي عزيزتي الجزء الثاني كامله وحصريه بقلم مريم الشهاوي
|1-عز الشامي!|
-Excuse me, I want to know where I am and what is the name of this street??
-معذرة، انا اريد أن أعرف اين انا وما اسم هذا الشارع؟؟
-Pardon, qu'est-ce que tu dis?! Je ne te comprends pas!
-آسف، ماذا تقولين؟! انا لا افهمك!
-ياعم هو انا كل ما اتكلم مع حد يقولي نفس البوقين! شوية بهايم... pardon... pardon
آسفة آسفة.
جلست على رصيف الشارع تضمّ ركبتيها إلى صدرها، وأرخت رأسها فوقهما، توبّخ نفسها وتلومها على تفريطها، إذ لم تلحق بزميلاتها، وقد ساقها فضولها لتصوير حيوان غريب الشكل أبصرته في الغابة، فما إن رفعت الكاميرا حتى اختفى أثره، وانسلّت بعيدًا عن السيارة التي أقلّتها مع صديقاتها. لم يكن هاتفها معها، وإنما تلك الكاميرا الثقيلة وحدها، وكل ما تبقّى في جيب سروالها القصير بعد أن نقّبت فيه هو بضع أوراق نقد لا تكاد تساوي ثمن كرواسون من مقهى قريب.
كانت ترتدي قميصًا قصيرًا يكشف بطنها، وسروال خامته من "الجينز"قصير ينتهي عند اول ركبتيها، وقد لملمت شعرها في كعكة مرتفعة، والكاميرا متدلّية من عنقها بحبلها الأسود. أخرجت ما بقي معها من مال، ثم خطت إلى داخل المقهى، تطوف بالثلاجات تبحث عن أرخص ثمن كرواسون لتأكله وتسد جوعها ولو قليلا، فاصطدمت بجسد أحدهم، فالتفتت إليه مسرعة تعتذر، فردّ عليها بنظرة مكترثة عابرة. أخذت قطعة الكرواسون بعد أن دفعت ثمنها، وخرجت لتجلس على طاولة في الخارج. غير أنّ الرجل ذاته تبعها ووقف قبالتها.
-Excusez-moi, ma fille, mais vous prenez ma place.
معذرة يا فتاة ولكنك تجلسي بمقعدي.
لم تفهم عبارته تمامًا، لكن إشارات يده دلّتها على مراده، فنهضت معتذرة وهي تتمتم بسخرية مكتومة: "اه مهو مكتوب عليه اسمك هو قاعدين في فصل ولا في كافيه اتفضل يا خنزير مكانك... pardon... pardon."
رمقها الشاب باستغراب، فيما كانت تمسك طبق الكرواسون وتزيح نفسها عن طريقه.
-انا خنزير!!
تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها دهشة، ثم التفتت إليه بارتباك وقد جفّ حلقها، فبلعت ريقها متوجسة: "انت... فاهمني! "
رفع الشاب حاجبيه، وضم ذراعيه على صدره، يتفحّصها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها بلمحة سريعة، فضحكت هي ضحكة متكلفة عالية: "والله حقك عليا... انا مقصدش خالص... بس الشعب الفرنسي كله خنازير بجد."
تدخّل صديقه الذي كان بقربه:
Excusez-moi, qu'est-ce que vous dites!!
معذرة ماذا تقولين!!
ارتسمت على محيّاه ابتسامة ساخرة، قائلاً لها: "صاحبي فرنسي بس بيفهم عربي كويس وفهم انك بتقولي على شعبه خنازير! "
ارتجفت تعابيرها، وامتلأت عيناها بدموع متحجرة، فانحنت بيديها إليهما متضرعة: "يادي الكسوف... أنا اسفة ليكم بجد.. انا مش هغلط تاني... ياريت الارض تنشق وتبلعني... سامحوني عشان خاطري وساعدوني اوصل لصحابي بدل مانا تايهة كده."
ابتسم الشاب العربي لصديقه الفرنسي، ثم جلسا معًا إلى الطاولة، وأشار إليها أن تجلس. أشرقت ملامحها بابتسامة امتنان وجلست، أعادت طبقها أمامها، ومدّت يدها نحوه لتصافحه قائلة: "انا صبا..."
فأجابها مبتسمًا وهو يمد يده ليلمس يدها: "يونس."
ومدّ صديقه يده يصافحها هو الآخر: "André."
"أندريه."
ابتسمت صبا، وقضمت قطعة من الكرواسون، ثم شرعت تحدّثهما: "كنت ماشية مع الفريق بتاعي لاننا كنا في رحلة بنجمع فيها مشروع تخرجنا انا في جامعة Montana State University MFA في Natural History Filmmaking بتركّز على تصوير الطبيعة والحيوانات. وكنت ببحث عن حيوان نادر هنا ولحسن حظي لقيته فجريت وراه بالكاميرا وبعدت عنهم لقطتله كام صورة بس معرفتش ارجع لفريقي تاني وتوهت في الغابات لحد ما لقيت عربية طلبت منها مساعدة وودتني عند شارع في الحي اللي احنا فيه ده."
تدخل أندريه متسائلًا:Pourquoi ne lui as-tu pas demandé où tu étais pour qu'il puisse t'emmener là-bas... Pourquoi t'a-t-il amené ici ?
"ولمَ لم تسأليه عن المكان الذي كنت به ليوصلك الى هناك... لمَ اتى بكِ الى هنا؟؟"
صمتت صبا، تتعثر في فهم كلماته، فترجم لها يونس، فالتفتت إليه مستنكرة: "هو ازاي بيفهم عربي بس مبيتكلمش عربي!!"
فأوضح لها يونس: "ابوه مصري ونزل عاش معاه هناك بعد ما هو وامه انفصلوا عن بعض فاتعلم العربي لما قعد فترة مع ابوه في مصر لكن مبيعرفش يتكلم عربي."
تساءلت بفضول:" وانت بقى مامتك وباباك ايه جنسيتهم؟"
فأجابها يونس: "مصريين عادي بس انا بعرف اتكلم فرنسي مش موضوعنا دلوقتي.... المهم انت ايه اللي جابك الحي ده؟؟"
-انا قولتله يوصلني لاي مكان فيه ناس عشان كنت مرعوبة من هدوء الغابة ... وقعدت اعمله بلغة الاشارة واعتقد فهمني لانه جايبني في شارع في ناس اهو... بس بتكلم معاهم مفيش ولا نفر بيعرف يتكلم انجليزي.
-ده لانك عمقتي في حواري باريس معظم اللي هنا مدنيين ومش بيتكلموا انجلش فرنسي فقط.
قال أندريه:Avez-vous finalement pris des photos de cet animal ou avez-vous fait tout cela sans raison ?
هل بالنهاية التقطي لهذا الحيوان صور ام فعلتي كل هذا دون فائدة!
فترجم لها يونس ما قاله لتجيب بابتسامة وهي تقترب منهم وترفع كاميرتها لتريهم: "اه بصوا لقطت كام صورة للحيوان."
شاهد الاثنان تصويرها لهذا الحيوان يالروعة الصور انها حقا بارعة بعملها وبعد ان انتهت، أمسك يونس هاتفه قائلًا: "حافظة اي رقم لاصحابك... او اهلك؟؟"
فأجابته بحزن: "لا... بس حافظة رقم ماما... لكن ماما هتساعدني ازاي وهي في مصر وانا هنا؟؟"
ناولها هاتفه: "عادي... تتصل بحد من صحابك اكيد معاها ارقامهم يجولك... خدي موبايلي ورني عليها."
أخذت الهاتف ورنت على والدتها، فلم تُجب. أعادت المحاولة ثانية، ولا ردّ، فهوت رأسها بخيبة أمل: "مبتردش..."
فقال يونس مطمئنًا: "عادي هترن لما تشوف المكالمات كمان شوية يمكن مش فاضية... تيجي معانا فرح لصاحبنا؟؟... هو قريب من هنا اهو تضيعي وقت لحد ما والدتك تتصل تاني؟؟"
نهضت متوترة: "لا شكرا... انا همشي."
تركها يونس تمضي، ولكن ناداها متسائلا: "لو رنت مامتك عليا اقولها ايه؟؟"
فاستدارت من بعيد، ثم عادت إليه مترددة: "انت بجد رايح فرح صاحبك؟؟"
ضحك أندريه: C'est près de ce café. Si vous ne nous croyez pas, allez vérifier vous-même s'il y a un mariage.
"انه بالقرب من هذا الكافيه ان لم تصدقينا فاذهبي وتفحصي من وجود الزفاف بنفسك."
وأشار يونس: "الفرح بعد شارعين على تلة بسيطة روحي شوفي بنفسك لو مش مصدقة."
فاندفعت صبا إلى المكان الذي دلّاها عليه، لتجد مكان صغير مزدانة بالورود البيضاء، وكراسٍ مزينة، ومعازيم بسطاء أمام تلة عالية. ارتسمت على محياها ابتسامة مرتاحة، وضربت على صدرها لتسكّن قلبها الخافق، ثم عادت إليهما، فوجدتهما في انتظارها يبتسمان. فانضمت إليهما، وسارت معهما نحو حفل الزفاف. ولما سبق أندريه إلى الداخل، توقّف يونس عند الباب يتأمل صبا، فبادرت تسأله بقلق: "في ايه؟؟... مش هتدخل؟"
-مينفعش تدخلي فرح بشورت وكروب توب وكحكة لفوق...
انعقد حاجباها قليلًا، فأدار يونس بصره حوله، ثم مدّ يده إلى مفرش الطاولة المجاورة، وكان من قماش الستان الأبيض، فابتسم وهو يضعه عليها، وبدأ يُشكِّله على جسدها بخفةٍ وحذق.
أخرج من جيبه مقصًّا صغيرًا يحمله معه دومًا، فقهقهت صبا قائلة:
"هو في حد طبيعي بيشيل مقص في جيبه!!"
أجابها وهو منهمك:
"أنا... دايمًا بيكون في جيبي... آه صح، نسيت أقولك، أصلي مصمم أزياء."
فقالت بحماسة:
"واو... مشهور؟؟"
فردّ وهو مشغول بعمله:
"لا، لسه ممسكتش عروض لوحدي، أنا بساعد وبتعلّم بس... أنا بعرض شغلي على عارض أزياء فرنسي هنا مشهور... وجاي أتعلم معاه وأتدرّب، أخلص تدريب وأرجع مصر تاني..."
ظل يقصّ الأطراف ويربط الأجزاء بمهارة حتى أخرج وردةً بيضاء على كتفها. وبينما عيناه تتنقلان، وقعت على عقدٍ يتدلّى من عنقها، فرفع نظره إليها قائلًا:
"ينفع أشيل السلسلة؟"
تساءلت صبا:
"ليه؟"
فأجاب:
"محتاجها في الفستان، هتضيف لمعة."
فأومأت موافقة، واقترب منها يونس، يركّز في فكّ العقد من رقبتها، فيما كانت عينا صبا تتأمله، تلتقط تفاصيله: لحيته الخفيفة، شعره الأسود الذي تسللت إليه خصلاتٌ بيضاء مصبوغة، عيناه السوداوان الكحيلتان طبعًا، يحيط بهما رموشٌ كثيفة تزيدهما فتنة وجاذبية. وما لبث يونس أن فرغ من العقد، فإذا بنظراتها تلتهمه التهامًا، فالتقت عيناه بعينيها، ولم يشعر إلا بخفقانٍ يعصف بقلبه، ويده لا تزال ثابتةً عند عنقها ممسكةً بالعقد. ابتلع ريقه في حرج، وابتعد قليلًا عنها، ثم وضع العقد على خصرها، وأمسك مقصّه ثانيةً، وأخذ يقص دوائر صغيرة متجاورة، ويُدخل العقد في فراغاتها حتى صاغ حزامًا رائعًا من عقدٍ بسيط. ثم قصّ من الأسفل خطًّا يمتد من ركبتها حتى أسفل الفستان، فبانت ساقها اليسرى بخفرٍ من تحته.
وبعد دقائق معدودة، وقف يونس متأملًا عمله، وابتسم وهو ينطق بكلمةٍ واحدة:
"Voilà."
(بمعنى مندهش ويشعر بالرضا من النتيجة)
التفتت صبا إلى فستانها، فإذا به مذهلٌ حقًا، لا يُخيّل لمن يراه أنه صُنع في دقائق من قماش ستان أبيض بسيط. وفجأةً انطلق تصفيقٌ حارّ من حولهما، فقد كان الجميع يتابع ما يفعل يونس، يصوّرونه بهواتفهم، مبهورين بجمال الفستان. رفع يونس يده ووضعها على قلبه بامتنانٍ صادق:
"Merci... merci."
اقتربت فتاة من الجمع، والتقطت صورة معه، وأخرى مع صبا التي غدت أشبه بعارضة أزياء. نظرت صبا إلى مرآة سيارةٍ بجانبها، تتأمل فستانها، ثم ابتسمت وهي تلتفت إليه قائلة:
"يابن الإيه... ده يهبل بجد."
اقترب يونس منها قائلًا:
"وفق تعاملي مع القماش كتير، بيظهر إن القماش ده شايف إنه يليق على صاحبه أو لا... وبصراحة القماش راضي عنك ولايق عليكِ."
فقالت باستغراب:
"أنا مش فاهمة حاجة."
ابتسم وهو ينظر إليها:
"الفستان حلو عشان متفصِّل عليكِ إنتِ..."
خفق قلبها لثوانٍ وتوترت خجلا ثم سألته بمكر:
"دي معاكسة ولا مدح في شغلك؟؟"
فردّ وهو يبتسم ومازالت عيناه معلقة بها:
"الاثنين."
ثم أمسك بيدها ودخلا معا. والتفت "أندريه" إليهما، فاتسعت عيناه من جمال صبا بالفستان، واقترب منها، وأمسك يدها ليقبّلها:
"Enchanté, madame."
تشرفت بلقائكِ، سيدتي.
قالت صبا ممازحة إياه:
"أنا آنسة مش مدام."
فضحك يونس من طريقتها، وسار الثلاثة نحو العروسين، فإذا بصبا تلقى ترحيبًا حارًّا من صديقهم مع أندريه ويونس بقوة وسعيد بكونها ليلته اليوم على من أحبها حتى عرّفها يونس على العريس فرحّب بها كثيرا وشكرها لحضور زفافه، فابتسمت وردّت التحية، ثم التفتت إلى يونس وأخذت منه الكاميرا التي كانت لا تزال في يده لانه نزعها من رقبتها أثناء تصميمه لثوبها:
"هاتها... عايزة أصوّرهم."
نظر يونس إلى الزوجين قائلًا بالفرنسية:
"Saba est une photographe talentueuse..."
-صبا مصوِّرة ماهرة...
فابتسمت صبا وهي ترفع الكاميرا إلى عينيها:
"Say بطيخ؟؟"
ضحك يونس وأضاف:
"Souriez... ابتسموا."
ابتسم العروسان، وأخذت لهما صبا صورًا عديدة، توضّح لهما كيف يقفان وتُبدل في وضعياتهما، حتى خرجت بصورٍ مذهلة. قضت اليوم كلَّه ضاحكةً راقصة، فيما كان يونس يراقبها من بعيد، هو يتأمل... فقط يتأمل، عينيه تعشق تأمل كل ما هو جميل.
_________________________
كان جالسًا على طاولة خشبية، تُحاذي نافذة المطعم الكبيرة، منتظرًا قدوم صديقه الذي تأخر عن الموعد. أخرج حاسوبه المحمول ليتابع عمله، متخذًا من الدقائق المهدورة فرصة لإنجاز بعض المهام.
قطع تركيزه صوتٌ نسائيّ حادّ، متوتر النبرات. التفت، فإذا بفتاة تجلس على الطاولة المقابلة، تمسك هاتفها المحمول وتتكلم بعصبية.
قالت بصوت مرتفع:
"بقولك ما جاش لحد دلوقتي، اتصلي بطنط زهرة. هو مين اللي طلب إيد مين؟ مش فاهمة حاجة !... طيب، سلام."
لم يستطع منع نفسه من تأملها. وجهها كان يحمل مزيجًا غريبًا من الجمال والحدة. عينيها سوداء سوادٌ قاتم، كأنهما ليلتان قائمتان في السماء، تزيِّنهما خطوط كحلٍ دقيقة. رفعت شعرها الأسود على هيئة ذيل حصان، تاركة غرة تنساب على جبهتها كأنها تستفز العيون لتتبعها.
ثوبها الأسود الطويل قصير الاكمام عند ذراعيها كان بسيطًا لكنه متناسق، وكأن اللون قد أُعيد تعريفه ليلائمها. رغم كراهيته للون الأسود، بدا له الآن من أجمل الألوان.
بينما كان يراقبها بصمت، لمحت نظراته الفتاة فصاحت:
"بص قدامك يا أخينا!"
ارتبك، لكنه استعاد رباطة جأشه وردّ بحدة:
"أنا كلمتك؟"
وقبل أن ترد، رنّ هاتفها مرة أخرى. أجابت سريعًا:
"أيوة... بتقولي داخل عليّا؟! فين ده، أنا مش شايفاه؟"
وفجأة وقف أمامها رجل مسن، كان أصلع، ولم يكن لديه سوى شعر قليل على جانبي رأسه باللون الأبيض.
حدّقت فيه وقالت باستغراب:
"أيوة يا عمّو، حضرتك واقف قصادي كده ليه؟"
أجابها بصوت ساخر:
"عمّو !"
ثم ابتسم، ومد يده نحوها قائلًا:
"ما علينا. أهلا يا رغد، أنا محمد عبد العاطي."
تصلّبت ملامحها. بدت كمن تلقى صدمة لم تكن في الحسبان. أنهت مكالمتها بسرعة:
"أيوة يا ماما، اقفلي دلوقتي..سلام."
قال الرجل بنبرة ودودة:
"هفضل مادد إيدي كده كتير؟"
نظرت إليه بريبة وسألته:
"مين حضرتك معلش؟"
جلس على مقعده بجانبها بهدوء. لم تستطع أن تخفي ذهولها. أخذ الشاب الذي كان يراقبها منذ البداية، متابعًا المشهد بفضول.
قال الرجل بنبرة تحمل شيئًا من التفاخر:
"أنا محمد عبد العاطي."
حدقت فيه غير مصدقة، ثم أمسكت هاتفها وبدأت تبحث في صور محفوظة لديها. أظهرت له صورة لرجل بشعر أسود وملامح شابة وقامة عريضة بعضلات وقالت:
"ده أنت ؟!!"
أجاب بابتسامة صغيرة:
"أيوة. الصورة قديمة شوية..من كام سنة بس."
ارتفعت نبرتها معبرة عن استنكارها:
"من كام سنة إيه ده أنت شعرك أبيض وأقرع وبكرش !!معقولة أنتو كمان طلعتوا فلتر؟"
حاول أن يهدئها قائلًا:
"اسمعيني، أنا جاد جدًا. أطلبي أي حاجة. أنا مستعد أجيب لك فستان الفرح من أفخم المحلات في مصر ولو عوزتي يجيلك من برا معنديش مانع، وشهر العسل في أي بلد تختاريها. مهرِك مهما كان هتلاقيه جاهز، وهفتحلك حساب في البنك باسمك، بس قولي إنك موافقة."
نهضت فجأة قائلة بصراخ:
"موافقة على إيه؟!"
نظر إليها بثبات وأجاب دون تردد:
"إنك تتجوزيني."
تركته وخرجت من المطعم متعجلة، يتابعها الشاب صامتًا من مجلسه، فإذا به يرى العجوز يشير إلى رجلين يرتديان بذلة سوداء، ويُسرّ إليهما بشأنها.
وما هي إلا لحظات حتى بدا عليهما الاستعداد، وألقيا نظراتٍ حادة نحو الفتاة التي تنتظر سيارة أجرة عند الباب. هنالك اجتاح الشاب شعورٌ مُفزع أنّ مكروهًا يُدبَّر لها، فهبّ من مكانه مسرعًا، راكضا نحوها، ممسكًا بكفّها ليسحبها إلى جواره، يسير بها قُدُمًا، والرجال من خلفه يرمقونه بدهشة. عندها التفتت إليه رغد وصاحت ساخطة:
"انت يا جدع انت سيب ايدي..."
فهمس لها من بين أسنانه بصرامة:"وطي صوتك وامشي جمبي وانت ساكتة.. الراجل المخرف العجوز ده كلم اتنين بودي جارد عليكِ والله اعلم كانوا جايين يعملولك ايه يخطفوكِ ولا يهببوا ايه معرفش بس الراجل كان شكله متنرفز من اللي قولتيه... فامشي وانتِ ساكتة عشان البودي جارد يعرفوا انك معايا واركبي عربيتي... ومتهزريش دول قد الدرف لو مسكوكِ انا مش هعرف اعملك حاجة. "
ضحكت رغد بسخرية مريرة من قَدَرها، ثم ركبت سيارته، تنظر من بعيد إلى أولئك الرجلان، فارتجف قلبها من هيئتهم، وحمدت ربها أنّ هذا الشاب أدركها قبل أن تقع بين أيديهم. أدار الفتى محرّك سيارته، فاقترب الحارسان منهما وقالا من النافذة يخاطبانه:
"انت تعرفها؟؟"
أجاب الشاب بجرأةٍ وهو يواجههما بعينيه:
"أيوة... في حاجة؟؟"
-تقربلك إيه؟؟
فقاطعتهم رغد صارخة:
"جرى إيه يلا انت وهو وانتو مالكوا بيا؟؟! "
فنظر إليها الشاب محتدًا ويكاد يفقد أعصابه:
"هو أنا مش قولت تخرسي."
قالت رغد غاضبة:
"انت مش شايفهم بيحققوا معاك ازاي... مش انتو اللي باعتكم محمد عبد العاطي؟؟.. روحوا خلوه يعمل حاجة لآخرته قبل ما يموت مش يروح يتجوز بنت في دور عياله لا عياله ايه دنا أصغر من عياله تلاقيه عنده حفيد في سني... يلا يا.... هو انت اسمك إيه؟؟"
فأجابها متبرّمًا:
"وده وقته!! "
-"يا عم انجز، أنا رغد... وانت؟"
فقال دون أن يلتفت وناظر الرجلين وقلبه ينقبض:
"عز."
فصاحت:
"يلا يا عز..."
لكنّ أحد الحراس أمسك بعز من قميصه قائلاً:
"لا ده انت تنزلي بقى يا عز."
وهنا صرخت رغد:
"هو انت متعرفش ده يبقى مين؟؟"
فضحك الحارس بازدراء:
"اذا كان انتِ لسه عارفة اسمه من ثواني.. انتِ بقى عارفة هو مين؟ "
سكتت رغد تلعن غباءها، وإذا بعز يضغط على البنزين بقوة، فانطلقت السيارة كالسهم واستطاع الافلات منهم وهو يزيد من سرعته.
التفت اليها وهو يصرخ غاضبًا:
"الله يحرقك!"
فابتسمت محاولة تلطيف الجو: "حبيبي تسلم... بسرعة بقى.. عارف بيتي فين؟"
-لا أكيد..
فأخذت تشرح له الطريق، فزمجر قائلاً:
"إيه اللي هيودّيني هناك، ده بعيد أوي... خديلك أي ميكروباص من أي موقف..."
-لا وصلني لحد بيتي وكمل جميلك للاخر.
-لا الطريق هياخدله أقل حاجة ساعتين... هدور على اي موقف وانزلك فيه.
-ترضاها لاختك؟؟؟؟
فابتسم لها بطريقة مستفزة: "معنديش اخوات بنات...وبعدين انا هربتك منهم يعني المفروض تشكريني!"
-اشكرك ده لما توصلني لحد بيتي سليمة افرض جم ورايا وبعدين انا امرأة جميلة جذابة يعني فيا المطمع.
خلس منها نظرة عابرة، ثم عاد بعينيه إلى الطريق مستمسكًا بجادته ليقول:
"لا من الناحية دي متقلقيش...."
فرفعت حاجبها الأيمن قائلة:" تقصد ايه!! "
وإذ باغتتهم زمارةُ سيارةٍ من الخلف، التفتت رغد على عجل، ثم أطلقت صرخةً عالية:" الحق يا عز فيه عربية بتطاردنا."
أمعنت السيارة في مطاردتهم، فيما كان عزّ يعدو بأقصى طاقته، يسبّ نفسه ويلعن تدخّله في أمرها، ويتمتم ساخطًا: "انا كان مالي ومالك بس."
فجأةً توقّفت السيارة التي تطاردهما أمامه، فاضطرّ عزّ أن يضغط على الفرامل بعنف حتى توقّفت سيارته مضطربة. وما هي إلا لحظات حتى اندفع الرجلان منها، فأقبل أحدهما يهُمّ بتحطيم زجاج النافذة ناحية رغد بيده، ثم امتدّت أصابعه تخترق خصلات شعرها فقبض عليها بقسوة، فاندفعت رغد تصرخ بأعلى صوتها، فهدر عزّ في وجهه صارخًا، وهو يطبق بكفّه على ذراع رغد يجذبها نحوه قائلا: "سيبها."
-متدخلش انت عشان منإذيكش انت كمان.
أطبق الرجل على النافذة محاولًا أن ينتزع رغد منها عنوة، غير أنّ عزّ كان قد أحكم إغلاق الأبواب، فعجزوا عن فتحها. وتعالت صرخاتها المستغيثة تتردّد في الأرجاء حتى تمزّق ثوبها من أعلاه بين يدي المعتدي، فانكشفت ملابسها الباطنة، فحدّق إليها بنظرةٍ مشبوبةٍ بالشهوة: "وانا اقول الباشا مصمم عليكِ ليه! "
قبض عزّ على ولاعة سيارته، ثم قرّبها من كمِّ سترة الرجل الذي يشدُّ رغد إليه متشبِّثًا بثوبها، فشبّت النار في قماشها فجأة، فاضطرّ أن يفلت قبضته عنها وينكفئ مذعورًا، محاولًا نزع سترته، غير أنّ النار امتدّت إلى ثيابه بأسرها، فأخذ يهرع صارخًا من شدّة اللهيب. وفي تلك اللحظة أعاد عزّ تشغيل سيارته وانطلق بها بعيدًا، يلتفت وراءه فإذا بالرجل الثاني قد انشغل بمحاولة إخماد النار المندلعة في جسد صاحبه الذي يتلوّى. ثم حوّل بصره إلى رغد، فإذا هي تغالب دموعها، وقد ضمّت ذراعيها إلى صدرها في محاولةٍ يائسة لستر ما انكشف من ملابسها الباطنة بعد أن تمزّق فستانها من الأعلى.
-انتِ كويسة؟
تناهت إلى سمعه همهمات متقطّعة تصدر عنها، فالتفت إليها بعينيه لحظةً وهو لا يزال قابضًا بالمقود، ثم شرع - وهو يقود - يخلع سترته عن جسده، حتى نزعها ومد يده نحوها، يناولها سترة بذلته.
-خدي البسي ده.
قبضت رغد على سترته وأحاطت بها جسدها، ترتديها مرتجفة، ثم انطلقت كلماتها بين دموعٍ منهمرة وبكاءٍ كالطفلة:"انا عايزة ماما."
تنهد عز: "قولتي بيتك فين؟؟"
أخذت رغد تشرح له ملامح المنطقة التي تأوي إليها، وكانت حارةً شعبيةً وادعة في بساطتها، فيما هي طَوال الطريق لا تكفُّ عن البكاء، يجلجل صوت أنينها في صمت السيارة. وبعد برهةٍ من الزمن، التفت إليها عزّ محاولًا أن يكلّمها: "طب ممكن تهدي طيب... كفاية عياط... ربنا سترها واهو انا وانتِ كويسين..."
وما هي إلا لحظات حتى دخلوا حيًّا يسطع فيه نور المصابيح، بعد أن كانوا غارقين في دياجير الظلام تحت ليلٍ دامس. وعند انبلاج الضياء، انكشفت الملامح التي حجبها سواد الليل، فإذا بعزّ يرمق وجه رغد مخضَّبًا بالدماء، يسيل غزيرًا على محيّاها، وينضح على يديها، وقد بدا في كفّها جرحٌ عميق. فوقف بسيارته إلى جانب الطريق، شاخص البصر إليها في ذهول، لا يكاد يصدّق ما يراه، ولا يستوعب من أين تفجّر هذا السيل من الدماء:" من ايه كمية الدم دي!!! "
كفّت رغد دموعها وقالت بصوتٍ متهدّج: "ده ازاز العربية اللي كسروا وقعوا عليا."
تذكّر عزّ الأمر، فهبط من سيارته مسرعًا، وأخذ علبة الإسعافات الأوّلية، ثم ولج نحوها وفتح الباب من مقعدها وهو يلهج بالاعتذار: "انا اسف... مأخدتش بالي من الضلمة والله لسه واخد بالي لما مشينا في النور.... وريني وشك."
أخرجت رغد قدمها من مقعدها إلى الخارج، فانحنى عزّ ممسكًا بفكّها ليتفقّد جراحها السطحية، ثم قبض على قطعة من القطن وأخذ يداويها برفقٍ بالغ، وعيناه لا تفارقان وجهها. ورغد، على الرغم منها، ارتفعت نظراتها إليه، فإذا بوجهه قد دنا منها، يتراءى بنور ملامحه: لحيةٌ خفيفة تُظلّل وجنتيه، وشعرٌ بنيّ فاتح يتناثر على جبينه، وبشرةٌ بيضاء، وعينان خضراوان تشي بهما ملامح أمه يارا، حتى إنّ الشفتين الصغيرتين بلونهما الورديّ الرقيق، والغمازة التي بوجنته اليمنى، تجعل من يراه يوقن أنّه صورة مطابقة ليارا لا يختلف عنها قيد أنملة.
وما لبثت عيناه أن استقرتا فيها، لثوانٍ معدودات، يحدّق في عينيها السوداوين المكحَّلتين، وقد كان كحلها يستفزّه أشدّ الاستفزاز؛ فهما مرسومتان على نحوٍ آسرٍ يزلزل كيانه كلّما رمقها، عينان واسعتان كعيني غزال، وأنفها معتدل تقطر منه مسحة خمريّة، وشفاهها ممتلئة، وشعرها الأسود الكثيف يتدلّى كستارٍ على ظهرها فيزيدها سحرًا.
فما كان منه إلا أن حوّل بصره عنها على عجل، ثم عاد يداوي بقيّة جراح جسدها، وأنفاسه تتلاحق في اضطراب.
كان عزّ يودّ أن يتفقّد ذراعيها، غير أنّ الحياء كبّله عن أن يطلب منها نزع سترته، فبادرت هي بأن كشفت ذراعها فقط، محتفظةً بتغطية سائر جسدها. فارتسمت على محيّاه ابتسامة خفيّة، وأخذ يعالج جراحها في سكينة، ثم لفّ ضمادةً على ما بدا من جروحٍ متناثرة في ذراعها. وبعدها أعانها على أن تدخل ذراعها ثانيةً في كمّ السترة، ثم أخرجت ذراعها الأخرى ليُداويها كذلك. فلمّا فرغ من تضميد جراحها، رمقها بنظرةٍ حانية، وقال بصوتٍ وادع:
"أحسن؟"
هزّت رغد رأسها إيماءً بالإيجاب،ثم صعد عزّ إلى سيارته وأدار محركها، وانطلق بها قاصدًا منطقة سكنها. وما هي إلا لحظات حتى بلغ المكان، فتوقّف بالسيارة عند منزلها، فإذا بصوتٍ جهوريٍّ يصدح من إحدى الشرفات، صوت رجلٍ مسنٍّ غليظ النبرة، تتفجّر من عينيه شرارات الغضب. فهتفت رغد همسًا وهي ترتجف خوفًا:"ده بابا."
ترجّل عزّ من سيارته في سكون، وأخذ يُعدّل من هيئته برويّة، فيما بقيت رغد في الداخل ترتجف خشيةً من النزول. وما هي إلا لحظات حتى اندفع الأب مهرولًا نحو عزّ، وقبل أن ينبس ببنت شفة، كان عزّ قد سبقه بالكلام، متلفّظًا في هدوءٍ مهيب:
"ازي حضرتك... انا عز الشامي.... بنت حضرتك كان فيه ناس بتهاجمها بس الحمد لله هي بخير."
فانفرجت عيناه دهشةً، وقد تجمّد في مكانه مبهوتًا: "عز الشامي!"
ابتسم عز قائلا بثقة: "حضرتك تسمع عن عيلتي؟"
اندفعت الأم نحو ابنتها لتسحبها بلطف نحو الأسفل، فتركت رغد مقعدها وتبعت والدتها، تتردد بخوف من ردة فعل والدها، فإذا بالأب يُفاجئ الجميع بقوله مبتسمًا على غير العادة: "طبعا طبعا... يادي النور ده حضرتك نورتنا... اتفضل يا باشمهندس عز... ده الحارة نورت."
ابتسم عزّ، وألقى نظرةً حانية على رغد التي رمقته بريبةٍ خفية من ردّ فعل أبيها. حاول عزّ أن يوضح للأب أنّ زجاج سيارته قد تكسر، وأنّه لا ينبغي تركها على تلك الحالة، داعيًا إياه إلى اتخاذ الحيطة والحذر : "والله ما هينفع صدقني...."
-تبقى مستعر مننا.
-لا والله أبدا... العربية مش هينفع اسيبها بس ازازها مكسور... اعذرني المرة دي حقك عليا والله بس مش هقدر اتضايف دلوقتي وبعدين الجو اتأخر.... المهم ان رغد رجعتلكم سالمة.
- يبقى نشوفك تاني... بكرة تيجي تتغدى معانا.
ارتبك عزّ وحاول أن يبدِي اعتراضه، إلا أنّ الأب أصرّ على رأيه، فوافق عزّ، لا ليخالفه بل ليجنّب نفسه إحراجًا، وليريه أنّه لم ينظر يومًا إلى الفروق الطبقية بينهم، وأنه لا يحمل مثل هذه الأفكار. استأذن منهم، فصعد إلى سيارته يودعهم، وما إن جلس حتى ألقى نظرة أخيرة إلى الشرفة، فإذا رغد ترمقه بنظرة غامضة لم يستطع تفسيرها، فابتسم وردّ التحية بعينيه. ثم انطلق بسيارته، وخروجًا من الحارة، متجهًا عائدًا إلى منزله الذي يبعد عن منزل رغد مئة كيلومتر.
__________________________
خرجت صبا ويونس، والضحك يعتصرهما بهستيريا إثر ليلة الزفاف، فيما كان الليل قد أرخى ستاره وبدأ يغشى المكان بظلامه الوشيك: "يالهوي كان حتة يوم... ده اجمد يوم قضيته من ساعت ما جيت والله."
ضحك يونس وهو يرمقها، يلهث ضحكًا متأملًا في جمالها، ويسأل نفسه عاجزًا: ما هذا الذي أصاب قلبي؟ كيف للمرء أن ينجذب إلى فتاة ويُعجب بها بهذا الشكل، وقد رأها منذ يومٍ واحد فقط؟
وفجأة رنّ هاتفه، فأخرجه من جيبه ونظر إليه، فإذا رقمٌ مجهول يظهر على الشاشة. تردد لحظة ثم أجاب ليرتفع صوت امرأة من المتحدث قائلاً: "الرقم ده رن عليا الصبح وكنت مشغولة فيه حاجة ضرورية؟؟"
ابتسم يونس وهو ينظر لصبا ويعطيها الهاتف: "والدتك اتصلت."
التمعت عينا صبا بفرحة واخذت هاتفه من يده بسرعة وهمت للتحدث مع أمها بلهفة تجتاح صوتها: "ماما.... انا صبا.... رنيت عليكِ من شاب هنا في فرنسا... ماما رني على صحابي خليهم ييجوا ياخدوني انا تهت منهم."
-مش قولت تخلي بالك يا صبا ومتسرحيش.. طب انتِ كويسة دلوقتي؟
-اه أنا كويسة... خلي تيا او لوسندا يتواصلوا معايا من الرقم ده.
وفجأة صدع صوت أبيها من الهاتف صارخا: "صبا... انا كنت طالع كمان ساعة في طيارة لعندك... موبايلك مقفول وصحابك بنرن عليهم مش عارفين انتِ فين!!!!
-اهدى يا بابا... انا كويسة صدقني...موبايلي فصل وغصب عني توهت في الغابات و في شاب هنا ساعدني وطلع مصري زيي واداني موبايله ورنيت على ماما الصبح بس مردتش... انا عايزاكم تتواصلوا مع صحابي وتخلوهم يكلموني من الرقم اللي بكلمكوا عليه عشان يعرفوا يتواصلوا معايا ويلاقوني...
وظلت حوالي عشر ظقائق تقنعهم انها بخير ولم يصيبها اية مكروه ثم فجأةً انقطع الاتصال، فبعدت صبا الهاتف عن أذنها لتعاين ما حدث، فإذا بهاتف يونس قد فرغت بطاريته. التفتت نحو يونس: "ده فصل! "
تحرّك يونس سيرًا أمامها، مطمئنًا إياها بنظراته: "تعالي انا راكن عربيتي في اخر الشارع فيها باور بانك."
-احكيلي بقى اهلك موديينك فرتسا عسان يكتشفوا موهبتك هنا؟؟
-انا مش معرف حد من اهلي اني بصمم ازياء او اني باخد كورسات اتعلم فيها التصميم...
تفاجأت صبا لتقول باندهاش: "متهزرش!"
قهقه يونس ليقول: "لا يمكن انا لازم اطلع مهندس زي بابايا واساعده واكبر شركاته ازياء ايه دي اللي اشتغل فيها هطلع بتاع فساتين!
انكمش حاجبيها استغرابا:" بتاع فساتين! دي وجهة نظر مين بالظبط!!اكيد حد كبير. "
-بالظبط سمعته من جدتي ومن امي... فكنسلت بقى حوار اني ابقى مصمم ازياء مشهور المهم عندي اني بنمى موهبة جوايا... انا والقماش بينا قصة حب محدش هيفهمها ابدا... ده شغفي... اما بقى عن مهنتي وشغلي فاشطا عادي هنزل مصر واكمل شغل كمهندس مع بابا زي ما اتخرجت من كام سنة من هندسة... طب انتِ تعرفي اني كنت بكره الرياضة.
-فيه حد يكره الرياضة يدخل هندسة؟
-انا... وكنت فاشل فيها... لحد ما اهلي هددوني اني لو متعدلتش وذاكرتها هيمنعوني من كل حاجة وكانوا شايفين انها لو اتذاكرت هعرف احل واني بستهبل عليهم... عملت كده من جانب اني زهقت وعايز انجح وادخل الكلية واتخرج لاني كنت كرهت التعليم وعاوزة اخلص منه باي طريقة وبعد ما اتخرجت وانا طول سنين الكلية حرفيا بكرهها سنة اكتر من اللي قبلها لقيتني بقول لنفسي يمكن لما اشتغل بيها احس بالمتعة واحبها بس محصلش نزلت شغل مع ابويا طول سنين الكلية بس حرفيا كرهت الشغل جدا وبعد ما اتخرجت عيني ابويا مدير لاحد شركاته منكرش اني كنت شاطر في الشغل بس عارفة لما تعملي حاجة انت مغصوبة عليها بس انت شاطرة فبتطلع منك كويسة ومحدش بيلاقي عيوب يخليهم يصدقوا انك فعلا مش حابة الشغل نجاحي خلاني غصب عني اسكت وانسى موضوع الازياء ده بس واحد صاحبي شعلل الموضوع في دماغي من سنتين وحرفيا يمكن كانوا اجمل سنتين قضيتهم في عمري كلها كنت بنزل تدريب من ورا اهلي واروح ورش كتيرة واتعلمت وبقيت بروح حفلات عروض الازياء واتفرج واتعلم لحد ما لقيتني هنا في فرنسا تحت ايد امهر صناع الازياء في فرنسا وقاعد بتعلم منه متخيلة!!
ابتسمت صبا تشجعه بحماس: "مبسوطة انك بتعمل الحاجة اللي بتحبيها ومسيبتش نفسك تتإذي بعقول اهلك والمجتمع.... يمكن انت عشان شاب الموضوع لاهلك قد يكون مأزم حبتين لانك هتبني بقيت اسمهم بعد ما يمشوا اما انا اهلي كان بالنسبالهم عادي ما ادخل اللي بحبه مسيري في الاخر هبقى متجوزة وانا كنت مهووسة بالتصوير بس اخواتي الولاد زيك كده شغالين مع بابا في شركته معرفش مهارتهم ايه بس يمكن عندهم مهارات بينموها من ورانا زيك كده!"
رن هاتف يونس فاعطاه لصبا حينما علم انه رقم والدتها:" ايوة يا ماما. "
-ايه الفديو اللي متصورلك ده يا صبا ونازل على منصات العالم كلها!!!
ضمت صبا حاجبيها باستغراب: "فديو ايه؟؟"
-فديو لشاب بيفصلك فستان على جسمك ده الفديو معدي الخمسينن مليون مشاهدة وهو لسه نازل من اربع ساعات بس! "
-بتقولي ايه يا ماما انا مش فاهمة فديو ايه اللي بتتكلمي عليه؟؟!
-ادخلي وشوفي.
اغلقت صبا معها المكالمة وهي تنظر ليونس الذي ناظرها باستفهام فقالت: "ماما بتقول ان في فديو نازلنا وانت بتفصل الفستان بتاعي في الشارع وحايب خمسين مليون مشاهدة!"
فتح يونس هاتفه، وتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ولج إلى تطبيق "تيك توك" ليرى ما يدور هناك. غير أنّ أوّل ما ظهر أمامه كان الفيديو الخاصّ بهما، وقد حصد عشرين مليون إعجاب!
اتّسعت عيناه دهشة، وتبادل هو وصَبا النظرات مذهولين، قبل أن ينطق بصوتٍ مبهوت:
"انا اتفضحت!"
_________
الثاني من هنا
