اخر الروايات

رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم مريم الشهاوي

رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم مريم الشهاوي


البارت الخامس والعشرون
رواية لا تخافي عزيزتي
بقلم مريم الشهاوي
عاد إلى غرفته متعبًا، وبمجرد دخوله، قام بتبديل ملابسه سريعًا واستلقى على فراشه. شعر براحة غامرة وهو يفتح هاتفه ليطمئن على رسائله. وجد رسالة من يارا، فطمأنها بأنه عاد إلى المنزل بخير. ثم لاحظ رسالة من علا كانت عبارة عن مقطع صوتي، لم يكن على علم بما يحتويه، لكنه قرر فتحه والاستماع إليه.
فجأة، سمع طرقات على باب غرفته. نهض بتثاقل من فراشه ليفتح الباب، ووجد علا واقفة هناك. فور أن فتح الباب، اندفعت إليه وعانقته بشدة، فبادلها العناق وهو يمرر يده على خصلاتها برفق، محاولًا تهدئتها:
- "مالك يا علا؟ من امبارح وانتِ مش على طبيعتك، في حاجة حصلت؟"
ابتعدت عنه قليلًا، بلعت ريقها بشحوب وقالت بصوت مهزوز: "انت صحيح خطوبتك من يارا بكرة؟"
ابتسم عمر بفرحة عارمة، تراجع خطوات إلى الخلف وجلس على فراشه وهو في قمة سعادته، ثم تحدث بفرحة مبهجة: "أيوة... أخيرًا يا علا، أخيرًا."
- "بتحبها؟"
- "بعشقها."
تجمعت الدموع في عينيها، غير مصدقة أن أخيها سيواجه كل هذا وحده. الفتاة التي يحبها، إنها حامل بطفل أخيه!
استلقى على السرير وفتح ذراعيه بسعادة ومبتسمًا: "يارا مش مجرد صاحبتي يا علا... يارا طلعت حاجة كبيرة أوي، أنا مش واخد بالي منها."
نهض بسرعة ليعتدل في جلسته وقال: "تخيلي، مكنتش واخد بالي إنها جميلة كده غير لما حبيتها... أو يمكن لما نظرتي ليها اتغيرت لنظرة حب. كل حاجة فيها حلوة... حاسس إني مراهق وأنا بتكلم كده."
تقدمت نحوه وجلست بجانبه، تحاول أن تبتسم بصعوبة: "كان باين عليك من الأول، بس انت كنت معاند."
- "كنت غبي... إزاي ضيعت السنين دي كلها."
- "بس مش حاسس إنك اتسرعت؟"
- "بالعكس، أنا اتأخرت أوي. بحاول أسرع بالخطوبة والجواز عشان نبقى سوا بأسرع وقت... بصي، نقيتلي البدلة النهاردة، بكرة هستلمها. وكمان انتِ وماما عاوزين لكم سواريه. انزلي معايا بكرة عشان تجيبي دريس ليكِ ولماما عشان الخطوبة."
- "معنديش حاجة بكرة... أوكي هاجي معاك."
سمعا الاثنان طرق والدتهم على باب الغرفة المفتوحة وهي تقول بضجر: "علي لسه مروحش يا عمر، شوفه فين. علا حبيبتي، تعالي معايا بنحضر العشاء لخالتك قمر."
سألتها علا بفضول: "مين طنط اللي جات معاكِ؟"
أجابها عمر: "دي يا ستي صاحبة ماما الروح بالروح. متفتكريهاش انتِ، بس أنا فاكرها. اختفت سنين ودلوقتي ظهرت، معرفش كانت فين كل دا، بس ماما تعرف."
نظر الاثنان إلى والدتهم بتساؤل، فتحدثت دعاء بارتباك وهي تتوجه إلى المطبخ: "مش وقته الكلام دلوقتي. عاوزين نتعشى عشان بكرة ورانا هم ما يتلم. لسه هنعزم العيلة وأبوك جاي بكرة."
توجهت دعاء إلى المطبخ، ثم نظرت علا إلى عمر بحزن: "عمر، كنت عايزة أقولك على حاجة مهمة، خايفة تعرفها بعدين وتلوم عليا إني مقولتلكش... حاجة بخصوص يارا."
وقف عمر بسرعة وركض نحو الباب ليغلقه وقال لها بهمس: "وطي صوتك... حاجة بخصوص يارا إيه؟"
استجمعت قواها لتقول وهي حزينة: "يارا... يارا..."
- "حامل."
اتسعت عيناها بدهشة ونظرت إليه بصدمة: "انت عارف؟"
- "طبعًا عارف. وهي يارا هتخبي عليا حاجة زي كده واحنا خلاص هنبدأ حياتنا؟ استحالة تبدأها بكذبة. قالتلي إنها حامل من أول شهر."
- "أنا مش مصدقة يا عمر... انت عارف إن يارا حامل ومع ذلك هتتجوزها؟!"
- "هتجوزها لأني بحبها، مش عشان أستر عليها. أرجوكي، متفهميهاش زي ما الكل فاهمها. خليكي انتِ بس اللي تفهميني صح."
نزل على ركبتيه، نظر إلى أخته وهو يضغط على يديها: "علا، مش عاوز أي مخلوق يعرف."
صرخت به: "انت عارف إنها حامل من شخص وهتتجوزها؟ انت اتجننت؟"
- "عشان... عشان هي ملهاش ذنب يا علا. يارا متعرفش حتى مين عمل فيها كده، ووالدتها..."
روى لها القصة كاملة، بما كانت تريده رحاب، فنظرت علا إليه وملامح الشفقة ظاهرة على وجهها. كم يارا فتاة مسكينة، ما ذنبها لتواجه كل تلك المشاكل والسبب هو أخوها الحقير.
نزلت دموعها حين تخيلت نفسها في مكان يارا، ماذا كانت ستفعل إن اغتصبها أحمد ذلك اليوم وصارت حامل منه... بل يارا لا تعرف حتى من الذي فعل بها هذا.
بكت بحرقة على قصتها، فعانقها أخوها وهو يربت على ظهرها: "اهدي يا علا... ماما ممكن تسمعك."
- "انت ويارا مينفعش تبقوا سوا يا عمر."
أبعدها بهدوء: "ليه بتقولي كده؟"
- "انت تعرف مين أبو الطفل ده؟"
هز برأسه نافيًا، فبكت علا وهي تقول: "أبو الطفل يبقى..."
قاطعها صراخ دعاء من الخارج: "علااااا يا بنتي، تعالي حضري معايا العشاء. يا عمر، رن على علي شوفه فين."
مسح دموعها بهدوء وهو يبتسم لها: "نبقى نتكلم في وقت تاني. روحي لماما دلوقتي وأنا هرن على علي."
قبلها في خدها بلطف وهو يمزح معها: "عايزك تبقي قمر بكرة، متعيطيش عشان بشرتك."
ابتسمت علا بخفة، ثم نهضت لتذهب إلى والدتها في المطبخ، وكانت طوال الوقت تفكر ماذا تفعل. هل سمع عمر السجل الصوتي؟ بالتأكيد هو لم يسمعه.
استلقى عمر على فراشه مرة أخرى وهو يدندن بفرحة. حين فتح هاتفه، وجد المحادثة بينه وبين علا التي تنتهي بهذا السجل الصوتي. فتحه ليسمع ما به، وحين سمعه، تبدلت تعابير وجهه وصار وجهه لونه احمر من كثرة الغضب. فجأة نهض من فراشه ليبدل ملابسه بسرعة وخرج من غرفته.
هاتفته دعاء قبل أن يخرج: "رايح فين يا بني في عز الليل كده؟"
- "نازل أجيب علي، وانتِ" (شاور على علا) "حسابك معايا بعدين."
فتح باب المنزل وأغلقه وراءه بعنف، لينزل بسرعة على السلالم ويركب سيارته متجهًا إلى مكان ما.
____________________________________
وتذكرت أسيل بعض اللحظات اللطيفة التي كانت بينها وبين والدتها باللحظة الاولى التي رأتها بها.
عودة الي وقت سابق:
كانت أسيل تقترب من الغرفة بخطوات مترددة، قلبها يخفق بشدة وهي تضع يدها على مقبض الباب. لم تكن تتخيل أنها ستعيش هذه اللحظة، تريد الآن التراجع فهي غير مستعدة لتواجه مصير لم تتخيله عقلها لا يستوعب تقبل اي شيء في هذه اللحظة.
دخلت أسيل الغرفة ببطء، ورأت والدتها تنظر لها، نعم هذه قمر والدتها ملامحها لم تتغير تلك النظرة التي بعينيها لون عينيها الذي يشبهها بالملي كل شيء بها كأنها ترى نفسها وهي عجوز كل ما تغير هي بعض التجاعيد التي ملئت وجه والدتها بسبب كبر سنها ركضت أسيل نحو والدتها وألقت بنفسها في حضنها، تحتضنها بشدة وكأنها تحاول تعويض سنوات الفراق في لحظة واحدة. بكت الاثنتان بصوت مسموع، وسط ضجيج الحفل الذي كان يدور في الخارج. حاولت أسيل التعبير عن مشاعرها، ولكن عدم قدرتها على النطق جعلها تعبر فقط بالدموع والعناق.
"امي لم تمت"
"لقد كانت على قيد الحياة طوال هذه المدة"
"انا الآن اعانقها هي وليست صورتها الفوتوغرافيه"
"الآن اعانق امي الحقيقية جسدها المسه وليست بورقة ابكي وانا اعانقها طوال الليل"
كانت لا تصدق نفسها فقط تبكي وقمر التي خفق قلبها بشدة من هولة الموقف لم تتخيل بيوم ان ابنتها ستبعد عنها كل تلك السنوات
قمر بدأت تتفحص وجه أسيل بيديها، تمسح دموعها وتقبل جبينها، وتقول بصوت مختنق:
"وحشتيني يا أسيل، وحشتيني أوي. أنا كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني. إزاي حصل كل ده؟ فين كنتِ كل السنين دي؟"
أسيل، وهي تواصل البكاء، رفعت يدها لتكتب على الهواء بإصبعها، محاولةً التعبير عن مشاعرها وطرح أسئلتها. كانت حركاتها تعبر عن الحيرة والألم والاشتياق.
"إنتِ مش قادرة تتكلمي؟" سألت قمر وهي تتفحص عيون أسيل بقلق. "يا ربّي، إيه اللي حصل لك يا حبيبتي؟ مين اللي عمل فيكِ كده؟"
أخذت أسيل نفسًا عميقًا وأشارت إلى نفسها ثم إلى قلبها، محاولةً إخبار والدتها بأن كل ما حدث لها كان بسبب الألم الذي مرت به. حاولت بقدر ما تستطيع أن تشرح بإشارات اليدين أن الفراق وفقدان الأمل كان السبب في فقدانها القدرة على الكلام.
قمر، وهي تبكي بشدة، قالت: "يا روحي، يا حبيبة قلبي، أنا هنا دلوقتي. مش هسيبك تاني أبدًا. إحنا مع بعض وهنتخطى كل ده سوا. أنا جنبك، وهنكون كويسين وهترجعي تتكلمي تاني واسمع صوتك الي وحشني اوي نفسي اسمع ماما منك ."
احتضنت أسيل والدتها مرة أخرى، وهي تشعر بدفء لم تشعر به منذ سنوات طويلة. كانت تلك اللحظة بداية لشفاء جراح القلب التي سببها الفراق، وأدركت أن الحب الحقيقي لا يموت أبدًا، مهما كانت الظروف قاسية.
حاولت قمر إخبارها بأنها لا يجب ان تظهر الآن هناك امور كثيرة يجب أن تحدث قبل البوح بأنها مازالت على قيد الحياة ومن تلك اللحظة إلى أن تنكشف الحقيقة لا يجب على اسيل بأن تخبر احدًا بأن والدتها مازالت على قيد الحياة ، كان هذا صعبًا على اسيل ولكن قمر استطاعت اقناعها بأنها فترة قصيرة ويعود كل شيء مثلما كان.
~~~
العودة الى الواقع:
كانت تتذكر ما حدث و عيناها مليئتين بالدموع ولكنها ابتسمت من قلبها لأول مرة منذ زمن طويل.
رن هاتفها معبرًا بقدوم رسالة جديدة ففتحتها بسرعة ورأت كلماته اللطيفة التي تغنيها عن كل شيء
"أنا سعيد عشانك يا أسيل. ده اليوم اللي كنتِ بتستنيه طول حياتك عاوزك تكوني اقوى من كده انت لازم تواجهي ومتخافيش اشكري ربنا انه رجعهالك بعد المدة دي كلها لما شافك صابرة وراضية عوضك بعوض مكنتيش متخيلاه حتى كوني متأكده ان ربنا عمره ما بيحطنا في ازمات غير لما بيكون عارف اننا قدها وهنقدر نتخطاها وبيستنى مننا الصبر والرضا عشان يجازينا فوق ما كنا نتمناه، تصبحي على خير يا اجمل ايسو ♡."
عانقت الهاتف بفرحة، بينما غاصت في بحر ذكرياتها مع يزن. كل لحظة بينهما كانت محفورة في قلبها، منذ أول لقاء بينهما أمام جامعتها حين كان يتوسل لها لإعطائه فرصة للحديث، وحتى اليوم الذي عانقها فيه مطمئنًا إياها بأن كل شيء سيكون على ما يرام. كان وجوده في حياتها بمثابة الشعلة التي أضاءت كهفها المظلم. أحبت مزاحه الخفيف وضحكته التي كانت تملأ الأجواء بالبهجة.
حنانه الدائم كان يلفها كوشاح دافئ في ليالي الشتاء الباردة. لم تتذكر يومًا أنه أخافها أو رفع صوته عليها في أي موقف. كان يتحدث إليها بهدوء وسكينة، كأنه يخشى أن يكسرها أو يجرحها بكلمة. كان يخاف عليها ويحرص على سلامتها، وينقذها من كل محنة.
كان يزن تجسيدًا لكل ما هو جميل ونبيل في حياتها. كل تصرف قام به كان يعكس نقاء قلبه وروعة شخصيته. في عينيها، كان هو البطل الذي جاء لينقذها من ظلمات الوحدة والحزن، وكل يوم يقضيهما معًا كان كأنه قطعة من الجنة.
__________________________________
كان جالسًا برفقة زملاءه الفاسدين يتعاطى معهم المخد رات وفجأة جاء ظل ضخم من بعيد وقف واحدًا منهم ممسكًا بعصا حديدية كبيرة وهو يتساءل بمن هناك؟
ولكن لم يجيبه احد تقدم الظل نحوهم حتى ظهر عمر بقامته الضخمه حينما رآه علي اتسعت عيناه بخوف ونهض بسرعة من جلسته
-انت تعرفة يا علي؟
اجابه علي بصوت مرتعش: "دا... دا عمر اخويا"
همس بأذنه صديقه: "تحب نصنفره؟"
قال معترضًا بقوة: "لا طبعا دا اخويا بقولك ملكوش دعوة انتو انا هتفاهم معاه"
تقدم علي نحوه ووقف امامه وقبل ان يتحدث امسكه عمر من ذراعه يجره لخارج الجراج
فتفاجأ عمر بتقدم زملاء علي نحوهم.
ولكن اوقفهم علي وهو يهتف: "لا لا ملكوش دعوة انتو ارجعوا دا اخويا وانا هتعامل معاه محدش يقربله"
خرجوا من هذا المكان حتى وصلوا لسيارة عمر
فتح عمر باب سيارته والقى بعمر بداخلها مثل حقيبة النفايات ثم أغلق الباب بقوة وركب بجانبه من الناحية الأخرى
قال بخوف بنتاب حواسه: "عمر انا كنت هقولك"
-شششششش ولا كلمة
اوقف عمر السيارة في مكان هادئ كل ما يضيئه نور القمر وضوء سيارته بالمصابيح الأمامية.
اخذ نفسًا عميقًا يحاول ان لا يتهور برَدة فعله.
نظر اليه علي بقلق: "عمر اتكلم معايا قول اي حاجة صمتك دا بيقلقني اكتر"
ضربه عمر لكمه قوية على وجهه
صرخ عمر بتآوه ثم نظر إليه معبرًا عن استسلامه: "والله كنت هقولك"
امسكه عمر من ثيابه وهو يصرخ به بخوف وقلق يزداد بداخله على أخيه الصغير:
"يعني ايهه كنت هتقولي يعني اييهه، هو لو كنت قولتلي يعني مكنتش هزعل كنت مستنيك تيجي تقولي؟؟؟ ايه الي ناقصك عشان تتعا طى الزفت الي بتشربه مين لمك على صحاب الجراج اياهم هما دول الي ضيعوك؟؟ من ساعت ما صاحبتهم وانت حالتك في نازل شايل نص المواد الترم دا والله اعلم هتعمل ايه في باقي السنة"
صرخ علي به بقوة: انت بتزعق كده ليه "
اجتمعت الدموع بأعين عمر وهو يقول: "انا خايف عليك يا غبي كده هتضيع نفسك. "
تفاجأ عمر بدموع علي المشحونة بالضعف وقلة الحيلة وهو يقول:
"انا ضيعت اصلًا يا عمر معدتش فيه طريقة ارجع بيها تاني علي بتاع زمان ضاع مني انا مش عارف اعمل حاجة حاسس اني تايه يا عمر ومش عارف انا بعمل ايه دي الحاجة الوحيدة الي لاقتها بتخليني فرحان ومبسوط وبدخل عالم تاني وبخرج من العالم الي انا فيه والي دايمًا بدعي اني اخرج منه للابد مش لمجرد ساعات."
لم يجد عمر كلمات ليقولها بذاك الموقف فعانقه وهو يربت على ظهره ودموعه نزلت على خديه بقهر:
"متخافش... انا معاك... لسه باقيلك وقت تتوب صدقني كله هيبقى بخير، متخافش"
ابعده عمر وامسك بوجهه بيديه الاثنين وقال بحنين أخ: "انت راجل يلا، والرجالة مبتعيطش اجمد كده وعافر عشان تعدل نفسك ولا انت عاجبك الي انت فيه دا."
-لا مش عاجبني، انقذني يا عمر انا عاوز ابقى بني ادم كويس خايف من كل حاجة وخايف من الي جاي، خايف من عقاب ربنا
منذ أن تملكه الإحساس بأن الرب قد ينتقم منه بأخته كما حدث مع يارا، تغلغلت في أعماقه مشاعر خوف وقلق لا تنتهي. أدرك فجأة أن ما وقع لم يكن مجرد صدفة، بل كان إنذارًا إلهيًا وتحذيرًا واضحًا من عقاب قد يكون قادمًا لا محالة.
قال له عمر محاولًا طمأنته: "متخافش يا علي طول ما اخوك في ضهرك اوعى تخاف وربنا بيسامح هترجع وهتكون احسن من الأول"
عانقه عمر مرة اخرى ومازال يبكي: "حقك عليا يا عمر لو كنت زعلتك في يوم او ضايقتك متزعلش مني"
-مبزعلش منك... ياض انت ابني قبل ما تبقى اخويا فيه حد يزعل من ضناه دنا اللي مربيك
ضحك على كالطفل الصغير ثم اشعل عمر السيارة من جديد وتوجه للذهاب إلي "المصحة".
-احنا فين يا عمر؟
-انزل يا علي واسمع اللي هقولك عليه
نزل عمر من السيارة وهو ينظر للمبنى الضخم امامه امسك عمر يديه وتقدما الي المبني وقبل ان يدخلا المبني نظر اليه عمر بحزن وقال
-ايًا كان الي هيحصلك جوا فدا لمصلحتك، انا خايف عليك وعاوزك تتعالج من اللي انت فيه توب وارجع لربنا وثق انه جمبك وهيسامحك.
كان لا يفهم شيئًا حتى وجد عدة اطباء يلتفون حوله ويمسكونه فحاول علي تحرير نفسه بعنف وهو يصرخ بإسم اخيه الذي ادار ظهره عنه وخرج من المبني، بكى علي وهو يتذكر آخر كلمات سمعها من عمر يطمئن بها نفسه.
ادخلوه غرفة خالية من اي شيء فقط فراش ينام عليه فطلب منهم بأن يغتسل فحققوا له رغبته بادخاله للمرحاض ليغتسل ثم خرج منه وحينها ادخلوه لتلك الغرفة من جديد تقدم وجلس على الفراش يفكر فطلب منهم بأن يأتوا إليه بسجادة صلاة ومصحفًا ليقرأ منه .
وبعد قليل جلبو اليه السجادة والمصحف وعرفه الطبيب كيف اتجاه القبلة ليُصلي.
ثم فرد علي سجادة الصلاة ليقيم الصلاة عليها، وبدأ يبكي بحرقة في صلاته، طالبًا المغفرة بصدق عما اقترف من ذنوب، ومستغيثًا بربه أن يمنحه القوة لتجاوز هذا الطريق الشاق بسهولة. التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والله غفور رحيم. كلما جالت في خاطره فكرة التعا طي، كان يلجأ إلى كتاب الله، يتلو آياته الكريمة ليبدد بها وساوسه ويهدأ بها روحه. كانت تلك الليلة شديدة الوطأة عليه، لكنه كان مؤمنًا بقدرته على الصمود، وخاصة أن أخاه يقف إلى جانبه، يدعمه ويسانده في تجاوز هذه المحنة.
عاد عمر إلى منزله وجلس على فراشه، ودموع الأسى تنهمر بحرارة على خديه حين يفكر بحال أخيه. كانت أفكار إلغاء حفل الخطبة تتلاطم في عقله، لكنها تلاشت أمام ذكرى فرحة يارا التي لا يمكن أن يمحوها بتلك السهولة لهذا القرار. لم يكن يريد أن يطفئ تلك البهجة التي زرعت في قلبها. قرر ألا يخبر أحدًا عن وجود أخيه في المصحة، إيمانًا منه بأنه سيتعافى ويعود بعافية إلى حضنهم. علم تمام العلم أن عليه أن يخفي حزنه وضعفه، حتى لا يُلقي بظلال الشك والتساؤلات على قدرته على التغلب على المحنة. في هذه اللحظات المؤلمة، كان يتحمل عبء مشاعره بقوة، متعهدًا بالبقاء صامدًا ومتين العزم أمام الصعوبات، لأجل حماية أسرته وإبقائها في أمان وسلام.
_______________________________
باليوم التالي استيقظ مصطفى على فطور هدير التي كانت تضعه امامه بسعادة كبيرة جلست بجانبه وهي تتحدث معه وتحاول ان تنسيه ما حزنه
-وبقيت شغلك عملتي فيه ايه
-صراحة الراتب هنا اضعاف ما كنت باخده فكرت كتير اني اروح اشتغل في البيوت بس كنت بخاف لان معظمهم بيبقى فيهم شباب لكن البيت هنا ريحني ومعظمه ستات ويعتبر انت وباباك الي موجودين وساعات باباك بيكون مسافر فمفيش حاجة اخاف منها وفيه كتير خدم موجودين فانا مش لوحدي كنسلت الباقي وبقيت معتمدة الشغل دا.
-واخواتك؟
-ياسين ودارين بيروحوا الصبح الحضانة وبعد العصر هما عارفين بيت طنط فردوس جارتنا ساكنة جمب الحضانة بيروحوا يقعدوا معاها الشوية دول لحد ما بخلص هنا وبرجع اجيبهم ونروح والاجازة قربت تخلص شوية ويرجعوا تاني فترة الصبح في المدرسة واجيلهم على اخر النهار.
-وباباك؟
نظرت إليه بحزن:" بابا مشوفتوش تاني من ساعت ما قابلك هو عادةً ما بيظهر واديك شوفت ظهر لما اخرت عليه الفلوس بتاعت اول الشهر . "
ظلّا يتحدثان في مواضيع شتى، بعضها لا يحمل أهمية تذكر، لكنهما كانا يستمتعان بكل لحظة يمضيانها معًا. كان مصطفى يتنقل بين تأملها وهي تتكلم وبين الاستماع إليها. كثيرًا ما كانت تتشتت أفكاره بسبب سحر جمالها الطبيعي، الخالي من أي مستحضرات تجميل. كانت ملامحها نقية، حاجبها بسيط، وعفويتها تأسره. كان يعشق فيها تلك الطبيعة البسيطة غير المتكلفة، وطريقتها الصادقة في الحديث. لم تكن تتصنع، بل كانت تتحدث ببساطة وعفوية تامة، مما جعله يشعر بعمق صدقها وجمال روحها.
قاطع حديثهم رحاب التي كانت تسير بممر غرفة مصطفى واستغربت من وجود هدير بالغرفة معه بل وجالسة بجانبه ايضًا تتحدث وتضحك ما علاقة تلك الفتاة بابنها؟
-من امتى واحنا بنقعد نضحك ونهزر مع الخدامين
شعرت هدير بالاهانة من بحة صوتها ونهضت مسرعة لتخرج من الغرفة تنظر للاسفل باحراج
وقف مصطفى بغضب مما سمعه: "ماما هدير مش خدامة."
-اوو... هدير! كمان عارف اسمها دي لسه جاية امبارح؟ ومن امتى واحنا بنصاحبهم ونقعد نضحك معاهم.
-عشان هدير مش خدامة زي مانت متخيلها انا مش شايفها خدامة انا اعرفها من قبل كده و....
كان سيفشي بسره ولكنه تراجع بسرعة قبل ان يخرب كل شيء.
تقدمت تجاهه وامسكته من ذراعه لتدفعه خارج الغرفة وهي تقول له: "بص تحت كده هدير بتكنس مع بقيت الشغالين... تبقى خدامة."
شعر مصطفى بوجع داخله وهو يراها ثم نظر بالجهة الأخرى ليقول لوالدته باستسلام: "انت عايزة ايه يا مام؟ "
-عايزاك تفوق... اختك ضاعت من ايدي عاوزاك تنصح شوية وتبقى اختيارات صحيحة وفوق لنفسك.
دخل مصطفى الغرفة وهو يرفع رأسه للاعلى وياخد نفسه بعنف فجاءت رحاب من خلفه وهي تهتف بتساؤل:"مين خرجك امبارح؟ "
-يزن
-ودخل ازاي؟
-معرفش المهم انه خرجني من الاوضة اللي كنت حبساني فيها
قالها بصوت مشحون بالوجع وكتمان دموعه واهتزاز صوته بتلك الكلمات جعلت رحاب تشعر بشيء كغصة ما بقلبها من سماع صوته بهذا الضعف!
-ماما انا تعبان اوي مممكن تسيبيني اريح شوية قبل حفلة خطوبة يارا.
خرجت رحاب من غرفته واغلقت الباب ومرت على غرفة يارا فرأت اسيل وراءها تضحك معها وتختار معها المجوهرات التي سترديها يارا اليوم.
فابتسمت رحاب قليلًا وهي ترى يارا سعيدة هكذا ما يرضيها هو انها ترى ابنتها سعيدة حقا من قلبها بتلك الزيجة.
نزلت بالاسفل لتشرف على اقامة الحفل والترتيبات.
___________________________
-عمر انا مش مصدقة اللي قولته لماما وان علي سافر...انت سمعت الريكورد صح
-انزلي يا علا الاتيليه اهو انزلي مش وقته الكلام دلوقتي
-مش هنزل إلا لما تجاوبني، انت زعلان مني.... س... سمعت الريكورد اللي بعتهولك... علي كويس وديته فين ؟
-اه كويس يا علا في مكان احسن
صرخت علا بقلق: "مات؟؟."
انكر عمر بسرعة: "مات ايه بس لا.. اهدي انا وديته مصحة يتعالج."
ابتسمت علا واخذت نفسًا مريحًا ثم سألته: "ويارا؟"
-سيبنا من يارا دلوقتي نركز عليكِ
بلعت ريقها بخوف: "انا؟"
-جبتي الريكورد دا منين؟
-من موبايل علي
-وجبتيه من موبايل علي ازاي قولتيله هاخد منك ريكورد مكالمة بينك وبين صاحبك، دا تسميه ايه؟
-انت بتقول ايه يا عمر... لولا الي عملته كان زمانك متعرفش اي حاجة عن اللي علي عملها
-كان فيه كذا طريقة تعرفني الا الطريقة دي اللي انا متقبلهاش ابدًا دا اسمه تجسس فاهمة يعني ايه تجسس اللي عملتيه غلط وميكررش تاني .
-حاضر يا عمر، بس متنكرش ان اللي عملته دا كان لازم عشان تعرف كل حاجة علي بيعملها، انت سمعت الريكورد؟
-سمعته بالحرف
-طب شوفت هو اتكلم عليا ازاي وفي الآخر صاحبه قاله ايه عليا انت شايف علي بيعمل ايه؟؟؟
قال باستغراب: "اتكلموا عليكِ؟؟.... الريكورد كان بين علي وصاحبه وبيتفقوا هيروحوا ويجيبوا المنيل الي بيتعا طوه دا امتى وهيتقابلوا فين."
اتسعت عيناها من الصدمة وقالت: "لا اكيد مش دا."
اخرج هاتفه من جيب بنطاله وفتح السجل الصوتي لتسمعه: "مش دا ايه اهو الريكورد اللي بعتيه."
سمعت السجل الصوتي الذي كان يدور بمحادثة صوتية حول علي وصديق آخر انه ليس هو،ليس السجل الذي سمعته، انه السجل الخاطئ!
وتذكرت ما حدث في لحظة من التوتر، وهي تقوم بإرسال السجل الصوتي لنفسها، ضغطت عن طريق الخطأ على السجل الخاطئ وأرسلته دون التحقق من صحته، فقد كانت مشغولة بالخوف من أن يكتشف علي ما تقوم به. والآن، تجدها تندم على حماقتها، فقد أرسلت شيئًا دون أن تكون واثقة مما إذا كان هو السجل الصوتي المناسب أم لا. عمر لا يزال غافلاً عن كل ما يجري، وهي تشعر بالقلق المتزايد حيال ما قد تسببت فيه هذه الخطوة السريعة والخاطئة.
وضعت يديها على جبينها بندم
فسألها عمر: "في ايه مالك؟"
فتحت عينيها ونظرت اليه: "عمر انت لازم تعرف.....
-المهم متكرريش الحركة دي تاني يا علا احنا اخوات وكل واحد ليه خصوصيته
-حاضر... بس انت لازم تعرف ان علي اتفق مع صاحبه انهم......
-استني بابا بيرن
ابتسم وهو يفتح المكالمة:" حمد لله علسلامة دقايق واكون عندك"
اغلق المكالمة ونظر لعلا وهو يضحك: "خلاص ننسى كل حاجة عشان النهاردة هو اسعد يوم في حياتي."
اخرج مال من حافيته واعطاه لعلا: "خدي دول بزيادة عشان لو لقيتي حاجة عجبتك متنسيش ماما عاوزة سواريه اسود مبتحبش الالوان هروح اجيب بابا من المطار واوصله وبعد كده اجي اجيبك وبعدين هروح هظبط نفسي بقا."
ضحك ضحكة جميلة نقية مليئة بالفرحة الصادقة وهذا ما اقلق علا اكثر.
نزلت من السيارة ثم اسرع عمر بالتوجه الي مطار ليستقبل والده الذي نزل خصيصًا ليحضر خطبة ابنه ويعود مرة اخرى ليكمل عمله.
_____________________________
تألقت يارا بفستانها الاخضر احب الالوان الي قلبها، فستان يارا الأخضر كان أشبه بلوحة فنية تنبض بالحياة، حيث اختلطت ألوان الطبيعة واختزجت في تلك القطعة الفنية، تجسيدًا لجمال الطبيعة وتنوعها. بدت يارا وكأنها زهرة نضرة تنمو في وسط حديقة خضراء تفوح بعطر الأزهار وجمال الورود. كان الفستان يعكس جوهر يارا الداخلي، حيث اختارت اللون الأخضر الذي يمثل الحياة والنمو والتجدد، وهو لون يعبر عن حبها العميق للطبيعة وروحها الحرة والمتجددة. تصميم الفستان كان يتناغم بشكل مثالي مع قوامها الرشيق، مع تفاصيل دقيقة تضفي عليه لمسة من الأناقة والسحر.
وايضًا لا ننسى عمر، بوسامته الساحرة وأناقته في البذلة، كان يتميز بلقب "الجنتل مان"، فعندما يرتدي بذلة، يتحول شكله بشكل ملحوظ، مُلبّيًا القيم الرفيعة والأناقة الراقية. تتحول مئة وثمانون درجة، ليصبح مظهره يعكس الأناقة والرزانة التي تتلاءم مع كبار الشخصيات في المجتمع.
___________________
كانت يارا سعيدة وقلقه بنفس الوقت ولكن عانقتها اسيل بحب وهي تطمئنها بعينيها بأن اليوم سيمر بخير فهو يوم خطبتها من الشخص التي كانت تنتظره طيلت عمرها...ثم خرجت اسيل من الغرفة وتقابلت مع رحاب التي دخلت الغرفة ورأت ابنتها كم هي جميلة حقًا وكم هي حمقاء ايضًا!
جمالها خلاب يذهب عقل مليونير وليس عمر هذا كانت تتمنى بأن تزوجها من رجل غني لتعيش حياة مريحة، ولكنها اختارت طريقًا خاطئًا والآن تدفع ثمن خطأها.
عانقتها ببرود ثم نظرت اليها وقالت:
" اي مالك ما تهدي شوية ارسي كده"
-يا ماما فرحانة
ردت عليها بقسوة: "فرحانة على ايه دي فرحة دي بس نقول ايه كان فين مخك وانت بتعملي كده معاه وانا اللي غلطانة اني مراقبتكيش وعرفت بتروحي وبتيجي فين."
-ماما ارجوك مش عاوزة اتضايق النهاردة سيبني افرح يوم
قالت بتذمر وهي تقلدها بسخرية: "سيبني افرح يوم...محسساني ان حياتك كانت جحيم... انت بنفسك اللي بتوديها للجحيم بإيديكي... بس انت حرة كل واحد بيتحمل نتيجة غلطته يلا عشان المعازيم مستنية واهله جم."
كانت اسيل بانتظار يزن وارسلت اليه رسالة عبر هاتفها: "انت مش قولت هتيجي خلاص هتبدأ الحفلة!"
ارسل لها رسالة نصية "خلاص أنا في مسافة السكة."
___________________
نزلت يارا بخطوات خجولة، وكأنها تُرى لأول مرة بعيني عمر. كانت تتجنب نظراته التي كانت تتبعها بإعجاب وشغف.
نظر عمر إلى يارا، وتسارعت دقات قلبه، وكأن سحرها قد سيطر عليه، فلم يعد يرى سوى يارا، واختفى الجميع من حوله. تقدم نحوها بخطوات واثقة، متأملاً جمالها الذي ظل غافلاً عنه طوال تلك السنوات، وكأنه يكتشفها من جديد.
أمسك بيديها الاثنتين، ونظر في عينيها بصمت، مستشعرًا في تلك اللحظة تدفق مشاعر غير منتظمة. كانت يارا تخجل من نظراته العميقة، ولكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من النظر في عينيه، حيث التقت أعينهما، محملة بكلمات كثيرة لا يستطيع أي منهما البوح بها. وحين طال نظره اليها قالت في توتر وخجل:
"عمر، قول حاجة اتحرك انا ابتديت اقلق."
قال بهيام واضحًا على تعابير وجهه: "انا ازاي كنت مغفل كده ازاي مشوفتكيش كل دا ازاي روحتي عن بالي، انا غبي."
ضحكت قائلة: "للأسف اه."
ضحك عمر وهو ينظر اليها متعلقًا بعينيها لا يقدر على النظر لشيء اخر: "انا مش مصدق انك حبيبتي مش مصدق انك قدام عيني بصفتك حبيبتي،انا اسعد انسان في الكوكب واكتر انسان محظوظ...بحبك."
عانقها بقوة وصفق الجميع في فرحة عدا رحاب التي كانت تؤدي بالواجب وكانت تمَل من تلك الحفلة الزائفة لولا اناقة عمر لما كانت عرفته على اصدقائها وما كانت صنعت حفل من الأساس.
لاحظت احدى صديقاتها شرودها فسألتها بفضول: "مالك يا رحاب؟"
-مش قادرة اصدق نفسي... بجد مش دا الي توقعته من يارا ابدًا
-اي مالها يارا حبت شخص كويس ومحترم ومهندس وكمان....وسيم
-ايوة بس مش دي الطبقة اللي كنت عايزاه تفضل فيها انا عليت طبقة وكان نفسي احطها في طبقة اعلى من كده هيعيشها في شقة... شقة !! مش قادرة اتخيل انها هتعيش الي عيشته تاني.
-هي بتحبه ودا اهم حاجة
لم تكترث رحاب بتعبير صديقتها، وحدقت في المشهد أمامها بنظرات تحمل نية تخريب تلك الزيجة، ولكنها كانت تعلم أن ما باليد حيلة. كان لا بد أن تتزوج ابنتها بمن اقترفت معه تلك الجريمة، وإلا ستُفضح هي وابنتها ويُطردان من المنزل. لو علم شريف بالأمر، لما أبقى عليهما لحظة واحدة، حرصًا على سمعته.
وعلى الجانب الآخر، نظرت إلى أسيل التي كانت تستقبل يزن بابتسامة ملؤها الفرح. منذ ظهور يزن في حياتها، تغيّر حالها وبدأت ترى ضحكتها تزين وجهها بشكل متكرر.
كان قلب رحاب يشتعل بنيران الغيرة والحقد، وهي ترى مصطفى واقفًا مع هدير، يضحكون بسعادة. شعرت بأن أحلامها تتبخر أمام عينيها. كل ما كانت ترتب له يسير عكس ما توقعت. ترى أولادها يضحكون مع من هم أقل منهم مكانة اجتماعية، وترى أسيل تضحك مع يزن الذي يفوقهم ثراءً.
تمنّت لو كان يزن من نصيب يارا، ومصطفى لفتاة غنية مثلهم، وأسيل لأي شاب عادي يبقيها تعيسة وتُدمر، بينما يبقى أولادها الآخرون في أرقى حالاتهم وأفضل إطلالاتهم. لكنها الآن ترى أحلامها تتهاوى واحدة تلو الأخرى، وكل شيء يحدث بعكس ما خططت له. كانت تلك اللحظات تلتهم قلبها حسرة ومرارة، وهي تشهد انقلاب الأمور رأسًا على عقب.
____________________
تحدث يزن مع اسيل يسألها
-اسيل هو انت بتاخدي دوا بتاكلي حاجة بتشربي حاجة واجبة لازم تعمليها قبل ما تنامي؟
كتبت له بدفترها"طبعًا مبعرفش انام غير لما اشرب كوباية قرفة بلبن معرفش انام غير لما اشربها بتريح اعصابي وبتساعدني علنوم. "
تعمق كلماتها واخذ يفكر ان كانوا يضعون لاسيل شيئًا بكوب الحليب هذا قبل ان تشربه ام هي نالت صدمة اخرى عليه ان يتأكد اولًا.
ثم استأذن منها ليذهب للمرحاض فاوقفته هدير
-بعد اذن حصرتك ممكن نتكلم شوية؟
-اه اتفضلي طبعًا عاوزة حاجة؟
-انت خطيب اسيل مش كده شوفتك امبارح عاوزة اقولك على حاجة بتخص اسيل
انتبه يزن للحديث وقال: "اكيد اتفضلي."
-انا سألت استاذ مصطفى وقالي مفيش غيرك اللي اقدر اقوله بعيد عن مدام رحاب...
-قلقتيني، خير؟
-خير ان شاء الله بس كنت امبارح بنضف المطبخ بعد ما الكل مشي وحد من الخدم الكبيرة بتاعتنا مشرفتنا قالتلي اني احضر حليب واغليه واطلعه لاسيل هانم و وانا بصبه وبحطه في الصنية وبحط جمبيه بطرمان قرفة لاني عرفت انها بتحب القرفة باللبن قبل ما تنام لقيت مشرفتنا سعدية بتديني شريط دوا اخد منه حباية وبتقولي ادوبه في اللبن انا الصراحة حاولت استفسر منها دا ليه قالتلي دا علاج ليها... بس لما طلعت وسألت اسيل هانم عشان اعرف عندها معرفة بدا ولا لا، لان ممكن انها كانت تاخد الحباية لوحدها بشوية ماية ليه ادوبه في اللبن مكنتش مقتنعة الصراحة وحسيت ان فيه ان ولما سألتها كتبتلي في الدفتر انها مش بتعاني من حاجة ولا بتاخد علاج ومكنش عندها دراية بإنهم بيدوبلها حباية في اللبن اللي بتشربه انا قولت لمصطفى اني عاوزة اقول لرحاب هانم ولكن مصطفى منعني وقالي اقول لحضرتك الاول وان رحاب هانم اكيد عندها دراية بدا لان الشغالين مش هيعملوا كده من نفسهم.
صُدم يزن مما سمعه، وتيقن بأن أسيل لا تتحدث بسبب مؤامرة خطيرة وراء ذلك، رحاب هي من تسعى لإخماد صوتها وإسكاتها إلى الأبد لجعلها خرساء عن قصد. كان يزن يشتعل غضبًا، ويفكر في الذهاب إلى رحاب وخنقها حتى الموت بسبب ما تفعله بصغيرته البريئة. أدرك حجم المعاناة التي مرت بها أسيل، والتي ما زالت تعاني منها تحت وطأة هؤلاء البشر القساة. ولكن الآن، طفح الكيل. لم يعد يزن مستعدًا للسماح لأي شخص بأن يقترب من أسيل أو يؤذيها. قرر أن يحميها بكل قوته، وأن يكون الدرع الذي يصد عنها كل أشكال الأذى. مشاعر الحماية والغضب تغلي في صدره، وتملأ قلبه بتصميم لا يلين على الدفاع عن من يحب، مهما كلفه الأمر.
________________________
كان عمر يحتفظ بصورة ليارا في جيب بنطاله الخلفي، وعندما استخرجها وتأمل ملامحها، انهمرت دموعه بغزارة. بكى مثل الأطفال، فالحب الذي يكنه لها كان عميقًا وصادقًا. أحبها بصمت، وأخفى هذا الحب في أعماق قلبه. الآن، يتساءل كيف سيواجهها بعدما تسبب في إيذائها. هل ستسامحه على ما فعله؟
كانت مشاعره متضاربة، بين الحب العميق والشعور بالذنب، يهمس لنفسه: "أرجوكِ، سامحيني يا يارا. لقد أخطأت بحقك، وأطلب منك العفو."
كانت دموعه تعبر عن ندمه العميق وألمه، وكأنها تروي قصة حب مختبئة وصراع داخلي لا يهدأ. كلما نظر إلى صورتها، تمنى أن يجد في قلبها مكانًا للمسامحة، وأن تمنحه فرصة جديدة ليكفر عن أخطائه ويعوضها عن الألم الذي سببه.
__________________________
أمسك عمر بيد يارا برفق، وعيناه تتأملان وجهها بابتسامة تعكس سعادته العميقة. عندما ألبسها خاتم الخطبة، شعرت يارا بنبض قلبها يتسارع من فرط الفرح، وكانت نظراتهما تحمل الكثير من الحب والتفاؤل. كان كل منهما يشعر بأن هذا الخاتم ليس مجرد قطعة من المجوهرات، بل رمزًا لوعدٍ أبدي يجمع بين قلبيهما.
رقصا معًا وسط الحضور، محاطين بنغمات الموسيقى الرقيقة، وضحكاتهم الطريفة تتعالى بين الحين والآخر. كان الحب يغمرهما بشكل لم يعرفاه من قبل، يتمنيان أن تتوقف عقارب الساعة ليعيشا في تلك اللحظات للأبد. كانت عيونهما تلتقي بين الحين والآخر، مليئة بالشغف والأمل، وكأنهما يرسمان مستقبلًا مشرقًا معًا.
لكن، بالرغم من السعادة الغامرة التي عاشاها، كان القدر ينسج في الخلفية خيوطًا لم تكن في الحسبان. كانت هناك أحداث قادمة تنتظرهم، مجهولة المعالم، قد تهز أساسات تلك اللحظات السعيدة. وفي أعماق قلب كل منهما، كان هناك إدراك خافت بأن الحياة قد تخبئ لهم تحديات جديدة، لكنهما كانا مستعدين لمواجهتها معًا، مستمدين القوة من حبهم العميق.
______________________
باركت اسيل ويزن ليارا وعمر في سعادة وبارك مصطفى ليارا وعانقها بقوة وهو يشعر بسعادة اخته التي طالما تمناها واخيرًا يراها سعيدة
قال مصطفى بحب وهو ينظر لاخته: "مش عاوزة الفرحة دي تختفي من وشك تاني طلع لايق عليكِ الفرحة اكتر بحس ان كل اعضاء وشك بتضحك معاكِ"
قال عمر بتأكيد: "ايوة فعلًا شايف فرحتها عاملة ازاي."
تحدث مصطفى بمرح: "لو كنت اعرف ان اللي هيخلي ضحكتك من الودن دي للودن دي عمر كنت اجبرته يتجوزك من زمان."
اجابه عمر بتمني: "ياريت كنت عملت كدا علأقل كنت شوفت صح بدل ما كنت مغفل ساعتها كده"
قالت يارا بابتسامة وحب بداخلها: "ربنا كاتبلنا نتخطب في اليوم كذا الساعة كذا فدي تدابير مش هندخل فيها ولو اتأخرت فدا عشان ربنا مخبيلنا الخير."
ابتسموا الثلاثة بفرحة عارمة، وتقدم عمر بخطواته ليكمل رقصته مع يارا. كان مصطفى يراقبهم بعينين ملؤهما التأمل، حتى وقعت عيناه على هدير التي كانت واقفة امامه ولكن بعيدة عنه حيث كان بينهم عمر ويارا يرقصون كانت مثله تمامًا تتأملهم بصمت وهي مبتسمة .
تلاقت أعينهما وتخيل كل منهما أنهما يرقصان سويًا مثل عمر ويارا، إذ اختفى العالم من حولهم وبقيا هما الاثنان فقط. تقدم مصطفى نحو هدير ببطء، ووضع يده بلطف على خصرها ليجذبها نحوه برقة. استسلمت هي لنظراته الساحرة، ولفّت ذراعيها حول عنقه بحب. أخذوا يرقصون بإنسجام تام، غمرهم الحب وملأت الضحكات وجهيهما. فجأة، توقفت أحلامهم وعادوا إلى الواقع حين تغيرت الموسيقى إلى نغمة جديدة ألهبت أجواء الحفل. ضحكوا بخجل على تخيلاتهم، وانسحبت هدير من أمام ناظري مصطفى بخجل واضح، وكأنها شعرت أن مصطفى قد اكتشف ما كانت تتخيله. ثم انطلقت لأداء واجباتها.
رفع مصطفى شعره بتأمل، ونظر إلى البعيد وهو يضحك بمحبة، فرأى شهاب أمامه يشاركه الضحك. نسي مصطفى كل شيء في لحظة، وعانق شهاب بشوق عميق، ورقصا معاً وسط ضحكات تملأ المكان.
_______________
قال شريف بانبهار: "انا شايف سعادة عارمة على وجوه كل الي في الحفلة النهاردة مصطفى يارا اسيل كلهم مبسوطين."
اجابته رحاب:" طبيعي يفرحوا شوية ويحزنوا شوية دي الحياة متتخيلش انك تفضل فرحان دايمًا لو فرحت اعرف ان فيه حزن مقبل عليك دايمًا ترقب الحياة لانها غدارة. "
-يا ستار عليكِ دا بدل ما تقولي الحمد لله لان كنت ملاحظ تعاسة اولادك الفترة دي واهم سعداء كلهم.
نظرت اليه رحاب ووافقته الرأي وحمدت ربها بتأدية واجب فقط.
________________________
بحثت أسيل عنه بشغف وأخيرًا رأته يقف ويتحدث مع دعاء. أثار الفضول في قلبها تساؤلات عما يدور بينهما من حديث.
قادها الفضول للاقترب منهما. وعندما اقتربت، لاحظ يزن اقترابها وحاول تغيير الموضوع قائلاً:
- أسيل، كنا لسه بنتكلم عنك.
نظرت أسيل إلى دعاء، ثم أخرجت دفترتها وكتبت: "ماما كويسة؟"
قرأت دعاء ما كتبته وأجابتها بابتسامة مطمئنة:
- آه يا حبيبتي، كويسة الحمد لله.
ثم نظرت إلى يزن وقالت:
- يلا.
أمسك يزن بيد أسيل ليتوجها الثلاثة بالخروج من المنزل، وركبوا جميعًا في سيارة يزن. كانت أسيل تشعر بالحيرة والارتباك، فسألت يزن بعينيها التي تعكسان تساؤلاتها. أدرك يزن ما يجول بخاطرها، فابتسم وقال:
- هتعرفي لما نوصل.
وصلوا أمام عمارة كبيرة، ونزلوا جميعًا من السيارة. عندما نزلت أسيل، نظرت إلى يزن بتساؤل. تفاجأت به يضع قماشة صغيرة على عينيها. أظهر القلق والخوف في ملامحها حين فقدت رؤية ما حولها، فطمأنها يزن بإمساكه بيدها وهمس في أذنها بدفء قائلاً:
"لا تخافي عزيزتي، أنا هنا ولن يصيبك أي مكروه ما دمتُ معك.♡"
ابتسمت أسيل من سماع تلك اللهجة، فهي طالما أحبّت سماعها. أمسك يزن بيديها وتقدما معًا داخل العمارة. لم تكن أسيل تعلم إلى أين يذهبون أو بمن ستلتقي، لكن إحساس الأمان الذي منحه إياها جعلها تتابع خطواتها بثقة.
........


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close