رواية شظايا قسوته الفصل الرابع عشر 14 بقلم رحمة سيد
شظايا قسـوتـه
الفصـل الرابــع عشـر :
ذهـاب .. و رحـيل !!!!
كلمـاتـان بمعنـى واحـد، وإجابة واحدة في قامـوس " الصقـر " ..
_ لأ
قالهـا ببساطـة وهو ينهض مقابلاً إصرارها العازم على الهـروب من الخطـر ..
بجمـود حتمي يخبئ خلفـه رغبـة خلف رغبـة يمنعهـم بمهـارة من الظهور !!!
فرمقتـه بنظـرات متعجبة من رفـضًا غير مبرر بالنسبة لها ثم سألته بحدة :
_ وإنت مالك أصلاً ؟
رفـع كتفيه ليرد ببرود :
_ أنا صاحب الشغل اللي إنتِ بتشتغلي فيه وبقولك لأ
عقـدت ذراعيها متساءلة بغيظ مكتوم :
_ لأ لية إن شاء الله ؟؟
وكالعـادة رسم الجديـة الخشنة قبل أن يقـول مشيرًا بأصبعه :
_ واحد إنتِ ماعندكيش سبب مقنع، أتنـين أنا صاحب الشغل وبقولك مش هينفع تسيبيه دلوقتِ لإني مفيش خدامة تاخد مكانك، تلاتة أنا مش فاضي لشغل العيال ده إطلعي برة
جحـظت عينـاها بذهـول حقيقي ..
يرسـم لها خطـوط رغبـته وإرادتـه، ثم يتركها وكأنه متأكدًا من سيرهـا حسب خطوطـه - إجباريًا - دون تردد !!!!
ولكـنها لن تفعـل .. لن تكـون خائفـة مرتعـدة دائمًا وهي التي كانـت لا تهـاب شيئً !!
فكـزت على أسنانها بغيظ، ثم خـرج صوتهـا جامدًا بصلابـة :
_ السبب المقنـع وعندي إن انا حتى معرفش مين الناس اللي جـم دول وعايزين مني إية او حتى عملوا فيا أية، أما انك بتقول الشغل فدة مش ذنبي إن مفيش حد عايز يشتغل عندك
ورده كان حـازم :
_ اللي جم دول ماجوش عشانـك إنتِ، رغم إني مش مضطر أبررلك بس دول جايين عشان ياخدوا ورق تبع الشغل
اومـأت بتصميم :
_ بردو
جـلس مرة اخرى وقال بهدوء بارد :
_ أبقي إمشي أول ما ألاقـي شغـالة مكانك
ولا مفـر مر فرمـان صدر من الصقـر ..
فرمان إن خالفتـه بالتأكيد سيُصدر واحدًا مماثلاً له - للقضـاء عليها -
وللحق هي في غنى عن غضبه الجم !!!
اومـأت بنفاذ صبر :
_ ماشي ماشي، بس أول ما تلاقي شغالة همشي فورًا
اومـأ بجمـود :
_ أبقي امشي، اكيد مش هشبط فيكِ زي العيل الصغير من جمال عيونك يعني
ورمقتـه بنظـرات مغتاظـة ..
لقد تيقنـت أن مشاداته لها أصبح لا يستغنـى عنها، وكأنها تصدر تلقائيًا كلما رأهـا امامـه !!!!!
فأجـابت بسؤال مصحوب باللوم :
_ هو أنت مابتعرفش تشوفني إلا وتنكشنـي يعني ؟ لية بتجر شكلي نفسي أفهم يعني !؟
وهـو نفسـه يجهـل ذاك السـبب !!
يجهله أم يريـد تجاهله عن عمد ؟!
لا يهم ايًا كـان .. هو بعنفـه الدائـم معها يستشف إنقطـاع خيوط إنجذابـه لها !!
والتي تقريبًا تأتي بنتيجة عكسية تمامًا !!!!!
إبتسم من زاوية فمه ليهتف :
_ الحقيقة مش عارف، بس ممكن تصدقي !
وفغـرت فاهه وهي تحدق به كالبلهـاء !!
اصبـح تجفل من تغيـره المفاجئ هذا ..
وكأنـه شيئً ما مدهش ينتقـل من مرحلة لأخرى قبل أن تبدء باستيعاب ما يفعـله !!!!!
عقـدت ذراعيهـا لتغمغم بغضب :
_ رخم كان مفروض يسمـوه الصقر الجارح مش الصقر بس
وإقترب منها في لمح البصـر يمسـك ذراعهـا ليسألها بحدة مصطنعة :
_ إنتِ قولتِ إية ؟
إبتلعت ريقها بازدراء، ثم اجابت بعدم فهم مصطنع :
_ أنا، هو انا قولت حاجة اصلاً، انا مقولتش خالص يعني
كـادت أبتسامـة صغيرة تشـق طريقها لثغـره كعادته عندمـا يتحدث معها ..
وأصبح يتعجب نفسه، لا يصبـح على طبيعتـه ابدًا معها !!!
وكأنـه يُسلـط عيناه على افعالهـا الجيدة فقط، حتى ينقذها من غضـب الصقر المُدمـر !!!!!
هل تُشكـله هو كقطعة صغيرة كيفما شاءت دون أن تدري ؟!!
تركها وهو يشيـر لها للخـارج ويقول :
_ روحي على شغلك، وتجبيلي كوباية قهوة مظبوطـة
اومـأت بحنق :
_ ماااشي
سارت وكادت تخـرج إلا أنـه اوقفهـا بصوته الأجش :
_ أستني
إلتفتت له متساءلة :
_ نعم !؟
أشـار لفاهها متساءلاً بعبث وخبث :
_ مش ده اللي بينطق حاجات هو مش أدهـا، انا بعد كدة هعاقبه بطريقتي بقا
وسألته بسذاجة :
_ إزاي يعني ؟!!!
وفرصـة للأقتـراب يجب إغنتامهـا كعادته، فاقتـرب من شفتاها الورديـة التي اصبح يتوق لأكلها ..
لتبتعد هي صارخة بجزع :
_ خلاص خلاص فهمت أنا اسفة
قهقه على ذعرهـا ليشير لها :
_ طب يلا يا طفلة أطلعي بـرة
زمـت شفتيها بحنق :
_ أنا مش طفلـة
سألها بخبث :
_ وإية اللي يثبت لي
ونظـراته أوحت لها ما يدور بخلـده، فأشارت له وهي تركض :
_ خلاص خلاص أنت مابتعرفش تفكر غير في كـدة
ليضحـك هو هامسًا :
_ والله طفلة، بس طفلة هتخليني أعمل حاجات كتير تندمني فيما بعد !!!!!!
**********
" وعندمـا تكون مشاهـد فقط تختلف عن كونـك أنت المحاور " !!
وصـل " مجـدي " إلى منـزله الأخـر ...
لم يكـن يعلم ضرر الزيجـة الثانيـة، رأى وسمـع المشكلات والغيـظ الذي يكـون ضبابًا حول الزوجـة .. وماسًا لمن يحاول مشاكستها ويسخر ويصمت !!
ولكن الان .. فعليًا يجـرب ذاك الغيظ الذي إنفجـر من شخصًا غير متوقع !!!!!
" رقية " التي كانت تُمثل المعنى الحقيقي للهـدوء والرزانـة !!!
ولكن الغيـرة فعلت فتيل الغيـظ بداخلها !
فتـح باب المنزل ليجـد " بـدور " تجلس بجوار والدته أمام التلفاز يشاهدون أحدى الأفلام بهدوء .. بجوار ضحكاتهم العالية والتي كانـت كالسهام تقصد هدفًا ما !!
وظـل ينظر لوالدته باذبهـلال ...
ألم تكـن تلك من كانت تتجنـب رقية دائمًا !؟
بل غالبًا لا تجلس معها وحدهـم !!!؟
ألم تكن تلك قوانينها المعتادة مع زوجته، الان تنحـدر عن تلك القوانين مع زوجتـه الاخرى .. ولكـن - الغاية تبرر الوسيلة - !!!
اقترب منهم وهو يلقي التحية :
_ السلام عليكم يا أمي
اجابت بود :
_ وعليكم السلام
ثم سألته مصطنعـة خطوط الحزن على قسماتهـا :
_ عملت إية يا حبيبي ؟
سألها بجدية :
_ بتسألي لية يا أمي ؟
رفعـت كتفيهـا لتجيب بلامبالاة مصطنعة :
_ عادي بسأل مش أكتر
تـابع بجدية ألزمتها الصمت :
_ لو سمحتي ماتفتحيش الموضوع ده تاني، وتأكدي أن اخدتلك حقك وخلاص
اومـأت هامسة بهدوء :
_ طيـب
إتجـه للداخـل كالأعصـار الغاضـب يكتسح من امامـه، فلكزت بدور في ذراعها مغمغمة بخـبث :
_ قومي يابت ورا جوزك شوفيه، أكيد جاي متنكد من عند الهـانم
اومـأت وهي تشير لها بنـبرة خبيثة توازي خبثهـا الدائـم :
_ منا عارفة بس كان لازم أكون الزوجة المطيعة اللي مابتتدخلش بين الأم وأبنها
ضحكت متابعة :
_ طيب يلا ياختي قومـي
نهضـت بدور وهي تعـدل من هندامهـا، علها تنجـح في إثـارته وتتوغل لداخله ولو مرة واحـدة فقـط ..
مرة واحدة تشعر فيها أنها انتصرت أمام من تتربـع على عرش قلبـه !!!
دلفت الى الغرفـة ثم رمقتـه بنظرة ذات مغزى وهي تراه يخلع قميصـه لتقول :
_ إية يا حبيبي اجهزلك حمامـك
هـز رأسه نافيًا :
_ لا أنا بعرف لوحدي، روحي إقعدي زي ما كنتِ قاعدة
سألته مضيقة عيناها بخبث :
_ مالك يا مجدي شكلك متضايق ؟!!
إبتعـد وهو يرد ببرود :
_ لأ مش مضايق
فاجئتـه باحتضانهـا له من الخـلف، لتشعـره بسخونة جسدها .. ومشاعرها المتدفقـة الغزيـرة نحـوه، وإن كانـت طريقتها خاطئة ...
يبقى هو أمنيتهـا وحبها الوحيـد !!!!
يبقى هو المنـال والحُلـم الذي لا يفارقهـا فيجعلها تتمسـك برسم خططها الخبيثة اكثـر !!!
فهمست بجوار اذنه بطريقة حميمية :
_ وحشتني على فكرة
تقـوس فمه بابتسامة ساخرة :
_ أنا سيبتك يوم واحد
شددت من احتضانـه هامسة بسببًا مشتاقة يسخر منه كالعادة :
_ إنت بتوحشني حتى وأنت معايا
دلـف الى المرحاض ثم همس :
_ اه وماله، هنبقى نتناقش في الموضوع ده بعدين
أغـلق البـاب بعنف في وجههـا، وكأنه بتلك الحركة يعبر لها عن أغلاقـه لكل الفرص لدلوفها وتعمقها في حياته !!
يذكرها بسبب قدومها لهذا المنزل، يذكرها كما يُذكر نفسه بسبب رابط الزواج الخانق بالنسبة له معها !!!!!!
بينما هي تأففت بغيظ :
_ ماشي يا مجدي، أنت اللي اضطرتني لكدة وهاجيبك ليا راكع بردو
فاتجهـت للمكتبة الصغيرة فأخرجـت زجاجـة صغيرة، ثم اتجهت للفراش وهي تنظر خلفها كل حينٍ ومين ..
ثم بدءت ترش على الفراش برفـق وحذر !!!!!!!!
**********
جـلست ناديـن تنظـر من شرفـة الغرفة للعالـم الخارجي المشرق ..
العالم الذي غادرته بفضـل زجـة الذئـاب البشرية وفعلتهم الشنيعـة !!!
عيناهـا هائمة شاردة في نور الشمّس خلسة وكأنها ترجوه ألا يغادرها !!
أقترب ياسين الذي لم يغادر من جوارهـا ليصبـح خلفهـا تمامًا ..
وهمس بصـوت عذب هادئ :
_ يلا يا نادو عشان هتروحي تعيشي مع سلـيم
لم يجـد رد فعل كالعـادة فهمـس بهدوء :
_ هسرحلك شعرك أكيد مش هتروحي كدة
ولأول مرة يفعلها ..
يهتم لأمر شخـص او يهنـدم شخص، هذا ليس من عادتـه ولن يكون من عادتـه يومًا !!!!؟
ولكن الاستثنائـات تظهـر .. من أجلها فقط !!
أمسك بفرشاة الشعـر ثم اقترب منهم يمسد على خصلاتها الناعمـة كنعومة شخصيتهـا وهشاشتهـا ..
ثم بدء يحدثـها وكأنه تسمعـه او ستتجـاوب معـه :
_ إنتِ عارفة أنه انا اول مرة أسرح لبنت شعرهـا ؟
صمت برهه يستشف رد فعلها ليردف :
_ النهاردة الجوو حلو جدًا، رطب وهادي، أكيد إنتِ كمان حاسـه بيه
لم يعـرف لمَ شعـر أن تلك الجملـة أخذهـا على وتيـرة نفسـه !!!؟
وكأن لسانه اخطأ مسـاره ووُضعـت مرآة الحيـرة فعُكست الجملة على نفسـه !!
ولكن فعلاً .. هل تشعـر به ام لا ؟!
وكأنه اجابـت بأمساكها ليده التي توقفت عن العبث بمنابت شعـرها أثنـاء شروده !!!
وكـانت دعوة صريحة منها أن يُكمل ما كان يفعلـه ...
فابتسـم بفرحـة مهللاً :
_ إنتِ فعلاً حاسه بيا يا نادو، حاسه بيا صح ؟!!!!
أكمل ما كان يفعله ليتابع :
_ عارفة يا ناديـن، لما جيت لك ماكنتش أول مرة أشوفك، كنت شايفك بقالي شهور من يوم ما جيتي هنـا، براقبك غصب عني وكأن حاجة بتجبرني على كدة، مكنتش فاهم ولا عارف إنتِ فيكِ إية بس كنت عايز أبقى قريب منك وخلاص، كنت بستنى كل زيارة للدار عشان أشوفك واعرف اخبارك من الممرضات لحد ما شكـوا فيـا خلاص
ضحـك وهو يضربهـا على رأسها برفق وقال بمـرح :
_ عاجبك كدة انا الدكتور الهادي الشديد ياسين منصور أفضل اسأل على واحدة معرفهاش
ولمـح طيفًا صغيرًا من ابتسامتـها التي حكمـت عليها بالمـوت كصاحبتها !!!!
والأرتياح أنعش روحه القلقـه، وزرع به أملاً جديدًا قويًا إلى حدًا ما ...
أي خيوطًا من الحنـان تقابلهـا بسلاسـل تتمسك به !!!
انتهـى ليجعلهـا تنهـض، وما إن انتصبت امامـه حتى وجـد نفسـه يستنشـق عبير شعرهـا الجـذاب ...
ويقيد خصرهـا بيـداه الصلبـة ليغرز رأسـه عند خصلاتها التي تغطي رقبتهـا، ويغمض عينـاه متأوهًا من ذاك القرب الذي لطالما تمنـاه منذ أن رآهـا ...
بينما هي كانت ترتعـش بيـن يـداه ..
ترتعـش من لمسـات لم تعهـدها ابدًا من قبـل ...
لمسـات كـانت كسحر يُصب عليها لأول مرة فيصيبها بـدوار مفاجئ !!!
أبتعد هو عندما شعر بحالتها تلك، ولام نفسـه بشدة ..
لام نفسـه على إقتراب لم يأخذ مفتاحه منها، شعر أنه .. مستغـل !!!
مستغل لتلك الحالة التي تجتاحها دومًا !!
أمسـك بوجههـا بين يديـه ليهمس متأسفًا بحنق من نفسه :
_ نادين أنا اسـف، بجد أسف، مش عارف إية اللي بيحصلي وأنا معاكِ
أقتـرب أكثر حتى ألصق جبينـه بجبينهـا، ثم تابع همسه امام شفتاها بشغف :
_ سامحيني يا حبيبتي، سامحي ضعفـي قدامـك !!
وفجـأة وجـد البـاب يُفتـح دون أن يُطـرق، ودون فرصة له للأبتعـاد حتى و.. !!!!!!!!
*********
وعنـدمـا يأكلك الغيـظ اكلاً بلا رحمـة، كدعوة منه للتصرف مسرعًا، تحاول التمسك بحلاً سريعاً، وإن كنت لا ترغبه !!!!!
جـلستـا كـلاً من " بـدر " شقيقـة " بـدور " بل وتؤأمهـا الثانـي ..
توأمها في الخبث .. في الحقد وفي الرغبـة، وكأنهم لم يتشابهـوا في الشكل فقـط، بل تشابهوا في الچينـات والصفـات ايضًا
" فولة وإتقسمت نصين " كما يقولون !!! ووالدتهـا في مـنزلهم المتوسـط، تحديدًا في الصالـون، يتحاورون كعادتهـم ويتدخلون فيما ليس لهم علاقة بـه !!!!
يجلسا سويًا على الأريكة البنية الناعمـة ، و
زفـرت بدر وهي تخبط على قدمها قبل أن تقـول بسخط :
_ يا ماما قولتلك بدور مش هتعرف تتصـرف
مصمصت والدتهـا شفتيها بتهكم :
_ لا والله، وإنتِ اللي كنتِ هتعرفي تتصرفي ياختي
اومأت مؤكدة بغرور :
_ أيوة طبعًا، أنا انصـح منها شويـة
نظـرت له باستهانـة، لتشدد على قولها الجـاد كتحذير واضح :
_ خلاص، دلوقتِ هي اللي مراتـه وهي اللي لازم تتصرف
عقـدت ذراعيهـا مغمغمة بغيظ :
_ منا قولت لك كنت أنا اللي اتجوزتـه
رمقتهـا بنظرات حادة صراخة :
_ إنتِ عبيطة يابت إنتِ، أمه كانت عاوزة أختك مش عاوزاكِ إنتِ !!!
تأففت وهي تبرر :
_ قال يعني هو بيعرف يفرق بين وبين أختي هو او أمـه دي
أشـارت لها بيدهـا .. خوفًا حقيقيًا ينبـع بداخلهـا من تفكير أبنتها السام والذي تعرفه عن ظهـر قلب !!!
كـيف تمنعهـا ؟!
كيف تكـون واقـي لحياة أبنتها الأخرى وهي من علمتهم الأصرار حد الموت على شيئً يرغبـوه !!!!
فقـالت حانقـة بحـزم :
_ بدر خلاص الكلام خلص، أختك اكيد هتعرف تتصـرف ده الحل بقا في إيديها !
_ مااااشي يا امي مااشي
همست بها بدر وهي تتابع خطاها بحقد بينما نهـضت متجهة لغرفتهـا دون كلمـة اخرى...
لتحتـد عينا بدر السـوداء وهي تمسك خصلاتها - المصبوغة الصفراء - لتهمـس بصوت اشبه لفحيح الأفعى :
_ وحياة قصاقيصي دول لو ماعرفت تتصرف لهتصرف أنا وعليا وعلى اعدائي !!!!!!!!!
***********
في مكـان إرتيـاح جميلة المعتـاد .. في الحديقـة الخضـراء، تحديدًا وقـت غروب الشمـس لتودع الأرض بوعد العودة مجددًا جـلست جميلـة كعادتها على كرسيها الخشبي الذي يهتـز ..
يهتـز ويهز معه تفكيرها الدائم فيصبح وكأنه يُقلل منه قليلاً !!!!!
وسيـلا امامـها تجلس بابتسامتها المعهـودة، يتحـدثـان سويًا ..
حسب أول خطـوة في خطـة جميلة !!!
يدردشـان سويًا وبالطبـع كانـت اسئلتهـا حول حياتها تسقط على سيلا كسـوطًا من الأشتياق الحـاد !!!!!
وأرسـلت جميـلة احدى الخدم لشـراء بعض الأشيـاء للتسلية، والذي تذمـر باعتراض شديد على ذهابـه بدلاً من صديقه المريض ...
ونظرت لها حتى فاجئتهـا جميلة بسؤالها الذي يحمل معنًا حاولت سيلا تجاهله :
_ ها يا سيلا لسة مش ناوية تحكي لي عن حياتك بردو ؟
هـزت رأسهـا نافيـة، وطغـى التوتر على ملامحهـا وهي ترد متلعثمة :
_ وهو انا فاكرة اصلاً يا طنـط عشان أحكي لك ؟
اومـأت جميلة مؤكـدة بابتسامة :
_ طبعًا فاكرة يا سـيلا عـزت
ثم سألتها بخبث :
_ مش أسمك سيـلا القاضي بـردو ؟
وتلـون وجههـا باللون الأصفر على الفور ...
لون الأرتبـاك المعتاد الذي زحـف لوجنتاهـا خوفًا من القـادم !!!!!!
لتهمس بسذاجة :
_ وآآ حضـ حضـرتك عـ عرفتي إزاي !!؟
مـطت شفتيهـا مرددة :
_ طريقتي الخاصة بقا يا حبيبتي، المهم هاا قوليلي أبوكِ لسة زي ما هو ولا اتغير
إبتلعت ريقها هامسة بارتعاد:
_ أنا مش فاكرة اصلاً عشان أقول لحضرتك
رمقتهـا جميلة بنظرة زادت من معدل القلق بداخلها .. نظرة حذرتها واكدت لها أن مُعـراة امامـه !!!!
فيما يعني أن كذبهـا شفـاف امامها !!
أن معلوماتهـا كجهاز كاشف للكذب عن سيـلا !!؟
فتابعت :
_ لأ إنتِ فاكرة كويس أوي، سيلا عزت القاضـي، بنت عيلة القاضي الغنية عن التعريف، 23 سنـة بتشتغلي محاميـة، رقية أختك الغير شقيقة، والدتك الله يرحمها
معلومـات بالرغم من انها عنها هي، إلا انهـا كانت كموجـات كهربائية صاعقة تسري بجسدهـا !!!
ماذا تفعـل الان !!!!!! لن تستطـع الهرب، والمأزق اصبح مأزقيـن ؟!!!
ووجدت نفسها تسألها ببلاهة :
_ طـ طب هو حضرتك تعرفيني منين ؟
عـادت جميلة بظهرها للخلف لتستطرد :
_ بطلي تقولي حضرتك تاني، قولي خالتو، ثانيًا مش مهم عرفت منين، المهم إن انا مش عدوتك ومش عاوزاكِ تخافي مني خالص بل بالعكس أفتحيلي قلبك وأحكي لي إية اللي جابك هنا ؟
وما بيـن صدمة وحيـرة ..
ظلت هي عالقـة، ماذا تفعل الان ؟!
وتخبرها وتُخاطر بحياة جدها الحبيب ام تصمـت لتخسر درعًا قويًا كجميلة ؟!!!
وكأن سليـم شعر بحيرتها فهبط من الأعلى بملابسه المهندمة كالعادة ..
ليجد سيلا هكذل فقال دون تردد :
_ أية ده إنتِ قاعدة كدة لية ؟
ردت جميلة بهدوء :
_ عادي يا سليم بندردش بس
رمـق سيـلا بتلك النظرات القاسيـة والتي اقتربت على الاعتياد عليها وأردف :
_ من أمتى وأحنا بندردش مع الخدم يا خـالة ؟ هه من امتى ؟
كادت جميلة تعتـرض بغضب من إهانـات باتت تشعر بها بلا نهاية :
_ سليم مينفعش كدة إنت آآ
قاطعها مشيرًا لسيلا بصـوت آمر :
_ خشي على شغـلك يلا بلا دلع ماسخ
وبالطـبع نهضت سيلا دون كلمـة اخـرى متجهة للداخـل، والدمـوع كانت كالغمامة امام عينيها البنيـة ..
فكادت تلامس سليم دون قصد فإبتعدت على الفور كأنها لمست كهرباء مميتـة !!!
لتسير ببطئ متجهة للداخل هائمـة حتى اصطدمـت في زهرية كبيرة فكادت تقـع، وكـان أول من يمسكها من خصرها ليمنعها من السقوط هو سليـم !!!
نظر لعيناها التي امتـلأت بالدمـوع، فلم تعطيه فرصة وهي تبعد يدها عنه متمتمة بصوت مبحوح :
_ شكراً مش محتاجة مساعدة من حد
ثم سـارت للداخـل بخطوات شبه راكضـة، لينظـر سليم لأثرهـا ببعضًا من الضيق !!
نهضـت جميـلة بغـضب .. غضب تكـور داخلها كبركـان سينفجر حتمًا في وجه ذلك الصقــر .. ما بالك بهذه الفتاة التي منذ مجيئها لم يكف عن قسوته المعتادة !!!!
لتصيح فيه بحدة ولأول مرة :
_ أية اللي أنت عملته ده يا سليم ؟
لم يـرد عليها ومازال ينظر لأثـار سيـلا، فاستلم هو الأمر هذه المرة وقد تبدلت الأدوار :
_ تخش تعتذر لها دلوقتِ وحالاً، وإلا قسمـاً برب العزة قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين يا سليـم يابن وردة
ولم يشعـر بنفسه ألا وهو يركـض متجهًا نحو غرفة سيلا !!!!!!!!
**********
يتبـع
الفصـل الرابــع عشـر :
ذهـاب .. و رحـيل !!!!
كلمـاتـان بمعنـى واحـد، وإجابة واحدة في قامـوس " الصقـر " ..
_ لأ
قالهـا ببساطـة وهو ينهض مقابلاً إصرارها العازم على الهـروب من الخطـر ..
بجمـود حتمي يخبئ خلفـه رغبـة خلف رغبـة يمنعهـم بمهـارة من الظهور !!!
فرمقتـه بنظـرات متعجبة من رفـضًا غير مبرر بالنسبة لها ثم سألته بحدة :
_ وإنت مالك أصلاً ؟
رفـع كتفيه ليرد ببرود :
_ أنا صاحب الشغل اللي إنتِ بتشتغلي فيه وبقولك لأ
عقـدت ذراعيها متساءلة بغيظ مكتوم :
_ لأ لية إن شاء الله ؟؟
وكالعـادة رسم الجديـة الخشنة قبل أن يقـول مشيرًا بأصبعه :
_ واحد إنتِ ماعندكيش سبب مقنع، أتنـين أنا صاحب الشغل وبقولك مش هينفع تسيبيه دلوقتِ لإني مفيش خدامة تاخد مكانك، تلاتة أنا مش فاضي لشغل العيال ده إطلعي برة
جحـظت عينـاها بذهـول حقيقي ..
يرسـم لها خطـوط رغبـته وإرادتـه، ثم يتركها وكأنه متأكدًا من سيرهـا حسب خطوطـه - إجباريًا - دون تردد !!!!
ولكـنها لن تفعـل .. لن تكـون خائفـة مرتعـدة دائمًا وهي التي كانـت لا تهـاب شيئً !!
فكـزت على أسنانها بغيظ، ثم خـرج صوتهـا جامدًا بصلابـة :
_ السبب المقنـع وعندي إن انا حتى معرفش مين الناس اللي جـم دول وعايزين مني إية او حتى عملوا فيا أية، أما انك بتقول الشغل فدة مش ذنبي إن مفيش حد عايز يشتغل عندك
ورده كان حـازم :
_ اللي جم دول ماجوش عشانـك إنتِ، رغم إني مش مضطر أبررلك بس دول جايين عشان ياخدوا ورق تبع الشغل
اومـأت بتصميم :
_ بردو
جـلس مرة اخرى وقال بهدوء بارد :
_ أبقي إمشي أول ما ألاقـي شغـالة مكانك
ولا مفـر مر فرمـان صدر من الصقـر ..
فرمان إن خالفتـه بالتأكيد سيُصدر واحدًا مماثلاً له - للقضـاء عليها -
وللحق هي في غنى عن غضبه الجم !!!
اومـأت بنفاذ صبر :
_ ماشي ماشي، بس أول ما تلاقي شغالة همشي فورًا
اومـأ بجمـود :
_ أبقي امشي، اكيد مش هشبط فيكِ زي العيل الصغير من جمال عيونك يعني
ورمقتـه بنظـرات مغتاظـة ..
لقد تيقنـت أن مشاداته لها أصبح لا يستغنـى عنها، وكأنها تصدر تلقائيًا كلما رأهـا امامـه !!!!!
فأجـابت بسؤال مصحوب باللوم :
_ هو أنت مابتعرفش تشوفني إلا وتنكشنـي يعني ؟ لية بتجر شكلي نفسي أفهم يعني !؟
وهـو نفسـه يجهـل ذاك السـبب !!
يجهله أم يريـد تجاهله عن عمد ؟!
لا يهم ايًا كـان .. هو بعنفـه الدائـم معها يستشف إنقطـاع خيوط إنجذابـه لها !!
والتي تقريبًا تأتي بنتيجة عكسية تمامًا !!!!!
إبتسم من زاوية فمه ليهتف :
_ الحقيقة مش عارف، بس ممكن تصدقي !
وفغـرت فاهه وهي تحدق به كالبلهـاء !!
اصبـح تجفل من تغيـره المفاجئ هذا ..
وكأنـه شيئً ما مدهش ينتقـل من مرحلة لأخرى قبل أن تبدء باستيعاب ما يفعـله !!!!!
عقـدت ذراعيهـا لتغمغم بغضب :
_ رخم كان مفروض يسمـوه الصقر الجارح مش الصقر بس
وإقترب منها في لمح البصـر يمسـك ذراعهـا ليسألها بحدة مصطنعة :
_ إنتِ قولتِ إية ؟
إبتلعت ريقها بازدراء، ثم اجابت بعدم فهم مصطنع :
_ أنا، هو انا قولت حاجة اصلاً، انا مقولتش خالص يعني
كـادت أبتسامـة صغيرة تشـق طريقها لثغـره كعادته عندمـا يتحدث معها ..
وأصبح يتعجب نفسه، لا يصبـح على طبيعتـه ابدًا معها !!!
وكأنـه يُسلـط عيناه على افعالهـا الجيدة فقط، حتى ينقذها من غضـب الصقر المُدمـر !!!!!
هل تُشكـله هو كقطعة صغيرة كيفما شاءت دون أن تدري ؟!!
تركها وهو يشيـر لها للخـارج ويقول :
_ روحي على شغلك، وتجبيلي كوباية قهوة مظبوطـة
اومـأت بحنق :
_ ماااشي
سارت وكادت تخـرج إلا أنـه اوقفهـا بصوته الأجش :
_ أستني
إلتفتت له متساءلة :
_ نعم !؟
أشـار لفاهها متساءلاً بعبث وخبث :
_ مش ده اللي بينطق حاجات هو مش أدهـا، انا بعد كدة هعاقبه بطريقتي بقا
وسألته بسذاجة :
_ إزاي يعني ؟!!!
وفرصـة للأقتـراب يجب إغنتامهـا كعادته، فاقتـرب من شفتاها الورديـة التي اصبح يتوق لأكلها ..
لتبتعد هي صارخة بجزع :
_ خلاص خلاص فهمت أنا اسفة
قهقه على ذعرهـا ليشير لها :
_ طب يلا يا طفلة أطلعي بـرة
زمـت شفتيها بحنق :
_ أنا مش طفلـة
سألها بخبث :
_ وإية اللي يثبت لي
ونظـراته أوحت لها ما يدور بخلـده، فأشارت له وهي تركض :
_ خلاص خلاص أنت مابتعرفش تفكر غير في كـدة
ليضحـك هو هامسًا :
_ والله طفلة، بس طفلة هتخليني أعمل حاجات كتير تندمني فيما بعد !!!!!!
**********
" وعندمـا تكون مشاهـد فقط تختلف عن كونـك أنت المحاور " !!
وصـل " مجـدي " إلى منـزله الأخـر ...
لم يكـن يعلم ضرر الزيجـة الثانيـة، رأى وسمـع المشكلات والغيـظ الذي يكـون ضبابًا حول الزوجـة .. وماسًا لمن يحاول مشاكستها ويسخر ويصمت !!
ولكن الان .. فعليًا يجـرب ذاك الغيظ الذي إنفجـر من شخصًا غير متوقع !!!!!
" رقية " التي كانت تُمثل المعنى الحقيقي للهـدوء والرزانـة !!!
ولكن الغيـرة فعلت فتيل الغيـظ بداخلها !
فتـح باب المنزل ليجـد " بـدور " تجلس بجوار والدته أمام التلفاز يشاهدون أحدى الأفلام بهدوء .. بجوار ضحكاتهم العالية والتي كانـت كالسهام تقصد هدفًا ما !!
وظـل ينظر لوالدته باذبهـلال ...
ألم تكـن تلك من كانت تتجنـب رقية دائمًا !؟
بل غالبًا لا تجلس معها وحدهـم !!!؟
ألم تكن تلك قوانينها المعتادة مع زوجته، الان تنحـدر عن تلك القوانين مع زوجتـه الاخرى .. ولكـن - الغاية تبرر الوسيلة - !!!
اقترب منهم وهو يلقي التحية :
_ السلام عليكم يا أمي
اجابت بود :
_ وعليكم السلام
ثم سألته مصطنعـة خطوط الحزن على قسماتهـا :
_ عملت إية يا حبيبي ؟
سألها بجدية :
_ بتسألي لية يا أمي ؟
رفعـت كتفيهـا لتجيب بلامبالاة مصطنعة :
_ عادي بسأل مش أكتر
تـابع بجدية ألزمتها الصمت :
_ لو سمحتي ماتفتحيش الموضوع ده تاني، وتأكدي أن اخدتلك حقك وخلاص
اومـأت هامسة بهدوء :
_ طيـب
إتجـه للداخـل كالأعصـار الغاضـب يكتسح من امامـه، فلكزت بدور في ذراعها مغمغمة بخـبث :
_ قومي يابت ورا جوزك شوفيه، أكيد جاي متنكد من عند الهـانم
اومـأت وهي تشير لها بنـبرة خبيثة توازي خبثهـا الدائـم :
_ منا عارفة بس كان لازم أكون الزوجة المطيعة اللي مابتتدخلش بين الأم وأبنها
ضحكت متابعة :
_ طيب يلا ياختي قومـي
نهضـت بدور وهي تعـدل من هندامهـا، علها تنجـح في إثـارته وتتوغل لداخله ولو مرة واحـدة فقـط ..
مرة واحدة تشعر فيها أنها انتصرت أمام من تتربـع على عرش قلبـه !!!
دلفت الى الغرفـة ثم رمقتـه بنظرة ذات مغزى وهي تراه يخلع قميصـه لتقول :
_ إية يا حبيبي اجهزلك حمامـك
هـز رأسه نافيًا :
_ لا أنا بعرف لوحدي، روحي إقعدي زي ما كنتِ قاعدة
سألته مضيقة عيناها بخبث :
_ مالك يا مجدي شكلك متضايق ؟!!
إبتعـد وهو يرد ببرود :
_ لأ مش مضايق
فاجئتـه باحتضانهـا له من الخـلف، لتشعـره بسخونة جسدها .. ومشاعرها المتدفقـة الغزيـرة نحـوه، وإن كانـت طريقتها خاطئة ...
يبقى هو أمنيتهـا وحبها الوحيـد !!!!
يبقى هو المنـال والحُلـم الذي لا يفارقهـا فيجعلها تتمسـك برسم خططها الخبيثة اكثـر !!!
فهمست بجوار اذنه بطريقة حميمية :
_ وحشتني على فكرة
تقـوس فمه بابتسامة ساخرة :
_ أنا سيبتك يوم واحد
شددت من احتضانـه هامسة بسببًا مشتاقة يسخر منه كالعادة :
_ إنت بتوحشني حتى وأنت معايا
دلـف الى المرحاض ثم همس :
_ اه وماله، هنبقى نتناقش في الموضوع ده بعدين
أغـلق البـاب بعنف في وجههـا، وكأنه بتلك الحركة يعبر لها عن أغلاقـه لكل الفرص لدلوفها وتعمقها في حياته !!
يذكرها بسبب قدومها لهذا المنزل، يذكرها كما يُذكر نفسه بسبب رابط الزواج الخانق بالنسبة له معها !!!!!!
بينما هي تأففت بغيظ :
_ ماشي يا مجدي، أنت اللي اضطرتني لكدة وهاجيبك ليا راكع بردو
فاتجهـت للمكتبة الصغيرة فأخرجـت زجاجـة صغيرة، ثم اتجهت للفراش وهي تنظر خلفها كل حينٍ ومين ..
ثم بدءت ترش على الفراش برفـق وحذر !!!!!!!!
**********
جـلست ناديـن تنظـر من شرفـة الغرفة للعالـم الخارجي المشرق ..
العالم الذي غادرته بفضـل زجـة الذئـاب البشرية وفعلتهم الشنيعـة !!!
عيناهـا هائمة شاردة في نور الشمّس خلسة وكأنها ترجوه ألا يغادرها !!
أقترب ياسين الذي لم يغادر من جوارهـا ليصبـح خلفهـا تمامًا ..
وهمس بصـوت عذب هادئ :
_ يلا يا نادو عشان هتروحي تعيشي مع سلـيم
لم يجـد رد فعل كالعـادة فهمـس بهدوء :
_ هسرحلك شعرك أكيد مش هتروحي كدة
ولأول مرة يفعلها ..
يهتم لأمر شخـص او يهنـدم شخص، هذا ليس من عادتـه ولن يكون من عادتـه يومًا !!!!؟
ولكن الاستثنائـات تظهـر .. من أجلها فقط !!
أمسك بفرشاة الشعـر ثم اقترب منهم يمسد على خصلاتها الناعمـة كنعومة شخصيتهـا وهشاشتهـا ..
ثم بدء يحدثـها وكأنه تسمعـه او ستتجـاوب معـه :
_ إنتِ عارفة أنه انا اول مرة أسرح لبنت شعرهـا ؟
صمت برهه يستشف رد فعلها ليردف :
_ النهاردة الجوو حلو جدًا، رطب وهادي، أكيد إنتِ كمان حاسـه بيه
لم يعـرف لمَ شعـر أن تلك الجملـة أخذهـا على وتيـرة نفسـه !!!؟
وكأن لسانه اخطأ مسـاره ووُضعـت مرآة الحيـرة فعُكست الجملة على نفسـه !!
ولكن فعلاً .. هل تشعـر به ام لا ؟!
وكأنه اجابـت بأمساكها ليده التي توقفت عن العبث بمنابت شعـرها أثنـاء شروده !!!
وكـانت دعوة صريحة منها أن يُكمل ما كان يفعلـه ...
فابتسـم بفرحـة مهللاً :
_ إنتِ فعلاً حاسه بيا يا نادو، حاسه بيا صح ؟!!!!
أكمل ما كان يفعله ليتابع :
_ عارفة يا ناديـن، لما جيت لك ماكنتش أول مرة أشوفك، كنت شايفك بقالي شهور من يوم ما جيتي هنـا، براقبك غصب عني وكأن حاجة بتجبرني على كدة، مكنتش فاهم ولا عارف إنتِ فيكِ إية بس كنت عايز أبقى قريب منك وخلاص، كنت بستنى كل زيارة للدار عشان أشوفك واعرف اخبارك من الممرضات لحد ما شكـوا فيـا خلاص
ضحـك وهو يضربهـا على رأسها برفق وقال بمـرح :
_ عاجبك كدة انا الدكتور الهادي الشديد ياسين منصور أفضل اسأل على واحدة معرفهاش
ولمـح طيفًا صغيرًا من ابتسامتـها التي حكمـت عليها بالمـوت كصاحبتها !!!!
والأرتياح أنعش روحه القلقـه، وزرع به أملاً جديدًا قويًا إلى حدًا ما ...
أي خيوطًا من الحنـان تقابلهـا بسلاسـل تتمسك به !!!
انتهـى ليجعلهـا تنهـض، وما إن انتصبت امامـه حتى وجـد نفسـه يستنشـق عبير شعرهـا الجـذاب ...
ويقيد خصرهـا بيـداه الصلبـة ليغرز رأسـه عند خصلاتها التي تغطي رقبتهـا، ويغمض عينـاه متأوهًا من ذاك القرب الذي لطالما تمنـاه منذ أن رآهـا ...
بينما هي كانت ترتعـش بيـن يـداه ..
ترتعـش من لمسـات لم تعهـدها ابدًا من قبـل ...
لمسـات كـانت كسحر يُصب عليها لأول مرة فيصيبها بـدوار مفاجئ !!!
أبتعد هو عندما شعر بحالتها تلك، ولام نفسـه بشدة ..
لام نفسـه على إقتراب لم يأخذ مفتاحه منها، شعر أنه .. مستغـل !!!
مستغل لتلك الحالة التي تجتاحها دومًا !!
أمسـك بوجههـا بين يديـه ليهمس متأسفًا بحنق من نفسه :
_ نادين أنا اسـف، بجد أسف، مش عارف إية اللي بيحصلي وأنا معاكِ
أقتـرب أكثر حتى ألصق جبينـه بجبينهـا، ثم تابع همسه امام شفتاها بشغف :
_ سامحيني يا حبيبتي، سامحي ضعفـي قدامـك !!
وفجـأة وجـد البـاب يُفتـح دون أن يُطـرق، ودون فرصة له للأبتعـاد حتى و.. !!!!!!!!
*********
وعنـدمـا يأكلك الغيـظ اكلاً بلا رحمـة، كدعوة منه للتصرف مسرعًا، تحاول التمسك بحلاً سريعاً، وإن كنت لا ترغبه !!!!!
جـلستـا كـلاً من " بـدر " شقيقـة " بـدور " بل وتؤأمهـا الثانـي ..
توأمها في الخبث .. في الحقد وفي الرغبـة، وكأنهم لم يتشابهـوا في الشكل فقـط، بل تشابهوا في الچينـات والصفـات ايضًا
" فولة وإتقسمت نصين " كما يقولون !!! ووالدتهـا في مـنزلهم المتوسـط، تحديدًا في الصالـون، يتحاورون كعادتهـم ويتدخلون فيما ليس لهم علاقة بـه !!!!
يجلسا سويًا على الأريكة البنية الناعمـة ، و
زفـرت بدر وهي تخبط على قدمها قبل أن تقـول بسخط :
_ يا ماما قولتلك بدور مش هتعرف تتصـرف
مصمصت والدتهـا شفتيها بتهكم :
_ لا والله، وإنتِ اللي كنتِ هتعرفي تتصرفي ياختي
اومأت مؤكدة بغرور :
_ أيوة طبعًا، أنا انصـح منها شويـة
نظـرت له باستهانـة، لتشدد على قولها الجـاد كتحذير واضح :
_ خلاص، دلوقتِ هي اللي مراتـه وهي اللي لازم تتصرف
عقـدت ذراعيهـا مغمغمة بغيظ :
_ منا قولت لك كنت أنا اللي اتجوزتـه
رمقتهـا بنظرات حادة صراخة :
_ إنتِ عبيطة يابت إنتِ، أمه كانت عاوزة أختك مش عاوزاكِ إنتِ !!!
تأففت وهي تبرر :
_ قال يعني هو بيعرف يفرق بين وبين أختي هو او أمـه دي
أشـارت لها بيدهـا .. خوفًا حقيقيًا ينبـع بداخلهـا من تفكير أبنتها السام والذي تعرفه عن ظهـر قلب !!!
كـيف تمنعهـا ؟!
كيف تكـون واقـي لحياة أبنتها الأخرى وهي من علمتهم الأصرار حد الموت على شيئً يرغبـوه !!!!
فقـالت حانقـة بحـزم :
_ بدر خلاص الكلام خلص، أختك اكيد هتعرف تتصـرف ده الحل بقا في إيديها !
_ مااااشي يا امي مااشي
همست بها بدر وهي تتابع خطاها بحقد بينما نهـضت متجهة لغرفتهـا دون كلمـة اخرى...
لتحتـد عينا بدر السـوداء وهي تمسك خصلاتها - المصبوغة الصفراء - لتهمـس بصوت اشبه لفحيح الأفعى :
_ وحياة قصاقيصي دول لو ماعرفت تتصرف لهتصرف أنا وعليا وعلى اعدائي !!!!!!!!!
***********
في مكـان إرتيـاح جميلة المعتـاد .. في الحديقـة الخضـراء، تحديدًا وقـت غروب الشمـس لتودع الأرض بوعد العودة مجددًا جـلست جميلـة كعادتها على كرسيها الخشبي الذي يهتـز ..
يهتـز ويهز معه تفكيرها الدائم فيصبح وكأنه يُقلل منه قليلاً !!!!!
وسيـلا امامـها تجلس بابتسامتها المعهـودة، يتحـدثـان سويًا ..
حسب أول خطـوة في خطـة جميلة !!!
يدردشـان سويًا وبالطبـع كانـت اسئلتهـا حول حياتها تسقط على سيلا كسـوطًا من الأشتياق الحـاد !!!!!
وأرسـلت جميـلة احدى الخدم لشـراء بعض الأشيـاء للتسلية، والذي تذمـر باعتراض شديد على ذهابـه بدلاً من صديقه المريض ...
ونظرت لها حتى فاجئتهـا جميلة بسؤالها الذي يحمل معنًا حاولت سيلا تجاهله :
_ ها يا سيلا لسة مش ناوية تحكي لي عن حياتك بردو ؟
هـزت رأسهـا نافيـة، وطغـى التوتر على ملامحهـا وهي ترد متلعثمة :
_ وهو انا فاكرة اصلاً يا طنـط عشان أحكي لك ؟
اومـأت جميلة مؤكـدة بابتسامة :
_ طبعًا فاكرة يا سـيلا عـزت
ثم سألتها بخبث :
_ مش أسمك سيـلا القاضي بـردو ؟
وتلـون وجههـا باللون الأصفر على الفور ...
لون الأرتبـاك المعتاد الذي زحـف لوجنتاهـا خوفًا من القـادم !!!!!!
لتهمس بسذاجة :
_ وآآ حضـ حضـرتك عـ عرفتي إزاي !!؟
مـطت شفتيهـا مرددة :
_ طريقتي الخاصة بقا يا حبيبتي، المهم هاا قوليلي أبوكِ لسة زي ما هو ولا اتغير
إبتلعت ريقها هامسة بارتعاد:
_ أنا مش فاكرة اصلاً عشان أقول لحضرتك
رمقتهـا جميلة بنظرة زادت من معدل القلق بداخلها .. نظرة حذرتها واكدت لها أن مُعـراة امامـه !!!!
فيما يعني أن كذبهـا شفـاف امامها !!
أن معلوماتهـا كجهاز كاشف للكذب عن سيـلا !!؟
فتابعت :
_ لأ إنتِ فاكرة كويس أوي، سيلا عزت القاضـي، بنت عيلة القاضي الغنية عن التعريف، 23 سنـة بتشتغلي محاميـة، رقية أختك الغير شقيقة، والدتك الله يرحمها
معلومـات بالرغم من انها عنها هي، إلا انهـا كانت كموجـات كهربائية صاعقة تسري بجسدهـا !!!
ماذا تفعـل الان !!!!!! لن تستطـع الهرب، والمأزق اصبح مأزقيـن ؟!!!
ووجدت نفسها تسألها ببلاهة :
_ طـ طب هو حضرتك تعرفيني منين ؟
عـادت جميلة بظهرها للخلف لتستطرد :
_ بطلي تقولي حضرتك تاني، قولي خالتو، ثانيًا مش مهم عرفت منين، المهم إن انا مش عدوتك ومش عاوزاكِ تخافي مني خالص بل بالعكس أفتحيلي قلبك وأحكي لي إية اللي جابك هنا ؟
وما بيـن صدمة وحيـرة ..
ظلت هي عالقـة، ماذا تفعل الان ؟!
وتخبرها وتُخاطر بحياة جدها الحبيب ام تصمـت لتخسر درعًا قويًا كجميلة ؟!!!
وكأن سليـم شعر بحيرتها فهبط من الأعلى بملابسه المهندمة كالعادة ..
ليجد سيلا هكذل فقال دون تردد :
_ أية ده إنتِ قاعدة كدة لية ؟
ردت جميلة بهدوء :
_ عادي يا سليم بندردش بس
رمـق سيـلا بتلك النظرات القاسيـة والتي اقتربت على الاعتياد عليها وأردف :
_ من أمتى وأحنا بندردش مع الخدم يا خـالة ؟ هه من امتى ؟
كادت جميلة تعتـرض بغضب من إهانـات باتت تشعر بها بلا نهاية :
_ سليم مينفعش كدة إنت آآ
قاطعها مشيرًا لسيلا بصـوت آمر :
_ خشي على شغـلك يلا بلا دلع ماسخ
وبالطـبع نهضت سيلا دون كلمـة اخـرى متجهة للداخـل، والدمـوع كانت كالغمامة امام عينيها البنيـة ..
فكادت تلامس سليم دون قصد فإبتعدت على الفور كأنها لمست كهرباء مميتـة !!!
لتسير ببطئ متجهة للداخل هائمـة حتى اصطدمـت في زهرية كبيرة فكادت تقـع، وكـان أول من يمسكها من خصرها ليمنعها من السقوط هو سليـم !!!
نظر لعيناها التي امتـلأت بالدمـوع، فلم تعطيه فرصة وهي تبعد يدها عنه متمتمة بصوت مبحوح :
_ شكراً مش محتاجة مساعدة من حد
ثم سـارت للداخـل بخطوات شبه راكضـة، لينظـر سليم لأثرهـا ببعضًا من الضيق !!
نهضـت جميـلة بغـضب .. غضب تكـور داخلها كبركـان سينفجر حتمًا في وجه ذلك الصقــر .. ما بالك بهذه الفتاة التي منذ مجيئها لم يكف عن قسوته المعتادة !!!!
لتصيح فيه بحدة ولأول مرة :
_ أية اللي أنت عملته ده يا سليم ؟
لم يـرد عليها ومازال ينظر لأثـار سيـلا، فاستلم هو الأمر هذه المرة وقد تبدلت الأدوار :
_ تخش تعتذر لها دلوقتِ وحالاً، وإلا قسمـاً برب العزة قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين يا سليـم يابن وردة
ولم يشعـر بنفسه ألا وهو يركـض متجهًا نحو غرفة سيلا !!!!!!!!
**********
يتبـع