اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل الرابع والخمسون 54 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل الرابع والخمسون 54 بقلم سهام صادق 



الجزء الاول
******
ثوب زفاف، دبلة زواج، بيت جميل ودافئ تضع فيه لمستك، و رجلاً حقيقياً يفي بوعوده ويصونك
أحلام صغيرة وجميلة ولكن الأحلام تكون أحياناً كبيرة أكبر مما نتصور

ولو ظنها إنها ستكون أكثر الفتيات سعادة اليوم لما يُقدمه لها، فقد أخطأ في تقديره
اصابته الصدمه وهو يرى دموعها وارتجاف شفتيها قهراً وألماً، يتسأل داخله كيف تبكي وهو يمنحها ما تتمناه أي عروس؟

- طيب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ ممكن أفهم

خرج صوته مهزوزاً بعض الشئ رغم غلاظته، فما كان عليها إلا لتخفي وجهها بين راحتي كفيها مُلتفه بجسدها مبتعده عن نظراته

استمرت في بكائها، فلم يجد إلا منحها بعض الوقت زافراً أنفاسه بقوة مشيحًا بعينيه بعيداً يمنحها بعض الخصوصية لرثاء حالها عن شئ لا يفهمه ولا يعرف له معنى

صوتها أخذ يتعالا، ومهما حاولت تمالك حالها إلا إنها لم تتمكن
فقد تعاون كل شئ عليها اليوم

رؤيتها لأحلامها البعيدة، لفقرها، اشتياقها لحضن والدتها وقد فارقتها قبل أن تنعم بحنانها ، حنان والدها رغم عجزه وقلة حيلته، صفعات فتحي وقسوة قلبه، هروبها نحو المجهول حتى تجد حياة كريمة، عنتر وتلك الليلة قاسية البرودة وأخيراً ذلك الواقف أمامها، من كان سببً في زيادة بؤسها من يسألها لما البكاء

فهل هناك شئ يستحق البكاء؟

- شكلك محتاجة دادة سعاد، ما عياطك الزايد أكيد ليه سبب؟

تحرك بضعة خطوات ولكن سرعان ما توقف مكانه وقد خرج صوتها متحشرجًا من أثر البكاء أخيراً

- فعلا عياطي ملهوش مبرر

تمتمتها بمرارة واسرعت في مسح دموعها تُحاول إستعادة رابطة جأشها

- مش معقول ميكونش في سبب لعياطك ده كله يا بسمه

تحاشت النظر إليه، تُعلق عينيها بأي شئ بعيداً عنه

- متاخدش في بالك يا جسار بيه

لم يقتنع بجوابها، يتفرس ملامحها بدقة
اقترب منها بعدما شعر بقوة السبب الذي جعلها تنهار هكذا، حتى إنها أخذت تُقاوم رجفة شفتيها

- أنتِ أكيد حاسه برهبه من كل اللي بيحصل يا بسمه

ثم استطرد بآلية غير عابئ بكل كلمة ينطقها

- ترتيبات الجواز بتاخد وقت وليها رهبه لأي بنت، لكن اللي بنعمله ده مجرد إكتمال للصورة مش أكتر

"إكتمال للصورة" ترددت صدى العبارة داخل أذنيها وبخفوت وصل لمسمعه

- إكتمال للصوره المزيفة

- بسمه

هتف اسمها حتى يجذب انتباهها إليه، فتعلقت عيناها به بنظرة أصابة عاطفته

أنبه ضميره من نظرتها الكسيرة ، ولم يفسر الأمر إلا إنه بسبب ما أصبحت تعيشه
فقر، دون عائلة، مشرده و وحيدة فما الذي يظنه سيُسعدها
فهل بدأت الغشاوة تنزاح قليلاً عن عينيه، هل بدء قلبه كأنسان يعرف الرحمه يعطف ويرحم؟

ومع دوامة تخبطه كان يقترب منها بخطوات هادئه، يراها تشيح عينيها عنه، تسمح بقايا الدموع العالقة بأهدابها

توقف قربها بل لم يعد يفصلهما إلا أنفاسهم التي أمتزجت معاً، وبطريقة أجفلتها أحاط كتفها بذراعيه يربت فوقهم بدعم، متمتماً دون أن يشعر بتلك الذبذبة التي سارت بجسدها

- أي إنسان يستحق فرصة تانية يختار فيها عايز يعيش إزاي، أنا عارف صعوبة الحياة اللي عشتيها ولو كان عندي بعض الشك في نواياكي فحاليا أنا بقيت عارف كويس إنك نضيفه من جوه يا بسمه، طبعا أعذريني على الكلام

صمت لثواني يستجمع بقية حديثه

- البيئة اللي كنتِ عايشه فيها صعب إن يخرج منها حد نضيف بيحارب في الحياة عشان يعيش بشرف، أنا مقصدش الظروف المادية يا بسمه صدقيني..

وبمرارة تمتمت وهي تفهم مقصده الصريح

- محدش بيختار أهله يا جسار بيه، ولو قصدك على فتحي للأسف أنا أخته طبعا ده ميشرفكش

زفر أنفاسه حانقاً من عدم قدرته على توصيل الصورة إليها بلطافه

- بسمه أنا مقصدش التقليل منك، لكن فتحي ميشرفش فعلا أي حد ومع الأسف هيكون ديماً عقبه في حياتك

الحقيقة مريرة حتى لو حاول تجميلها بحديث منمق ومرتب

- نصيبي إنه يكون أخويا يا بيه

عادت دموعها تخونها، فكم تمنت أن يكون فتحي شقيقًا حقيقيًا يحميها ويكون سندً لها ولكن الأمنية كانت بعيدة

انتبهت على يديه وقد أخذت تسير فوق خديها ببطئ، يمسح دموعها مشفقًا عليها

ارتعشت شفتيها من أثر لمساته رغم براءة نيته ، فهو اليوم أراد أن يكون إنسانًا معها ولا يُحملها ما اتخذه هو من قرار و أجبرها عليه مقابل حياة كريمة

- أوعدك يا بسمه إن هحاول مأخدكيش بذنب أخوكي وظروفك، لأنك بنت مناضله وشريفة

جسار يوعدها بما لا تظنه سيفي به، بل و يمدحها بصدق
هل هي تعيش داخل أحلامها القديمة، تحلم بالبطل الذي سينقذها من واقع لم تكن تُريده؟

وما أصاب شفتيها أصاب كامل جسدها بعدما ضمها إليه

- أنا مش عارف إزاي هونتي على أخوكي، أنا لو كان عندي اخت كنت حميتها بروحي

.....

هل خانها جسدها للتو، أم قوة ما شعرت به تحت وطء لمساته جعلها ضعيفة القدرة؟

أم هو بارع في السيطرة عليها والتعامل مع جسدها ببراعة؟

والسؤال الأخر الذي طرق رأسها بقوة ورغبة ملحة في معرفة الإجابة حتى تجد عذراً لإستجابة جسدها له، هل هو بالفعل صادق فيما أخبرها به؟ ،
إنها المرأة الوحيدة التي لمسها وما قيل عنه تركه يُقال غير عابئ بنعته إنه زير للنساء ولذلك لم يتزوج رغم اقترابه من إتمام سن الأربعين وثرائه

سيطرت عليها الأفكار وقد ازدادت حركة يديه عبثًا وجرائة، بل همس بكلمات الشوق إليها يُخبرها أن تترك نفسها لمشاعرهم

- متقاومنيش يا جنات، أنتِ زي محتاجة ده، سيبي احاسيسنا تقودنا
وهل تترك نفسها للأحاسيس التي أذلتها من قبل ؟
اذهلته قوتها وهي تدفعه عنها، ناهضة من فوق الفراش ترتب ملابسها

- قولتلك وهقولهالك تاني يا ابن النعماني، لو كنت زمان ضعفت وسعيت وراك عشان نتجوز لأني كنت عايزاك ومش مكسوفه وأنا بقولها ليك ، لأني زي ما أنا شايفه دلوقتي أنت كمان عايزني لكن كبريائك بيمنعك إنك تقولها بصراحة بل بالعكس بتراوغ وتستخدم أساليبك المكارة عشان تعرف تسيطر عليا من جديد

حدقها بدهشة، وقد الجمه حديثها ولكنه ظل مستمعاً

- صحيح ينطبق عليك لقب الثعلب المكار

" ثلعب"!
رددها بعقله قبل أن يُرددها على لسانه مستنكراً تشبيهها

- ثعلب، هو الراجل لما يغري مراته ويكون عايزها يبقى ثعلب وكمان مكار

- تاني بتقول مراتي

اعتدل من تسطحه، يغلق ازرار قميصه ويرتبه متجهم الوجه ماقتًا تغيرها اللعين وعدم قدرته على عودتها كما كانت، أمرأة ذائبة بين ذراعيه، تمنحه السلام حينا تتعانق أجسادهم و أرواحهم سوياً

- اومال أنتِ إيه يا جنات جاوبيني

- ضيفة شرف في الحكاية

لم يكذب حينما أخبرها إنها تمتلك حس الدعابة، صدحت ضحكته الرجولية حتى مال قليلاً يضع بيده فوق معدته من شدة الضحك

- يعجبني فيكي ردك السريع، لا وكمان ممتع

احتقنت ملامحها وهي تراه يسخر منها، اقتربت منه وقد غادر النعاس عينيها تنوي صفعه بحديث يمس رجولته

- أنا حقيقي مشفقة عليك، مش قادر تعبر عن مشاعرك زي بقية الناس فبتستعمل أسلوب رخيص

تجمدت ملامح كاظم يرى المتعة مرتسمة فوق ملامحها، لقد صفعته في مقتل..، صفعته بأكثر ما يكرهه
أن يشفق عليه أحد

- محدش يعرف يشفق عليا يا جنات

غادر غرفتها بخطوات سريعه بل وغادر الشقة بأكملها، إنه بات ضعيف والضعف في قانون حياته يعني الهزيمة

تلاشت زهوة الأنتصار من فوق ملامحها، تتذكر ارتعاش أهدابه وتلك النظرة التعيسة التي رمقها بها

وبتعاسة هوت فوق فراشها تسأل حالها

- أنتِ ليه زعلانه دلوقتي، ليه رغم إنك تعمدتي توجعيه

والجواب كان واضح، هي لم تشفى بعد من حب هذا الرجل
وهل حينا نحب يكون لدينا أحقية الأختيار في إنتقاء ما يُناسبنا ؟

......

وقفت على مقربة منها تحمل فنجاني القهوة تنظر إليها متحسرة على ما أصبحت تعيشه صديقتها

ميادة صديقتها المفعمة بالحيوية والأحلام الكثيرة، من كانت تُخبرها دوماً أن من لا يُدير ظهره للحياة و يضحك لها حينا تصفعه بمرارتها فلن ينجو من البؤس أمد الدهر،

ولكن أين هذه الأشعارات الكثيرة التي أخبرتها بها؟

لماذا تركت صديقتها نفسها لتنخرط مع أحزانها؟

لقد جربت من قبلها مرارة الفراق وخذلان عائلة كانت بالاسم، وها هي صديقتها تعيش مآساة مشابة لها

انتبهت ميادة على وقفتها تلتف بجسدها إليها مبتسمة بملامح باهتة

- فاكرة لما كنت بضحك عليكي كل ما أسألك إيه اللي بتحسي وانتي بتشوفي السما ضلمة ، وأنتِ كنتي تقوليلي إنك بتلاقي فيها راحتك، النهاردة أقدر اقولك إن فعلا سكون الليل في راحه

صارحتها بحقيقة تقطر مرارة وألماً، ثم عادت تصب عينيها نحو ظلمة السماء المعبئة بالغيوم

- لا ده أنتِ بقيتي شاعره كمان، أنتِ واخوكي عليا كده كتير

واقتربت منها تضع فنجاني القهوة فوق سور الشرفة، تُكمل مزاحها لعلها تُدمج صديقتها بحديثً أخر

- خدي فنجان القهوة، ده أنا عملاه بمزاج

التقطته ميادة منها، تشم رائحة القهوة كعادتها

- أمتى هتبطلي العادة ديه؟

والجواب كانت تمنحه لها ميادة بمزاح مماثل لكن بنبرة مريرة

- أنتِ قولتي عادة والإنسان بطبعه ضعيف قدام الحاجات اللي متعود عليها وبيحبها

- اقنعتيني بجوابك سيدة ميادة

ضحكت ميادة بخفوت بعدما وكظتها ملك برفق
جاورتها في وقفتها مستمتعين بمذاق القهوة

- أنا مبسوطه عشانك وعشان رسلان يا ملك، اوعي تضيعوا حبكم تاني مهما كانت الظروف، صعب الإنسان يلاقي الحب الحقيقي

نطقتها ميادة، وقد عادت الذكريات تغزوها مع الرجل الوحيد الذي احبته ورحل

- تعرفي يا ميادة أنا كنت فاكرة حبي لرسلان انتهى وإن عمر ما علاقتنا ما هتتصلح, لأننا رجعنا تاني نحارب قدرنا لكن اللي اكتشفته غير كده
وبخفة دفعتها ميادة فوق كتفها تُلحن بشفتيها

- أخويا العاشق الولهان قدر يزيل الغشاوة ، وطبعا الشكر ليا، مش عارفه أنتوا كنتوا بتعملوا فنفسكم كده ليه

تضرجت وجنتي ملك خجلًا وقد عادت ذكرى تلك الليلة تقتحم عقلها

رمقتها ميادة بعدما طال صمتها، وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها وهي تتذكر إلى أين سرحت صديقتها الحبيبه

- سرحتي في الليله أياها

انتبهت ملك على حديثها ، وقد ازدادت ملامحها تورداً

- بقي وشنا بيقلب بالألوان يا ست ملك

رمقتها ملك بحدة مصطنعة ثم التقطت منها فنجان القهوة

- شوفي مين هيعملك قهوة تاني

اتسعت عينين ميادة ذعراً تنظر لفنجان قهوتها الغالي وهو يُسحب منها

- إلا فنجان القهوة بتاعي

ولم تمر إلا ثواني وكانوا يضحكون بقوة مما جذب أنظار ناهد عليهم وداخلها تتحسر على أبنتها التي فقدتها وبقوا هم يستمتعون بحياتهم

توقفوا عن المزاح وعادوا لوقفتهم الهادئه في صمت لم يطول

- ملك عايزه اخد رأيك في حاجة؟

طالعتها ملك بترقب منتظرة ما ستُخبرها به

- أنا قررت أعيش في إسكندرية، صديق ليا من أيام الجامعه عرض عليا شغل في شركته بمجال الحاسوب وده تخصصي اللي بحبه

- بجد يا ميادة، ده خبر جميل على الأقل هتخرحي وتشوفي الناس من تاني وتنسي اللي حصل

- النسيان صعب يا ملك، وأنتِ عارفه ده كويس بس هحاول اتأقلم غير إني محتاجة أبعد عن هنا.. وأنتِ شايفه كاميليا هانم كل يوم جيبالي عريس شكل

وبرجاء تابعت تأمل أن تُساعدها صديقتها

- إحنا محتاجين نقنع رسلان يا ملك، رسلان هيقدر يقنع ماما وبابا أنتِ شايفه إزاي مبقوش عندهم ثقه فيا وديماً كلامهم جارح

انسابت دموعها بعدما فقدت القدرة على تمالك حالها ، لتُسرع ملك في ضمها إليها تطمئنها

- فتره وهتعدي يا ميادة صدقيني

- ياريت يا ملك

اقترب احد الصغار منهم متعثراً بعض الشيء بخطواته، يضع الهاتف فوق أذنه يستمع للطرف الأخر بإنصات

أسرعت ميادة في مسح دموعها، تنظر نحو الصغير وتلهف ملك عليه

- عبدالله نام ومعاه الأسد

ابتسمت ملك على حديثه المتقطع، وقد أدركت هوية من يتحدث معه صغيرها

حاولت أن تلتقط من الصغير الهاتف ولكنه تذمر متشبثًا به

- طيب خلينا نكلم بابا سوا، على فكره ده تليفوني

والصغير يُعاندها كما تُعانده هي بطفوله

- تليفوني أنا، رسلان ملك وحشه

نطق الصغير اسمهم مجرداً لينفجر رسلان ضاحكاً وهو يستمع لضحكات زوجته وشقيقته

- خليني أكلم ماما عشان أجبلك حاجة حلوه

والصغير يتسأل دون التخلي عن الهاتف

- شيكولاته

نطقها الصغير بحروف متقطعه ليست مفهومه ولكنه فهم ما يقصده صغيره

- مع إنها غلط عليك إنك تاكلها كتير وماما هتضربنا سوا لكن حاضر يا حبيبي..

اماء الصغير برأسه وكأن والده يراه
تناولت ملك منه الهاتف بعدما عقد صفقته مع والده ثم تشبث بساقيها حتى تحمله

- مش من شويه أنا وحشه

والصغير يمنحها قبلة حنونه ثم يمسح فوق خدها يُلاطفها

- ملك حلوه
يُردد عبارته لمرات

- وأنت كمان حلو وجميل يا قلب ماما

- تقريبا أنتِ نستيني على الخط يا ملك

نطقها رسلان حانقاً، رغم أن السعادة كانت تحتل عينيه من حب أولاده للمرأة الوحيده التي أحبها

التقطت مياده الصغير منها ثم انسحبت من الشرفة تاركة لهم مجال للحديث
اسرعت ملك في غلق مكبر الصوت، وهي تعلم تماما أن حديث رسلان سيتخلله بعض العبارات الوقحة

- عزالدين باسك كام بوسه

ارتفع كلا حاجبيها في دهشه، ولكنه ردد سؤاله بجديه

- هو أنا هعد الولاد بيبوسوني كام مره، سؤالك عجيب يا دكتور

- برضوه مردتيش على سؤالي

- في إيه يا رسلان هو تقولي إنك بتغير من عيالك

وجوابه كان سريع، أسرع مما تخيلت

- اه بغير، والواد عزالدين ده هعلقه لما ارجع ومش قايلك كنت عايزك في إيه سلام

اتسعت عيناها في ذهول، تنظر للهاتف وقد أغلق الخط بوجهها بالفعل

- ده قفل في وشي المكالمة فعلا

ولكن بمجرد أن تمتمت حديثها ، كان يُعاود الأتصال

- جسار عازمنا على فرحه، ولعلمك مش هنحضر لأني مش فاضي

وعاد يُغلق الخط، لتتسع عينيها هذه المرة ذهولاً بما سمعته

جسار سيتزوج بهذه السرعه بعد تجربه زواج فاشلة؟
فمن ستكون هذه العروس؟
......

لقد باتت معتادة على حديث شقيقها المسموم، حامد لن يتغير مهما مر الزمن

- طردك ابن صفوان النجار من بيته، شهيرة الأسيوطي حتت بنت خدامة أنتصرت عليها

- سليم مطردنيش يا حامد، أنا اللي خلاص قررت أنسحب من حياته

اقترب منها حامد مُدقق النظر في ملامحها، يرى الهزيمة في عينيها وأكثر ما يُسعده أن يرى هزيمة الأخرين مهما كانت مكانتهم لديه

- طيب وبنتك سيبتهاله

لم تُريحه شهيرة في منح الجواب، فاحتدت عيناه يرمقها ساخطاً

- لو جبتي البنت تعيش معاكي تبقي فعلا بقيتي غبيه يا شهيرة، بكره فلوسه كلها تكون لولاد الخدامه وبنتك تاخد الفتافيت

- أنت إيه يا أخي، كل حياتك فلوس في فلوس

صدحت ضحكات حامد عالياً متلذذاً من رؤية ضيقها

- بكره لما نفلس بسبب غبائك، ابقى اجري على ابن النجار اترجيه يمولك بالفلوس

توقفت شهيرة مكانها بعدما كادت أن تُغادر المكان وتبتعد عنه

- أنت بتقول إيه؟

- بقول إننا على وشك الإفلاس يا هانم، وأنتِ كنتي بتسعي ورا راجل مهما قدمتي ليه من تنازلات برضوه مش شايفك

طعنتها كلماته ولكنها لم تعد تبالي بخزيها

- الشركة بتقع يا شهيرة وحتى مشروعنا مع ماهر اللي كنت حاطط أمل فيه انسحب منه الاستاذ تخيلي ابن السواق يرفض شراكتنا, لا ويسعى إنه يشارك ابن صفوان النجار مش بقولك طول عمره ذكي ابن صفوان مبيطلعش خسران

- الشركة بتقع إزاي، ده هما شهرين اللي اهملت فيهم الشركة

وببساطة كان يُجيبها رغم فداحة أخطائه وغبائه ولكنه لن يعترف بهذا

- آخر صفقة اضحك علينا فيها

اتسعت عينين شهيرة في صدمة لا تُصدق ما تسمعه

- مجرد صفقة توصل الشركة للأفلاس

- الصفقة كانت تقيله، وعلى قد تقلها كانت الخسارة

لم تتحمل شهيرة سماع المزيد منه، تكاد تُجن مما تسمعه

- ضيعتنا بغبائك، اكيد دخلت صفقة مشبوها من صفقاتك

تبدلت ملامح حامد، فادركت السبب وراء خسارتهم

- اكيد صفقة فاسدة حاولت تدخلها، ولا يمكن تكون رجعت تاني للممنوعات

- أنتِ بتعلي صوتك عليا يا شهيرة

اشاحت شهيرة عيناها عنه، تُحاول لملمت حالها حتى تجد حلاً دون خسارة

- المركب لما هتغرق هتغرق بينا إحنا الاتنين، وعلى فكرة أنا عندي ليكي عرض هينقذنا بسهوله من الخسارة

.........

انتظرت طويلاً أن تسمع منه عن هوية العروس، ولكن وجدته يتطرق بالحديث نحو أشياء عديدة

- يعني مش هتقول مين العروسه يا جسار؟

- هتتعرفي عليها بكرة يا ملك، يعني لو قررتي تيجي

احتقنت ملامح ملك من برودة جوابه، فقد أخذ الفضول يقتلها لتعرف هوية العروس

- ما دام عايز هوية العروسه تكون مجهوله لحد ما اجي إسكندرية بكرة، خليني اكلم بسمه.. عايزه اطمن عليها ومتقوليش إنك مش في البيت أو على الأقل عرفني رقمها اكلمها

وبنفس الهدوء الذي ازاد حنقها، فهي اكثر دراية بطباع جسار اجابها

- فعلا أنا مش في البيت يا ملك، أنا في الشركه بحاول اخلص الشغل اللي ورايا عريس بقى

- جسار أنت بارد

تعالت صوت قهقهته يسترخي فوق مقعده

- بكره تشوفيها يا ملك وتتكلمي معاها براحتك

- لعلمك يا جسار دورك في حياة بسمه انتهى خلاص، جيه الوقت اللي أفي بوعدي لأبوها الله يرحمه واساعدها

تجمدت ملامح جسار ينظر نحو القلم الذي يُقلبه بين اصابعه

- هتساعديها إزاي يا ملك ؟

- ميادة جالها عرض شغل كويس في اسكندرية، فالأفضل إنها تعيش معاها واحتمال كمان تشغلها معاها في الشركة، بسمه محتاجة حد يؤمن بيها ويديها فرصه حقيقية

- ولو قولتلك إن بسمة مكانها في بيتي يا ملك

الجمها تصريحه الواضح، تُحاول طرد شعور الشك داخلها من حديثه

- جسار اوعى تقولي إن بسمه هي العروسة!

يتبع بإذن الله (قراءة متتعة)
****

الجزء الثاني
********

أوجعه بكاء صغيرته وتجنبها النظر إليه، أبنته تُعاقبه على مغادرة والدتها المنزل رغم إن لحظة مغادرتها كانت صامته متقبله رحيلها وقد وعدتها ستأخذها معها حينا تجد منزلاً بعيداً عن القصر الذي لا تحبه بسبب خوفها من الوحش, والوحش لم يكن إلا خالها " حامد" الذي يُرعبها بنظراته

- خديجة حببتي، كده مش عايزه تكلمي بابي، مش أنا ومامي اتفقنا إن كل ما يوحشك حد فينا تيجي تقوليلنا علطول وإحنا هنعمل كل اللي أنتِ عايزاها

- أنا عايزاكم أنتوا الأتنين يا بابي

والصغيرة تضعه في موقف صعب، تُطالبه بأحقيتها بالعيش بين والديها

- ما أنتِ هتعيشي معانا إحنا الاتنين، شويه مع بابي وشويه مع مامي وكل واحد فينا هيكون حبه لبرنسيس خديجة مضاعف
تعالت شهقات الصغيرة تنفي برأسها رفضها لحديثه ، فارتجف قلبه حزنًا عليها

- وليه مش نعيش كلنا سوا

- عشان مينفعش يا حببتي، أنا وماما إنفصالنا عن بعض وبقينا أصدقاء والأصدقاء مش بيعيشوا في بيت واحد

ازاحت الصغيرة كفيها عن عينيها واستدارت بجسدها إليه

- وأشمعنا فتون عايشه معانا

ترقبت الصغيرة جوابه، فارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيه ينظر إليها يُحاول إنتقاء الكلمات حتى تفهمه

- عشان فتون مراتي ومكانها معايا في بيتي

- خلي مامي كمان مراتك وتعيش معانا

حاصرته صغيرته بنفس الدائرة، تنظر إليه بأمل أن يمنحها القرار الذي تُريده، أن تعود والدتها ثانية لحياتها

- مامي حلوه يا بابي، وديما بتخدني في حضنها وتحكيلي حكايات حلوه

وخزه قلبه من عباراتها، أبنته تُخبره عن التغير الذي حدث لوالدتها،
شهيرة أخيراً منحتها رعايتها وحنانها وحينا وجدت صغيرته ما أرادت الشعور به مع والدتها غادرت حياتها وعليها التفهم إنها ستعيش بينهم متنقلة

إحتواها بين ذراعيه يمسح برفق فوق خصلاتها

- أنا عارف إن مامي حلوه يا حببتي، ومش معنى إني أنفصلت عن مامي إنها وحشه لكن ساعات الحياة بين الناس بتقف عند نقطه معينه عشان يقدروا يسيبوا في بعض بصمة حلوه ويفضلوا أصدقاء

وبرفق أبعدها عنه يتأمل ملامحها، يمسح الدموع التي علقت بأهدابها

- مش مامي قالتلك إننا هنكون أصدقاء

- الأصدقاء ممكن يعيشوا مع بعض يا بابي

صغيرته مستمرة في حصاره وما عليه إلا الجواب بما يُقنعها
أعادها لحضنه، فحضنته بقوة متشبثة به تخشى فراقه هو الأخر

- بكره يا حببتي لما تكبري هتفهمي كل حاجة، لكن اللي عايزك تتأكدي منه إن انا ومامي هنفضل ديما معاكي وحواليكي ومافيش حد فينا هيتخلى عنك، لأننا بنحبك أوي أوي

والحروف يضغط عليها حتى يؤكد لها حبه. صمتت الصغيرة وكأنها تقبلت جوابه الأخير بعدما أخبرها بحبهم

- بابي أنا عايزه أنام في حضنك، نام معايا يا بابي في سريري

وسرعان ما كانت تبتعد عنه، تنظر لفراشها الصغير الذي سيسعهم بالكاد

- متخافش يا بابي هيكفينا زي زمان، أنا مكبرتش غير شويه صغيرين وأنت كمان كبرت شويه صغيرين

أنفجر ضاحكاً يضمها إليه مجدداً، فصغيرته تُخبره أن وزنه زاد قليلًا

- هعتبر نفسي إني بكبر فعلًا زيك، مش وزني زاد

- هتنام جانبي يا بابي

أصابها الحزن وهي ترى صمته قد طال، تشعر بلمسات يديه فوق شعرها وظهرها

- إيه رأيك ننام في السرير بتاعي أنا

- لا، فتون بتنام جانبك فيه

ابتعدت عنه متذمرة، فاتسعت ابتسامته على فعلتها يُحاول إقناعها

- فتون بتخاف تنام لوحدها يا ديدا، مش حرام نسيبها لوحدها

زمت صغيرته شفتيها متذمرة، تعقد ساعديها أمامها تُخبره بطريقتها إنها رافضة لإقتراحه

- فتون يا ديدا عملتلك تورتة عيد ميلادك وعملت الحاجات الحلوه اللي كل ناس أكلتها وعجبتهم

وصغيرته سريعة الرد، تشبهه تماماً

- ما أنا قولتلها شكراً مع مامي وبوستها من خدها

- شوفي إحنا بنضيع وقت في الكلام وبابي عايز ينام

حاول إقصار الحديث، فهو أكثر الناس دراية بطبيعة صغيرته، فكلما أقنعها كلما زاد تشبثها بقرارها

وحتى يُثبت لها أن النعاس بالفعل داعب جفنيه، أسرع في وضع كفه فوق فمه يمنع تثاؤبه
تثاءبت صغيرته مثله تنظر إليها تنتظر منه أن يغفو جانبها

- وأنا كمان عايزه أنام، وكل ما هنام بدري كل ما هنكبر بسرعة

جاهد في تمالك ضحكاته بصعوبة حتى لا يُشعرها بإستهزاءه بحديثها، وبخفه أخذ يُداعب خديها مستمعتاً بقوة تلك المشاعر التي يعيشها مع أميرته الصغيرة

- يلا يا أميرتي على سريرنا الكبير

وصغيرته هذه المرة لم تُجادل بل القت جسدها الصغير بين ذراعيه حتى يحملها

- بابي هيفسحك فسحة حلوة، ويجبلك حاجات حلوة كتير

ولولا النعاس الذي أثقل جفنيها، لكانت ارهقته أستفساراً عن نزهتهم ولكتها اكتفت بسؤاله

- هيكون فيها فيل يا بابي

- مش عارف إيه حبك في الفيلة يا خديجة، لكن هيكون فيها سفينة كبيرة

ومع حديثه عن كبر وصغر الأشياء كانت يديها الصغيرتين تُحدد بهما الحجم

وضعها فوق الفراش برفق، ينظر نحو فتون التي غفت وعلى ما يبدو إنها كانت تنتظره

- خلينا منعملش صوت عشان فتون نايمه

ولكن على أثر همسه كانت تفتح عينيها تنظر نحوهم مبتسمه للصغيرة

لم تبادلها الصغيرة الابتسامة بل انكمشت متشبثه بوالدها. أصابها اليأس من صعوبة تقبل الصغيرة لها مرة أخرى

- بصوا بقى عشان متتخانقوش مين هينام جانبي، أنا هنام في الوسط وكل واحده فيكم تاخد الطرف اللي يعجبها

نفذ ما قاله وتسطح في الوسط بالفعل، ولكن ما جعله ينفجر ضاحكاً وهو يرى سرعتهما في أخذ أماكنهم جواره

- بقيت محاصر انا كده، لكن تصدقوا حصار ممتع نايم وسط اتنين بيتنافسوا على الجمال

اتسعت ابتسامة الصغيرة كما اتسعت ابتسامة فتون مجيبة على مديحه وهي تنظر نحو عينين الصغيرة

- لكن ديدا أحلى مني، ولو عملوا مسابقة ملكات جمال هي اللي هتكسب وتاخد التاج

- ديدا هتلبس تاج الملكات، صح يا بابي

وصوتهم كان يخرج معاً يُخبروها بأنها بالفعل جميلة كالأميرات

غفت الصغيرة أخيراً بعدما نعمت بنظرات والدها صوبها،
بخفة أدار رأسه نحو صغيرته الأخرى وقد ازداد تشبثها به تدفن رأسها في عنقه مستمعه

- سليم أنت بتحبني زي ما بتحب خديجة

أدهشه سؤالها وقد سألته بجدية بل وانتظرت سماع جوابه.
داعب خدها بأنامله يُحدق في عينيها المكحلتين مستفهماً بمزاح

-افهم من سؤالك إنك غيرانه ومحتاجة أحبك شوية

وكظته بخفة في ذراعه، فاهتز جسده قليلاً ليشعر بحركة صغيرته فاسرع في مداعبة شعرها حتى تعود لغفوتها

- وتفتكري هعرف احبك وأنا في الحصار ده، وكل واحده فيكم نايمه على دراع

- أنا عايزه حقي زي خديجة، اتكلم معايا زي ما بتتكلم معاها

انفلتت ضحكته رغماً عنه ، فعن أي حديث تُريده هذه الليلة
لم تُمهله لحظة ليتسأل، فاسرعت تُخبره عن محوى الحديث

- العب في شعري زي ما بتعلب في شعر خديجة واسألني عن أحلامي

داعبت شفتيه ابتسامة خفيفة، يُركز عيناه نحو تفاصيل ملامحها الشهية

- طلباتك بسيطة خالص يا فتون هانم

ظنته يسخر منها ولكن وجدته بالفعل ينصت إليها منتظر سماعها

- قوليلي يا حببتي نفسك في إيه

تسأل وأنتظر أن يسمع عن أحلامها التي بات يعرفها.
تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيها قبل أن تسبح مع أحلامها

- نفسي في حاجات كتير أوي يا سليم، نفسي اتعلم العوم، نفسي ألبس فستان قصير مجرد ما الف بي يدور معايا، فستان قصير منفوش

واحلامها الصغيرة اخذتها نحو طفولتها، وصفت له تفاصيل الثوب وهو يستمع لها مبتسماً لوصفها، زوجته تُريد فساتين وتنانير جميعهم ذو قصة دائرية ب ورود منقوشة تُزينها وحذاء مسطح وردي اللون كاحذية خديجة أبنته

- وعايزه اركب عجلة كمان يا سليم

حديثها طال كما طال سكونه، فطالعته منتظرة سماع جوابه

- سليم هو أنا اتكلمت كتير

مستمتعاً هو بالنظر إليها، الصقها به يشم رائحتها متلذذاً بقربها ونعومتها

- هو من حيث إنك أتكلمتي كتير يا فتون، ف الإجابه اه

تصلب جسدها بين ذراعيه فازدادت ابتسامته إتساعًا

- إحلمي يا فتون وطول ما أنا قادر أحققهالك هحققها

اخترقت الكلمات قلبها، فانسابت دموعها رغماً عنها حتى أحلامها البسيطة سمعها ولم يسخر منها

هذه المرة كانت هي من تضم جسدها إليه، تتمنى أن تكون له المرأة التي يُريدها

- لو نطقتي بكلمة غبية هلغي كل كلمة قولتها

ابتعدت عنه وقد أذهلها حديثه، لا تُصدق إنه بالفعل قرء أفكارها وإنها كانت ستخبره إنه يستحق أمرأة افضل منها وليست طفله تُريد تحقيق أحلامها

- شكل كلامي صح، عشان كده نكتفي بالكلام وتنامي يا حببتي

- لو قولتلك إني بحبك اوي اوي يا سليم

اتسعت ابتسامته شيئًا فشئ، ينظر إليها بعينين ناعستين يمسح فوق خدها

- ما أنا عارف إنك بتحبيني يا حببتي

عانقها بقوة كما عانقته حتى غفا من شدة إرهاقه وفوق صدره وضعت الصغيرة رأسها
صورتهما حركت غريزتها الفطرية، ولأول مرة كانت تنطقها من قلبها تتمنى تحققها ، أن يهبها الله طفلًا منه.
.....

دلف رسلان غرفته بالمشفى يمسح فوق جبينه من شدة الأرهاق، لقد قضى ليلة ادرك فيها تماماً معنى إلحاح النساء حينا يُريدون شيئًا

زفر أنفاسه مستنكراً موافقته على ذهابها لمدينة الأسكندرية مع شقيقته لحضور حفل زفاف طليقها
أصرت رغم أعتراضه وفي النهاية كان يرضخ حتى لا يُحزنها.

التقط هاتفه فوجدها قد هاتفته لمرات عدة.
أخرجته الطرقات من تحديقه في شاشة هاتفه
ولم يكن الوافد إلا سليم، أتى إليه بعدما اطمئن على دلوف الصغير "شقيق فتون" غرفة الرعاية بعد أن تمت عمليته اليوم بنجاح

- أوعى تقولي إنك جاي تشكرني يا سليم، كده هبدء أصدق إنك فعلا اتغيرت

- شوف أنا الجواز غيرني لراجل مؤدب بيفهم في الذوق، لكن أنت بقيت ظريف يا دكتور

- مش عايز ابهرك واقولك إن بقى يضحك عليا بكلمتين

ارتفع حاجبي سليم في تساؤل ولكن سرعان ما كان يختفي تساؤله ينظر إليه بعبث بعدما جلس قبالته
- ما أنت طول عمرك قلبك حنين يا رسلان، إيه الجديد

- قلبي حنين أه، بس مش أوافق إن الهانم تحضر فرح طليقها

هتف بها رسلان حانقاً، ينظر نحو الرساله التي بُعثت لهاتفه للتو تُخبره فيها إن وصلت منزل جسار حتى تطمئن على بسمه أولاً، وتتأكد من شكوكها ثم ستعود للفندق لتتجهز هي وميادة ويقضون ليلتهم فيه

ضاقت عيناه في عبوس بعدما قرء الرساله

- ما دام مضايق كده مروحتش معاها ليها

وبمقت ارتسم فوق ملامحه
- عندي عمليات ملتزم بيها ومنهم كانت عملية اخو المدام ولا أنت نسيت

أخفى سليم ابتسامته بعدما رأى ضيقه ، يعطيه الحق فيما يشعر به نحو الأمر بأكمله.
.........

الساعة كانت تُشير نحو الثالثة عصرًا عندما وقفت ميادة بسيارتها أمام المنزل الذي يقطن به جسار

طالعت ميادة المكان وبعض العاملين يخرجون منه وعلى ما يبدو إنهم من فريق تنظيم الحفلات

- بيتهيألي إن العنوان صح يا ملك

حدقت ملك بتفاصيل المكان تومئ لها برأسها مؤكده

- مش هتنزلي معايا

- لا أنا هروح الفندق، أتمم الحجز وبعدين لسا فاضل خمس ساعات

اقتنعت ملك بإقتراحها، ف المنزل يعج بالعاملين، و هي ستذهب لرؤية بسمه ثم ستلحقها حتى يستعدوا للحفل

- عموما أنا ساعة واحده وهتلاقيني عندك

ترجلت ملك من السيارة تُحدق بوابة المنزل قبل أن تستكمل خطواتها نحو الداخل

دقائق مرت وهي واقفة مكانها بعدما استأذنتها إحدى العاملات إنها ستُعلم السيدة سعاد بوجودها

- ملك هانم

هتفت بها السيدة السعادة غير مصدقة إنها بالفعل أتت بعدما أعتذر زوجها بلباقة عن عدم قدرتهم على المجئ

عانقتها ملك بود، فقد قضت مع السيدة سعاد فترة في المنزل الريفي الذي تمتلكه عائلة جسار

- ده أنا مصدقتش نفسي لما قالولي في المطبخ إنك هنا

وسرعان ما كانت السيدة سعاد تنظر حولها تبحث عن أمتعتها متسائله

- فين جوزك يا بنتي وفين شنطكم

اخذت السيدة سعاد تتسأل ولكن هي كانت منشغله بعينيها في البحث عن بسمه

- رسلان ظروف شغله منعته ، لكن وأخت جوزي جينا ونازلين في فندق، هي فين بسمة يا دادة سعاد؟ أنا مش شيفاها يعني في المكان

صمتت السيدة سعاد تنظر إليها تستعجب جهلها بأن بسمة هي العروس

- بسمه في أوضتها فوق يا بنتي بتجهز عشان الحفله ما هي..

توقفت السيدة سعاد عن الحديث، وتلك مرة كانت عيناها تتعلق بالواقف

انصرفت السيدة سعاد بعدما فهمت من نظراته بأن تتركهما

- أنا كده اتأكدت إن بسمه هي العروسه يا جسار

- حمدلله على السلامة يا ملك، أومال فين الدكتور

مراوغ هو، تعلم هذا ولكنها أصبحت متأكده بأن بسمة هي العروس

اتجه نحو غرفة مكتبه فاتبعته حانقه من عدم جوابه

- ليه بسمه يا جسار، واوعى تقولي إنك بتحبها لأنك لو ضحكت على كل الناس مش هتضحك عليا

- ولو قولتلك إني بحبها يا ملك

الجمها إعترافه، فاقتربت منه بنظرة يعلمها تماماً

- عايزه إيه يا ملك

لاحت ابتسامة خفيفة فوق شفتيها سرعان ما تمكنت من إخفائها

- ليه بسمه يا جسار، وإيه اللي حصل خلاك تاخد قرار زي ده

زفر أنفاسه يشعر بثقل اليوم على روحه مُشيراً إليها بأن تجلس وتسمعه

- بنتقم من جيهان يا ملك، الهانم فاكره إنها سابت أثر فيا وممكن أرجعها لعصمتي من تاني

- ديه غلطتك أنت من الأول يا جسار، أنت اللي اتسرعت في جوازك منها

أحتقنت ملامحه يتذكر من كان سببً في دلوف جيهان حياته، ولكنه لن ينكر أن رسلان حاول إصلاح الأمر وكشفه له ولو علق فداحة خطأه على الأخرين لن يكون رجلًا

سرد لها تفاصيل ما حدث، بداية من إقتحام عنتر حياته وعودة جيهان بعدما بدء يُشاع في شركته عن وجود نفس الفتاة التي استخدمها في حملته الدعائية في بيته

- طليقتك تيجي تفضحك في شركتك تقوم بمنتهى البساطه تعلن جوازك منها، تدخلها لعبه هتكون هي الخسرانه فيها

تجهمت ملامحه من عبارتها الأخيرة، فما الذي ستخسره بسمه فهو وحده الخاسر

- هتخسر، عايزه تقوليلي فرصة مكنتش تحلم بيها تسميها خسارة

- إنها تتجوز واحد زيك فهي فعلا خسرانه

- ملك

ضغط فوق شفتيه ماقتًا إهانتها، يشيح عيناه عنها

- جسار أنا أكتر واحده عارفاك، عيشنا مع بعض تلت سنين.. طبعك صعب يا جسار وبسمة أضعف من إنها تتحمل طباعك

نهشها الندم لتركها لها تحت رعايته، ولولا حياتها المضطربه وما كانت تعيشه في الفترة الماضيه قبل إستقرار علاقتها هي ورسلان لكانت أخذتها للعيش معها أو إيجاد لها مأوى بعيداً عن فتحي شقيقها

- بسمه أحلامها بسيطه، طول عمرها نفسها تتجوز راجل يحبها، راجل بسيط مش معقد مش صعب الفهم.. راجل يفهم ظروفها راجل ميعايرهاش بظروفها، رجل تلاقي معاه الحنان والحب، فستان فرح بسيط وبيت دافي حتى لو أوضة واحده تجمعهم

اسبل أهدابه يخترقه الندم يقبض فوق كفيه بقوة وقد أصاب الحديث قلبه

- ليه تضيع منها أحلامها البسيطه، ليه تهدم الحلم الوحيد اللي كان فاضل ليها، استخترته عليها ليه يا جسار

صمت لأنه بات يُدرك جرمه، كي ينقذ سمعته ويُعاقب طليقته استغلها حتى إنه استغل نفوذه وابعد عنتر عنها
, هو ليس نادم لأمر عنتر لأنه رجلاً ويفهم أمثال عنتر تماماً كما يفهم حاله

- ندمت دلوقتي، ويا ترى الجوازه هتفضل لأمتى؟ لحد ما تشوف عروسه من مستواك تليق بيك

- بسمه فوق يا ملك تقدري تطلعيلها وتكوني جانبها

استدار بجسده يُنهي نقاشهم، فغادرت الغرفة بعدما وجدت أن الحديث لن يُجني شئ فالزواج قد تم

صعدت الدرجات نحو الغرفة التي ارشدتها إليها الخادمة، فوقفت لثواني تستجمع أنفاسها قبل أن تطرق باب الغرفه التي توجد داخلها وتستعد بها كعروس

استمعت لصوت احداهن تُنهي الواقف عن الدلوف إلى أن تفتح إليه هي الباب

كانت عيناها عالقة بصورتها المنعكسة بالمرآة كم تمنت هذا اليوم كلما رأت إحدى فتيات حارتها، الأمنية قد تحققت بل وتحقق معها الرجل الذي حينا رأته ببذلته المنمقة في بنايتهم المتهالكة قاصداً أحدى الشقق
تسألت هل مثيلاتها يحظون برجال كهذا ؟
تمنت رجلاً كان بالنسبة لها حلماً مستحيلاً ولكن المستحيل بات حقيقة

دوامة من الأفكار اخذتها ولكن صوتً مألوفًا أجتذب أذنيها ، صوت اشتاقت لصاحبته

- بسمة

نفضت حالها من فوق المقعد غير عابئة بتذمر خبيرة التجميل
،تنظر نحو ملك التي وقفت قرب الباب تُطالعها بابتسامة واسعه

- طالعه عروسة زي القمر يا بسمة

هرولت إليها بسمة تُلقي حالها بين ذراعيها باكية

- وحشتيني أوي يا ملك، لما قالولي إنك مش هتيجي زعلت أوي قولت خلاص هي نسيتني

دمعت عينين ملك وهي تضمها إليها سعيدة بهذه اللحظة رغم كل شئ

- أنا عارفه إن زيارتي جات متأخره يا بسمة، لكن المرادي مش هسيبك

ابتعدت عنها بسمة تمسح دموعها، تتذكر كم من المرات حذرها جسار من مهاتفتها حتى لا تتسبب لها بمشاكل عائلية، فشقيقها فتحي لا يدخل مكان إلا وأستغل أصحابه

- بتعيطي يا عروسة
تمتمت بها ملك، تضع بكفيها فوق خديها تمسح بقايا دموعها وصوت خبيرة التجميل يتعالا فوق رأسهما بسبب فساد زينة العروس

- يا مدام خليني أشوف شغلي
.........

مجامل هو بطبعه بل بارع في مجاملته خاصة مع النساء، يمتدح جمال وأناقة سكرتيرتها أمامها وكلما شعر بعدم قدرتها على سماع غزله لأمرأة أخرى غيرها كان يزيد من الجرعة

- اظن عرفنا التعطيل جاي منين يا خديجة هانم

هتف بها كاظم بجدية بعدما ترك التقارير التي كان يفحصها بنظرة سريعة

حاولت خديجة رفع عيناها عن التقرير الذي أمامها تُحاول السيطرة على مشاعرها من شدة ما تشعر به

- مافيش تعطيل هيحصل تاني يا كاظم بيه، وزي ما اتفاقنا المشروع هيخلص في الميعاد لكن كل واحد لازم يقوم بدوره

وعند كلمتها الأخيرة كانت عينين أمير تتركز عليها غافلاً عن نظرات كاظم نحوه طيلة الأجتماع وذلك العرض الأخرق الذي يقوم به شقيقه في مغازله سكرتيرة خديجة النجار

اماء كاظم برأسه واثقاً في ما تعطيه له من كلمه

- ياريت تقبلي عزومة العشا بكرة، هنستناكي أنا والمدام

قالها كاظم بعد نهوضه عن مقعده، يرمق شقيقه بنظرات ضيقه

- هحاول لكن اعذرني لو مقدرتش

- لا مافيش أعذار يا خديجة هانم حتى تتعرفي على المدام

عيناه كانت مسلطة عليها بإستهزاء، فاليوم كانت البداية في لعبتهم
انتظر مغادرة شقيقه مُتعللاً برغبته في أخذ نسخة من اجتماع اليوم

- يمكن النهاردة عرفتي تسيطري على مشاعرك يا خديجة، لكن مظنش هتقدرى علطول

القى عبارته وانصرف بعدها، فعلقت عيناها به بقهر تتذكر كل كلمة مدح بها سكرتيرته

حاولت إستعادة ثباتها مجدداً، فهي من أرادته أن يبحث عن امرأة أخرى بديلة عنها، وطلاقهم سيتم في نفس اليوم الذي سينتهي فيه المشروع الذي يجمعهما

انتبهت على إضاءة شاشة هاتفها ثم اسمه ، لتضغط على اسمه بلهفه تتمنى أن تكون رسالته فيها إعتذار وندم وكلمات حبه التي كان يمطرها بها

ومع كل حرف كانت تقرأه في رسالته، كان قلبها ينزف ألماً،
يُخبرها إنه سيبدء بمواعدة إحدى النساء الجميلات، بل ويصفها لها متسائلاً عن رأيها في أختياره.
.........

العرس أنتهى بكل سخافته وبحملقة الضيوف بها والكل يتسأل أين عائلة العروس؟ ، ومن كان يعرف ظروفها وحكايتها كان يُخبر الأخر عنها

القليل نظر للأمر بأنه حظ، والبعض الأخر رأى أن ربما حدث بينهم علاقة غير شرعية وأصبحت حامل منه فاضطر للزواج منها

عرس كان كارثي على كلاهما، لكنه هو الوحيد الملام عليه.

حاول تمالك مشاعره وهو يسحبها معه بخفة ، كانت أطراف أناملها باردة، تسير جواره بجمود حتى أصبحوا أخيراً داخل المنزل تستقبلهم السيدة سعاد بالطقوس المتعارف عليها
مهما كانت الغاية من هذا الزواج

- المسرحية خلصت يا جسار، خلينا بقى نخير صاحبة القرار

حاولت ميادة جذب ذراع ملك, لينصرفوا ويؤجلوا حديثهم للغد، بعدما فهمت منها تفاصيل هذه الزيجة

ارتعبت السيدة سعاد من نظرات رب عملها إليها نحو ما تحمله، ففضلت الانسحاب تنظر نحو بسمة بملامح قلقه

- قولتلك عرضك مرفوض يا ملك

- وأنا قولتلك نسأل صاحبة الشأن يا جسار

احتدت عينين جسار ينظر نحو بسمة ، وقد فضلت اليوم أن تكون مجرد مستمعة لا أكثر

- بسمه وجودها جانبي يا ملك، متنسيش إنها مراتي مهما كان سبب جوازنا

- لكن أنا عايزه اعيش مع ملك

سقط حديثها كالصاعقة فوق رأسه، ينظر إليها مذهولاً من تخليها عن صمتها بل وجرت فستانها واتجهت نحو ملك متشبثه بذراعها

.......

تجمدت عيناها نحو تقويم هاتفها بارتعاب، تعيد حسبتها في رأسها لعلا الهاتف يُخطأ أو قد تغافلت عن الأمر

- لا، لا مش معقول أكون حامل

- جنات

صوته أخرجها من شرودها وقد اقترب منها ينظر إليها متُعجبًا من تعلق عيناها بالهاتف

يتبع بإذن الله


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close