اخر الروايات

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الثاني والثلاثون 32 والاخير بقلم فاطيما يوسف

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الثاني والثلاثون 32 والاخير بقلم فاطيما يوسف 


 

اندفع "الجد" من شرفة البيت كأنما أطلقوا رصاصة الرحمة في قلبه قبل أن يسمع الخبر كاملًا، خطواته كانت ترتجف فوق الأرض، ونبضاته تسابق أنفاسه، وعيناه لا ترى إلا صورة واحدة ثابتة في ذهنه "رسلـان" مُلقى في الشارع والدماء تنزف منه بلا توقف، كأن الحياة تسربت من عروقه وهو بعيد عن حضن من ربّاه ورباه على كفه وروحه وهو ينطق بفزع:

ـ يا "رسلان" ماتسيبش جدك يا حبيبي انا ما اقدرش اعيش من غيرك ، اوعى تعملها يا "رسلان" جدك حبيبك اللي رباك هينفطر عليك لا يا حبيبي لا يا "رسلان" .

تعثرت "الأم" وهي تخرج مسرعة من الباب، المجلة التي كانت تقرأها سقطت دون أن تشعر، وركضت حافية القدمين، عيناها تتقلبان بين الشك واليقين، لم تصدق أن "رسلـان" الذي أنكرت حبه لسنوات، الآن يصارع الموت أمام عينيها، دمها تجمد في عروقها، وركبتاها لا تقويان على حمل جسدها والآن استيقظ إحساس انها أم وهي تسارع الخطوات كي تصل إليه بقلب ملهوف لأول مرة :

ـ لااااا ، أنا مش مصدقة اللي سمعته ده هو فين يا ناس ابني فين ، "رسلاااااااااااااااان" .

وقف "الأب" في المنتصف بين البيت وبين مكان الحادث، وجهه شاحب، أصابعه ترتعش، عجز أن يركض أو يصرخ، فقط كان يتلفت يمينًا ويسارًا كأنما يبحث عن دليل يخرجه من هذا الكابوس، رأسه تميل قليلاً ثم تعود، وكأن توازنه الداخلي انهار لحظة واحدة بعدما كان لا يبالي بمشاعر ولده بعدما كان فاقدا الإهتمام به :

ـ اه ابني ، ياحبيبي يا ابني يا اللي اتربى في بيت كله خصام وقسوة يا رب سامحني لو جرى له حاجة بسببنا ، يارب الرأفة بقلوبنا ومتضرناش فيه ، يارب ده وحيدي ومليش غيره .

وصلوا إلى مكان الحادث وكانت الأجساد تزاحمهم والوجوه واجمة والعيون مذعورة، هناك على الأرض كان "رسلـان" مُلقى قدميه مكسورة، الدماء تحيط به كطوق مفجوع، رأسه منحني على كتفه ويداه منفرجتان عن جسده كأنه يعلن استسلامه لما لا يُرد ،
هلعوا جميعهم حينما رأو حالته تلك لينطق الجد وهو يلتفت حوله يستنجد بالواقفون :

ـ شيلوه يا ناس بالله عليكم شيلوا الولد بسرعة دي روحه بتطلع قدامي ،
تعالي يابنتي بسرعة افتحي عربيتك علشان نلحقه ونروح على المستشفى.

تقدّم شابان من بين الجمع وحملوه برفق كأنهم يحملون زهرة ذابلة، وأسرعوا به نحو سيارة والده وقد أُكلَت قلوبهم وجعلتهم يتنفسون الألم ، لينطق جده وهو يحاول إفاقته:

ـ يا "رسلـان" يا ابني افتح عينيك بص لي قولي إنك بخير كلم أبوك يا ابني كلم أمك يابني فوق يا نور عيني وطمني انك بخير ومش هتسيبني يا "رسلان" انت سندي وكل عزوتي يا حبيب جدك .

ركبت "الأم" خلفه في السيارة ووجهها شاحب، عيناها لا ترمش، وشفاها ترتعش كأنها تهمس بما لم تنطق به طيلة عمره، أمسكت يده الباردة كأنها تعتذر له بأصابعها بعدما بخل لسانها بكلمة حنان :

ـ سامحني يا "رسلـان" كنت قاسية أوي عليك بس كنت فاكرة إن ده الصح والله كنت فاكرة اني بعمل معاك الصح ، حقك عليا يا حبيبي والله أنا بحبك يا "رسلان" اه يابن عمري حقك عليا .

في المستشفى كان الممر طويلاً ومضاءً بأنوار قاسية تزيد من رهبة المشهد، الأطباء يركضون من غرفة إلى غرفة، والممرضات يصرخن بتوجيهات سريعة، و"رسلـان" على السرير المتحرك بين الحياة والموت، وجهه شاحب كالقمر لحظة الكسوف فسأل والده الطبيب بلهفة:

ـ دكتور هو لسه عايش ولا راحت منه الروح يا دكتور رُدّ عليا أرجوك طمني على ابني وعلى حالته ؟

جلس "الجد" في طرف الممر على كرسي بلا ظهر، يضع يديه على وجهه، يبكي بلا صوت، رجلٌ بلغ من العمر عتيًّا ومع ذلك لم يبكِ في حياته مثلما بكى في تلك اللحظة، كان يعلم أن هذا الولد لم يكن حفيده فحسب بل روحه الثانية وهو يتحدث بفزع:

ـ لو جراله حاجة أنا هموت بعده على طول أنا اللي ربيت وأنا اللي شيلت أنا اللي هشيل القبر وراه ، انت كل حاجة لجدك يا "رسلان" .

خرج الطبيب بعد دقائق كأنها سنوات، وجهه لا يحمل بشارة ولا كارثة، فقط نظرة متعبة تقول إن الوقت الآن ليس للوعود، أشار برأسه للداخل وهو يعلمهم بحالته :

ـ الحالة حرجة جدًا، ونزيف الدماغ مش مطمئن خالص للأسف الصدمة كانت شديدة جداً ادعو له يا جماعة ربنا ينجيه .

هتفت الأم بهلع حقيقي لما استمعت إليه من كلام الطبيب واحتمال فقدان ولدها :

ـ يعني إيه يا دكتور يعني ابني هيروح مني ؟
اعملوا أي حاجة أرجوك يا دكتور أنا عايزة ابني سليم ويرجع لي .

بعد مرور بعض الوقت دُفعت "الأم" نحو الباب، فتحت بحذر، تقدمت إلى الداخل على أطراف ذعرها، رأت وجه "رسلـان" تغطيه الأنابيب والأجهزة، وجسده لا يتحرك إلا بتلك الآلات، اقتربت منه بهدوء وجلست جواره، وضعت يدها على جبينه، ثم انهمرت دموعها:

ـ أنا آسفة يا حبيبي أنا ما كنتش أم ولا حتى ست، كنت حجر ساكن، سامحني لو قلبك وجعك مني، بس والله أنا كنت فاكراك هتضيع مستقبلك أكتر لو وافقت، كنت ببص للمناظر وكلام اللي حواليا ومكنتش بهتم باللي انت عايزه يا حبيبي ، فوق يا "رسلان" أنا وباباك ملناش غيرك وأوعدك اني مش هسيبك تاني وهجوزك "دعاء" .

دخل "الأب" وراءها، ملامحه متكسرة، جلس على الكرسي الآخر قرب السرير، شد على يد "رسلـان" اليمنى، ورفع نظره للسقف كأنه يخاطب الله بكل ما تبقى من أمل في قلبه :

ـ يا رب ارجعه لينا يا رب ما تحرمنيش منه مش هو اللي غلطان إحنا اللي كنا عميانين عن حبهم لبعض وعميانين عن احتياجه لينا يارب .

أما "الجد" فلم يدخل الغرفة بل وقف عند الباب يراقبهم بعينين ذابلتين، ثم همس بصوت مبحوح:

ـ ادعوا يا ناس، ادعوا له يمكن دعوة من قلب أم ندمانة ترجع له روحه ، ادعوا له يرجع ويخف وحالته تستقر ، أه يا "رسلان" جدك قلبه مفطور عليك يا حبيبي ، ربنا يقومك بالسلامة يارب.

ظلّوا جواره طوال الليل، وكل دقيقة تمر تسرق من أعمارهم عمرًا، تذبل الوجوه، ويعلو صوت الأجهزة بينما العيون لا تغفل عنه لحظة، والجميع ينتظر أن تفتح تلك العينان الساكنتان، ليعود إليهم "رسلـان" الذي ضحّى كثيرًا من أجل حبٍ لم ينله إلا حين صار جسده بين الحياة والموت ،
انطلقت أجهزة القلب تُصدر صفيرًا متقطعًا مُرعبًا، وكأنها تُعلن بوضوح أن الحياة بدأت تنفلت من بين يدي "رسلـان"، فاندفع الممرضون والأطباء من كل زاوية كأسراب النحل الهائج، تتقاطع خطواتهم ويعلو صوتهم في محاولة يائسة لإنعاش قلبه، بينما عمّت حالة من الهرج والمرج أروقة المستشفى، وارتعدت الأجساد خوفًا من فقدان الفتى الذي ما زال على سرير العمر يصارع الموت، جثى "جده" على ركبتيه يبتهل بدعاء يائس، واحتبس صوت "والده" في صدره كأن صدره يضيق بالحياة، أما "أمه" فانهارت على الأرض، تشد شعرها وتلطم وجهها بعدما جفّت دموعها، وكل الأنظار معلّقة بأجهزة الإنعاش تنتظر معجزة تنقذه حتى أنعشه الأطباء أخيراً ومن ثمَّ ذهب ناحيتهم وهو يتحدث بأسى :

ـ للأسف المريض عنده عدم شغف للحياه ورافض جدا إنه يستجيب لمحاولتنا عايز حد يقعد جنبه يردد على آذانه ان الحياه تستحق وإن في ناس حواليه بيحبوه وان وجوده فارق معاهم جدا واعتقد ان ما فيش حد يعرف يعمل كده غير والدته لأن الإنسان مننا بيبقى قريب من أمه قوي لدرجة انه ما بيحسش بالأمان إلا في وجودها .

ـ رسلان انت عارف ان كلنا بنحبك يا حبيبي وان احنا ما نقدرش نعيش من غيرك وانك ابننا الوحيد انا ما رضيتش اخلف بعدك علشان مش عايزه غيرك في الدنيا فوقي حبيبي وارجع لينا انا وبابا وجدو انت حياتك غاليه علينا قوي فوق يا حبيبي وانا اضمك واحضنك واديك كل الحنان اللي في الدنيا بس ما تمشيش يا رسلان ما تقطمش ضهري عليك يا حبيبي انا ندمت يا رسلان ندمت ندم عمري ما ندمته في حياتي انا بحبك قوي انا وباباك .

عادت حالته الصحية تتدهور بشدة كلما استمع الى صوت والدته وكأن ذاك الصوت بات يرفض سماعه بشدة وكأنها وهو يصارع الموت عقله الباطن يحاوطه بشدة ويخبره أن ذاك الصوت أكثر ترنيمة شجن سببت له الأذى ،

دخل الجد إليهم بعدما عاود الأطباء لإنعاشه من جديد والجميع في حالة تأهب وفزع شديدة على ذاك الولد الذي يرفض وبشدة العودة للحياة من جديد ، ليجذب الجد يد ابنته إلى الخارج سريعاً وقد استشف أن ابنها ينهار على سرير الموت بسبب سماع صوت أمه يالك من قدر واثق الخطى ولكن في ظاهرة بعض القسوة على ذلك المسكين ولكن أقدار الله كلها خير لبني البشر ، وما إن خرج الأب وابنته وسحبها في مكان متنحى حتى جلس أمامها وعيناه تلتمع بدمع حزين أشبه بياضها بلون الدم وهو يردد على مسامعها ما جعله تنفطر من الدموع الغزيرة وكأن الإنسان لايفوق من أفعاله الشنعاء الا على الصدمات الشديدة التي تجعله يخسر الغالي والنفيس كما خسر "آدم" و"حواء" الجنة من وراء الإغواء و مغريات الشيطان وانقلب من ورائهم مصير أمة بأكملها ،كانت "نعمات" واقفة أمام والدها والدموع منهمرة من عينيها، تحاول أن تتكلم، أن تبرر، أن تستدرك ما لا يُستدرك لم تكن تبكي فقط، بل كانت تنهار، كأن نيران الحسرة تأكل صدرها، كأن ذنبها في حق "رسلان" تحوّل إلى سلاسل تلف عنقها وتشدّها إلى أسفل. كل لحظة تمر وهي بعيدة عنه كانت كالسكاكين، وكل همسة من والدها تُحطم جدار العناد الذي طالما احتمت خلفه :

ابنك رافض حتى يسمع صوتك يا "نعمات" وهو بين الحياة والموت، ابنك من كتر قسوتك عليه وعمره ما شاف منك حنية بيهرب من صوتك للموت، يعني بالنسبة له يموت ولا إنه يسمع صوتك يا بنتي، شفتي وصلتي بحالة ابنك وبجبروتك لفين؟

هزّت رأسها بعنف، وعيناها كأنهما فقدتا البصر من كتر الدموع، حاولت أن تنطق، أن تُخرج الكلمات من بين شهقاتها، وكل كلمة كأنها تخرج من قلب ينزف:

ـ أنا عرفت إني غلطانة يا بابا، أنا قلبي بينكوي نار بتنهش فيا وأنا شايفاه مرمي بين الحياة والموت، أنا عايزة ابني يرجع لي يا بابا، أنا خلاص ما بقتش مستحملاه، أرجوك اعمل أي حاجة.

نظر إليها والدها بعينين يملؤهما العتاب، لكنه عتاب من النوع الذي لا يخلو من الرحمة ،كان يرى أمامه ابنة لم تكن تُدرك قيمة ما لديها إلا بعد أن أوشك أن تفقده. كم مرة نصحها؟ كم مرة توسّل إليها أن تعطي ابنها قليلا من الحنان؟ لكن صوتها العالي كان دائمًا أقوى من صوت القلب:

ـ دلوقتي بتعيطي على ابنك ومفطورة عليه؟ منيمه قلت لك حني عليه، ابنك بالنسبة له ابن البواب أحسن منه بسبب إن أبوه وأمه بيعطفوا عليه وبيحنوا عليه وبيحضنوه دايمًا وبيحسسه بالأمان، ياما قلت لك إن الطريق اللي زايل وكلها مناظر كدابة، وإن ده ابنك سندك الوحيد في الدنيا، ولو راح منك هتنهاري، وكنتي كل مرة بتعاندي نفسك وبتعانديه، بس في الحقيقة يا بنتي انتِ كنتي بتعارضي القدر، وبتعارضي حكمة ربنا في الأمومة والحنان اللي ربنا بيزرعه بالفطرة في قلب كل أم، وربنا اداكي مؤشرات كثير إنك تفوقي ببعاد ابنك عنك وبعتابه ليكي، وانتِ برضه لا حياة لمن تنادي، كنتِ بالظبط من اللي ربنا قال عليهم ؛صم، بكم، عمي، فهم لا يعقلون.

ضربت "نعمات" كفيها ببعضهما، وشعرت بجسدها يتهاوى رغم وقوفها ،كانت كأنها تصحو من غيبوبة طويلة، من جمود ظالم، الآن فقط تدرك معنى فقدان الابن، الآن فقط ترى في موت "رسلان" موتًا لها:

ـ طب انصحني يا بابا، قول لي أعمل إيه علشان أرجع ابني ليا، وأنا والله هسمع كلامك، وعمري ما هعارضك تاني، أنا ما اقدرش أتصور حياتي من غيره، حتى لما كان بعيد عني السنتين دول كنت دايمًا بروح أشوفه من بعيد لبعيد من غير ما يعرف ولا ياخد باله، وأنا كنت مفكره إن أنا بعمل كده لمصلحته.

رفع الأب يده في الهواء، كأنه يمسك بالأمل الوحيد الذي تبقى، يعلم أن اللحظة حرجة، وأنه لو لم تمسك "نعمات" بالخيط الآن، فربما يرحل "رسلان" دون وداع:

ـ أنا ياما نصحتك يا بنتي وقلت لك حلول كتيرة، ودلوقتي مفيش غير حل واحد بس، يا ترى هتسمعي كلامي ولا هتعارضيني زي كل مرة؟ بس المرة دي لو عارضتيني، فيها حياة ابنك اللي انتِ ملهوفة وهتعيطي عليه دلوقتي وبتبكي بدل الدموع دم.

انحنت "نعمات" برأسها، وهي تبكي بشهقة ممزوجة برجاء، تشبثت بكلمات والدها كأنها حبل نجاة، كأنها طريق العودة من الجحيم الذي غرقت فيه بيدها:

ـ قــ...ول، قــ...ول، والله يا بابا هسمع نصيحتك طالما فيها مصلحة ابني، وهترجعه لحضني تاني.

رفع الأب عينيه إلى السماء كأنه يستمد القوة، ثم نطق بما كان يحمله في قلبه منذ زمن، وبما يعلم أنه الأمل الحقيقي:

ـ ابنك محتاج حد بيحبه جدًا علشان يرجعه للحياة من تاني، محتاج يسمع أكتر صوت حن عليه وحسسه إنه إنسان وله قيمة وإنه محبوب، غيري يا بنتي، ابنك محتاج "دعاء".

تجمدت "نعمات" لوهلة، ثم ارتفع حاجباها بدهشة ممزوجة باللوم، كأنها تحاول أن تفهم، أن تستوعب... "دعاء" :

ـ دعاء؟!

حرك والده رأسه للأمام وهو يؤكد لها :

ـ آه "دعاء"، مالها؟ بنت محترمة ومتربية ومتعلمة تعليم عالي، وحبة ابنك من قلبها، وأختك رفضت إنها تجوزها لابنك من غير موافقتك، بنتها عندها بالدنيا واللي فيها، يعني الموضوع مش حوار طمعه زي ما كنتِ فاكره وزي ما عقلك كان عاميكي، ابنك محتاج تروحي تجيبي له "دعاء" تقعد جنبه، وهي هتعرف تتعامل معاه، هتعرف ترجعه للحياة من جديد، ولازم انتِ اللي تجيبيها بنفسك، لازم انتِ اللي تحسسيه إنك ملهوفة عليه، وإنك هتعملي له كل اللي هو عايزه.

هنا أدركت "نعمات" الحقيقة التي كانت تنكرها دومًا، لم تكن "دعاء" خصمًا لها، بل كانت ملاذًا لابنها، وكانت تلك الفتاة تحمل ما لم تستطع هي منحه لولدها تحجّرت الكلمات في حلقها، وانهالت دموعها دون توقف:

ـ ياه، هو للدرجة دي حبها و اتعلق بيها يا بابا؟ للدرجة دي شايف فيها اللي أنا مش شايفاه؟

أجابها والدها بثقة واستفاضة لمشاعر ابنها تجاه حبيبته بما أذهلها :
ـ حبها دي كلمة قليلة على اللي ابنك حس بيه معاها، ابنك حس معاها بالحنان اللي ما لقاهوش معاكي، لقى فيها الأم والزوجة والحبيبة والأخت، "دعاء" اديته مشاعر ما حدش فينا قدر يديها له، مشاعر الأنثى اللي بيحتاجها كل راجل من ناحية أمه وأخته وحبيبته، لأنها متربية على جو العيلة، ومتربية على الاحتواء اللي أمها زرعته فيها، وعايزه بعد ده كله ما يحبهاش؟ كفاية يا بنتي إنه لقى في عينيها حنان ما لقاهوش في عينيك، ولقى في بيتهم دفى ما لقاهوش جوه بيتك وحضنك، روحي لها يا "نعمات"، اترجيها إنها تيجي تشوف ابنك، واعتذري لاختك عن اللي انتِ عملتيه، ده لو انتِ عايزة تنقذي ابنك اللي مرمي جوه بين الحياة والموت.

هرولت "نعمات" في أرجاء الغرفة كأنها فقدت عقلها، بين الرجاء والخوف، بين الرغبة في الإصلاح والخشية من فوات الأوان التصقت بعين والدها، تبحث في وجهه عن بصيص أمل، عن ضوء يُرشدها في هذا الظلام:

ـ حاضر، حاضر يا بابا، والله هسمع كلامك، لو ده اللي هيرجع لي ابني، هروح لها دلوقتي حالًا، بس تفتكر هترضى تيجي معايا؟ وتفتكر أختي هترضى تقابلني أصلًا بعد اللي أنا عملته؟ ومش هيعملوا اعتبار لابني اللي مرمي بين الحياة والموت بسبب اللي أنا عملته معاهم؟ وهيسيبو ابني يموت؟

ربت الأب على كتفها، وكان صوته يحمل يقينًا نادرًا ما يظهر في هذه اللحظات، يقين من يعرف بنات قلبه جيدًا، ويثق أن الدم لا يتحول إلى ماء مهما بلغ الجفاء:

ـ أختك أصيلة ومتربية على إنها ما تردش الإيد اللي محتاجاها، ومتربية برضه على "من جالك بيتك جاب الحق عليك"، وطالما هتعتذري، قلبها أبيض، وهتسامحك على طول، أنا عارفكم أنتم الاثنين كويس، وحافظكم، ويا ريت تتعلمي يا بنتي من الدرس اللي انتِ فيه، علشان ربنا يقبل توبتك، وينقذ لك ابنك حبيبي "رسلان" اللي مرمي بين الحياة والموت.

وقفت "نعمات" بثوب مبلل بالدموع والندم، وجسدها يرتجف من الداخل قبل الخارج، قلبها يخفق كأن كل نبضة فيه تصرخ باسم "رسلان":

ـ حاضر يا بابا، هعمل اللي انتَ بتقول لي عليه، بس ادعِ له يا بابا، ربنا يقومه بالسلامة، ابني هيروح مني بسبب اللي أنا عملته معاه، ربنا يسامحني على تقصيري في حقه، ما كنتش أعرف إن ممكن يحصل كده.

وضع الأب يده على صدره، وأغمض عينيه يدعو من أعماقه، بينما كانت "نعمات"تستعد لتذهب، هذه المرة ليس بعناد أو كبرياء، بل بروح منكسرة تسعى للغفران:

ـ ربك خلاف الظنون يا بنتي، مش هيضرنا فيه أبدًا، وأنا عندي ثقة إن ربنا هيقومه لنا بالسلامة، بس نعمل اللي علينا، يلا، قومي روحي لاختك، خليها تبعت بنتها، علشان "رسلان" يلاقي حاجة قوية ترجعه للحياة من تاني.

ـ حاضر يا بابا، خلي بالك منه، اقعد جنبه يا بابا، كلمه كتير، علشان هو بيحبك، وانتَ أكثر صوت لو سمعه، هيقاوم الموت على ما أرجع ومعايا "دعاء".

*********

كانت "نعمات" تائهة بين الطرقات، تسير بخطى متعثّرة كأن الأرض تميد تحت قدميها، كأن قلبها يسابق الريح نحو بيت أختها، بينما عقلها غارق في دوامة ندم لا تهدأ ،ما كانت تتخيل أن يأتي اليوم الذي تطرق فيه باب أختها متوسّلة، لا من أجل كرامة ضائعة، ولا مصالح منسية، بل من أجل فلذة كبدها، من أجل "رسلان" الذي تسلل الموت إلى أنفاسه، ووقف بينه وبين الحياة خطوة واحدة ،

وقفت أمام بيت أختها، مدت يدها المرتجفة، ثم تراجعت خطوة... لا لأنها خائفة من الرد، بل لأنها لأول مرة تشعر بثقل ذنوبها على كتفيها ، راحت تتلفت كأنها تبحث في السماء عن معونة، عن دعاء يتسلل من فمها المبلول بالبكاء، ثم جمعت شتات نفسها، وطرقت الباب بأصابع مرتجفة ،

خرجت أختها "نجوى"، ووقفت عند الباب بدهشة، كانت ترتدي عباءتها البسيطة، وعلى وجهها نظرة استغراب، لا حقد فيها، بل حيرة من المشهد الذي لم تتخيله يومًا ،

نظرت "نعمات" في عيني أختها، وانكسرت نظرتها لأول مرة منذ سنوات :

ـ مساء الخير يا "نجوى"... ممكن... تسمحي لي أدخل؟

ظلت "نجوى" واقفة مكانها، ولم تفتح الباب على مصراعيه، ولم تغلقه، فقط نظرت إليها بصمت ثقيل، كانت الكلمات ثقيلة، كأن ما بينهما لم يكن خصامًا عاديًا، بل سنوات من الجرح الصامت ، لتنطق بندم :

ـ "نجوى"... أنا جاية لك من آخر الدنيا، واللي جابني مش خطوة، ده ندم، ندم بيقطعني، أنا جاية علشان ابني يا "نجوى"، علشان "رسلان"مرمي بين الحياة والموت.

ارتجف جفن "نجوى"، وتغيرت نبرة تنفسها، لكن وجهها ظل ثابتًا كانت امرأة حنونة، لكنها لم تكن تُسلم قلبها بسهولة، خاصة بعد ما ذاقته من أختها :

ـ افتكر إنك لما جيتي آخر مرة هنا قدام اهل بلدي وحتتي وقلتي لي إني طماعة، وإني بربي بنتي عشان نسرق ابنك منك واننا طمعانين فيكي ؟

أومأت "نعمات" برأسها سريعًا، وانهارت دموعها قبل أن تتكلم وهي تنظر الى شقيقتها بخزي من افعالها السيئة معها:

ـ افتكرت، وكل يوم باتعاقب عليه، كل كلمة قلتها لك، وكل تصرف عملته فيكِ ،بس أنا مش جاية أبرر، أنا جاية أطلب، أرجو، أتوسل، ابني بيموت، وقلبي بيتقطع عليه، وبابا قال لي إن ما فيش حاجة هترجعه غير "دعاء"وأنا مصدقة، مصدقة لأنه ما حبش في حياته غيرها، أنا جاية علشان بنتك، علشان تجي تقعد جنبه يمكن يفتح عينه، يمكن يرجع ينور الدنيا من تاني وانا والله هجوزهم لبعض ومستعده اجي اعتذر لك قدام اهل بلدك اللي انا بهدلتك قدامهم كلهم .

سكتت "نجوى" لثوانٍ، ثم فتحت الباب أكثر، وأشارت لها بالدخول دون أن تقول شيئًا ، دخلت "نعمات" بخطى منكسرة، وعيناها تدوران في البيت الذي طالما تجنّبته، بيت الدفء الذي حرمته على ابنها، والآن تحتمي فيه لتستنجد بابنتهم الصغيرة ،

جلستا في الصالة، وظلت "نجوى" واقفة لبعض الوقت، ثم جلست بهدوء وقالت:

ـ أنا ما كنتش فاكرة إن اليوم ده هييجي، يوم تدخلي فيه بيتي وانتِ اللي تطلبي، بعد ما خليتيني أحس إني قليلة، وإني مش كفء لإني أكون نَسَبِك بعد ما حسستيني ان انا بالمعنى الأصح شحاتة جنبك مع اني عمري ما طلبت منك حاجة ولا طمعت في منصب جوزك ولا جيت لك اتمحكت فيكِ قبل كده علشان ليا غرض في اي حاجة .

ـ سامحيني يا "نجوى"، والله سامحيني، أنا ما كنتش شايفة، كنت عايشة بفكر إن العيلة اللي عندها فلوس واسم هي اللي لازم نحافظ عليها، وما كنتش شايفة إن الكنز الحقيقي كان عندك، في قلبك وفي طيبة بنتك.

في تلك اللحظة، ظهرت "دعاء" عند باب الغرفة، كانت تقف دون أن تتقدم، تنظر إلى المشهد وكأنها لا تصدق ما يحدث، ثم قالت بقلق وهي تشعر بوجود خطب ما حدث مع "رسلان" لانه لم يجيب على اتصالاتها وانغلق هاتفه من كثره الرنات عليه:

ـ هو "رسلان" كويس؟

التفتت إليها "نعمات" بسرعة، وقامت من مكانها واقتربت منها، وأمسكت بيديها كأنها تتمسك بأمل :

ـ لا يا بنتي، مش كويس"رسلان" بيموت، وبيهرب من الدنيا، وأنا صدقت إنك انتِ اللي تقدر ترجعيه، هو حبك، وافتقدك، وكل يوم بيبعد عننا أكتر، أنا مش جاية أضغط عليك، أنا جاية أطلب منك، تيجي معايا، تشوفيه، يمكن يسمع صوتك، يمكن يحس بيكِ ويرجع.

نظرت "دعاء" إلى والدتها، ثم اقتربت منها، وهمست لها بشيء لم تسمعه "نعمات" وملامحها يبدو عليها الرجفة والارتعاش الذي صحب جسدها ، لكن "نجوى" أومأت لها بالإيجاب ، ثم تقدمت "دعاء" من خالتها، ونظرت في عينيها بتأمل طويل:

ـ أنا ما نسيتش اللي حصل، ولا الكلمات اللي انقالت، بس ما قدرتش أكرهك، يمكن علشان أنا فعلاً بحب "رسلان"، وبحبك علشانك أمه، حتى لو كنتي قاسية معايا، ما فيش في قلبي ضغينة ، بس طمنيني على "رسلان" حصل له ايه أنا قلقت جامد .

انهارت "نعمات" أمام كلماتها، وجثت على ركبتيها، ووضعت رأسها في حجر "دعاء"، تبكي كما لم تبكِ في حياتها، وتهمس:
ـ سامحيني يا بنتي، سامحيني، وارجعيه له، أنا ما ليش غيره، والذنب ذنبي، بس مش قادره أشوفه بيموت وأنا واقفة عاجزة.

شهقت "دعاء" بصدمة :

ـ هاااا ! بيموت ازاي يا خالتو ، "رسلان" جرى له ايه ؟

اجابتها بعيناي تنفطر ألماً :
ـ عمل حادثة جامدة ومرمي على سرير الموت في المستشفى حالته خطر جداً.
مسحت "دعاء" دمعها ثم جذبتها من يدها بلهفة وقالت بحسم:

ـ قومي، نروح له، يمكن ربنا يجعلني سبب في نجاته، كان قلبي حاسس إنه هيجرى له حاجة ، كان قلبي حاسس يا "رسلان" قلت لك متسافرش يا نور عيني .

نهضت "نعمات" كأن بها روحًا جديدة، وتشبثت بكف "دعاء"، ثم التفتت لأختها وقالت بصوت مرتجف:

ـ شكرًا يا "نجوى"، شكرًا إنك ربيتي بنتك على الرحمة، اللي أنا نسيتها سنين.

اقتربت "نجوى" منها، وربّتت على كتفها، ثم همست بصوت يشبه الغفران:

ـ امشي يا "نعمات"، لحقي ابنك، والمرة دي ما تسيبهوش تاني.

خرجت "نعمات" و"دعاء" من البيت، تركتا خلفهما سنوات من الجفاء، ومضتا نحو المستشفى، نحو "رسلان" الذي قد تعيده لحظة حنان إلى الحياة ،

*******
كان الطريق إلى المستشفى مزدحمًا، لكن "نعمات" لم تكن ترى شيئًا سوى ملامح ابنها وهي تتساقط من ذاكرتها كحبات المطر، تارةً صغيرًا في حجْرها، وتارةً شابًا ينكسر نظره تحت قسوتها، وتارةً أخيرة ممددًا بين الحياة والموت كانت تسند "دعاء" بيد وتتشبث بأملها باليد الأخرى، تشعر أن هذا المشوار هو الرحلة الأخيرة، إما نحو الغفران أو نحو الندم الأبدي ،

وصلت إلى المستشفى، فركضت بخطواتها المرتجفة في الممر الطويل، وكأنّ البلاط يبتلع أنفاسها، يسرق منها ما تبقى من عزيمتها، لكن "دعاء" كانت بجوارها، ليست هادئة كضوء الفجر حينما يكسر الظلام ويبعث بالنور فجأة ،

فتح الجد باب الغرفة بمجرد أن سمع وقع أقدامهما، كان جالسًا إلى جوار "رسلان"، يقرأ في المصحف، وعيناه متورمتان من السهر والدعاء ،وما إن رأى ابنته حتى نهض واقفًا، وارتسم على وجهه مزيج من الدهشة والرضا، ثم قال بصوت خافت:

ـ كويس إنك جيتي يابنتي "رسلان" محتاجك علشان يعيش.

تقدمت "نعمات" نحو سرير "رسلان"، كأن قدميها تغوصان في الأرض، كأن الغرفة كلها تدور بها، ولأول مرة ترى ابنها ضعيفًا... هشًا... أشبه بطفل رضيع على سرير أبيض، أنابيب تحيط به، وأجهزة ترسم حياته بخطوط متقطعة، وكل ثانية تمر تُعلن أنها أغلى من كل عمرها السابق ،

انهارت على طرف السرير، وأمسكت بيده الباردة، وكأنها تحاول أن تعيده إلى دفء حضنها الذي طالما بخلت به :

ـ يا "رسلان"، يا ابني، سامحني، سامح أمك اللي ظلمتك، سامحني يا نور عيني، ارجع لي، ارجع لي وأنا أعوّضك عن كل حاجة، أنا ما كنتش شايفة... بس دلوقتي شايفة، سامحني يا ابني، أنا محتاجاك.

لم يتحرك "رسلان"، ولم يرتعش رمشه، كانت أجهزته تُصدر صفيرًا ثابتًا، لا حياة فيه ولا موت، فقط انتظار طويل يُمزق الأعصاب. نظرت "نعمات" إلى أبيها بخوف، فاقترب منها، ووضع يده على كتفها، وهمس بثقة:

ـ قربي يا "دعاء"، يابنتي خلي ساعة الفرج تقرب .

تقدمت "دعاء" بخطى مرتعشة وقلبها يرجف هلعاً ووقفت إلى جوار السرير، لم تبكِ، لكنها انحنت ببطء، وأخذت يد "رسلان" الأخرى في راحتيها، ثم همست له بصوت مرتجف لكنه ثابت:

ـ "رسلان"، أنا جيت، دعاء اللي بتحبك، اللي كانت بتدعي لك ليل ونهار، سامحني لو كنت بعدت، بس أنا ما بعدتش من قلبي، ارجع، علشان خاطري، علشان حبنا علشان نفسك... إحنا مستنيينك، وأنا بالذات أنا من غيرك اموت بالحياه أنا من غيرك معرفش أعيش ، أنا محبتش ولا هحب ولا قلبي دق لغيرك ، مشاعري كانت بيور واتولدت على ايدك يا "رسلان"

وتابعت ببكاء شديد نابع من أعماق قلبها المتألم وليس من عينيها فقط:
ـ متسبنيش أنا من غيرك هموت ومش هعرف أكمل وانت وعدتني انك هتفضل معايا ، فوق ياحبيبي ، فوق يا قلب "دعاء" وعمرها كله .

كان كل من في الغرفة ينتظر معجزة، كانت "نعمات" تتنفس بصعوبة، كأن قلبها أصبح مرهونًا بنبضة واحدة من قلب ابنها، كانت تنظر إلى "دعاء" برجاء، بينما تمسح بيد مرتجفة على شعر "رسلان"، تهمس:

ـ إفتح عينك يا "رسلان"، شوفني، أنا أمك، رجعت لك، وتبت، وربنا شاهد عليا، شوف "دعاء"، حبيبتك، جنبيك أهي، افتح عينك ولو ثانية، علشان أعيش بيها العمر كله.

في تلك اللحظة، صرخت الأجهزة فجأة، ارتفع صوت الصفارات، ارتبك الجميع، هرع الأطباء والممرضون إلى الداخل، وبدأت حالة هرج ومرج لا توصف كانت "نعمات" تصرخ من قلبها، تجري هنا وهناك بلا هدف، بينما الأطباء يحاولون إنعاشه :

ـ إلحقوا "رسلان"، إلحقوا ابني... يا رب، يا رب، ما تاخدوش مني ابني، أنا مفرحتش بيه ومليش غيره يااااارب .

كانت تبكي كما لم تبكِ من قبل، تتوسل لكل طبيب وممرضة، تناديهم بأسمائهم حتى دون أن تعرفهم، تسندهم وتُبعد نفسها، ثم تقترب، ثم تعود لتغطي وجهها بيديها المرتعشتين، وتهتف:

ـ يا رب، رد لي ضنايا، يا رب ما تحرمنيش منه، يا رب سامحني علشانه.

أما "دعاء"، فكانت واقفة على جانب السرير، لم تتحرك، تغالب دموعها، وتهمس بحنو اعتاد عليه منها :

ـ "رسلان"، قاوم، متسيبنيش، أنا جنبك، أنا هنا، حبيبتك هنا، افتح عينيك يا "رسلان"، سامعني؟ افتح بس، حتى لو بنظرة.

كان الأب يقف خلفهما، يقرأ ما تيسر من القرآن بصوت عالٍ، ينادي الله بقلب مكسور:
ـ يا رب، يا كريم، يا حي يا قيوم، احفظه بحفظك، ورد له روحه، يا رب ما تحرم أم من ابنها، ولا حبيبة من حبيبها، يا رب يا مجيب الدعوات.

ازدادت حركة الأطباء، وأحدهم قال:

ـ نبضه رجع الحمد لله ، لو سمحتوا يا جماعة انا مش فاهم ايه اللي بيحصل بالظبط بس في صوت هنا تقريبا مش حابب يسمعه واول ما بيسمعه بينتكس بالشكل ده يا ريت الصوت ده يخرج بعيد عنه وما يرجعش تاني لحد ما يفوق ويرجع لحالته الطبيعية تاني .

صرخت "نعمات" كأنها بُعثت من جديد:

ـ نبضه؟ بيرجع؟ يا رب، الحمد لله، يا رب لك الحمد، يا رب يا كريم .

بكت "دعاء"، لكن دموعها هذه المرة كانت مختلفة، دموع الأمل، وراحت تهمس له:

ـ فوق يا "رسلان"، ارجع، كلنا مستنيينك.

تراجع الفريق الطبي خطوة، وبدأت الأجهزة تهدأ، النبض عاد منتظمًا، ضعيفًا لكنه حاضر، وكأن الروح استجابت للنداء، وكأن "رسلان" سمع الصوت الذي أراده قلبه، صوت الحب، والحنان، والرجاء.

نظرت "نعمات" إلى الطبيب بعينين دامعتين، وسألته بلهفة:

ـ هيعيش؟!

أومأ الطبيب برأسه وقال بهدوء:

ـ هو بيقاوم، وواضح إن وجودكم فرّق معاه، نسيبه يرتاح شوية، ما حدش يتكلم، خلوه يسمعكم في هدوء.

ابتعدت "نعمات" بعيداً عنه، وجلست على كرسي متنحي كي لاينتكس مرة أخرى فقد زاغت عينيها وخافت عليه من كلام الطبيب وهي تتيقن انها أبغض صوت يسمعه ويجعله لايريد الحياة ،

أما "دعاء"، فجلست بهدوء على الطرف الآخر، ولم تقل شيئًا، فقط اكتفت بأن تضع يدها فوق قلبه وتهمس من أعماقها:

ـ أنا هنا يا حبيبي ، انا هنا يا "رسلان" انا اخترت لون الدهان بتاع الأطفال اللي هنجيبهم اللي كنا مختلفين عليه ، واخترت كمان لون ركن العبادة في بيتنا ، وكمان اخترت فستان الفرح بتاعنا محتشم زي ما طلبت مني ،

ثم انهمرت دموعها الغزيرة على مقلتيها لحالته المميتة :
ـ وحشتني يا "رسلان" وحشتني وكفاية بقي ابوس ايدك.

*******

مرّ أسبوعٌ كأنه عام، وكل دقيقة فيه كانت دهرًا من الانتظار، مقعدًا ثابتًا عند السرير الأبيض، تتبدل الوجوه لكن المشاعر واحدة ، الخوف، والقلق، والأمل الذي ينهار ويقوم، مثل نبض "رسلان" على شاشة الأجهزة ،

في الصباح السابع، كانت الغرفة شبه ساكنة إلا من صوت القرآن المرتل في هاتف والده، ونبضات الأجهزة التي صار لها وقع أشبه بالأنين جلست "دعاء" قرب رأسه، تقرأ له بصوت خافت، تتحدث أحيانًا، تهمس أحيانًا، تصف له الدنيا وكأنها تنتظره وحده، وتذكره بأماكنه المفضلة، بذكرياته، بأحلامه الصغيرة التي لم تكتمل ،

أما "نعمات"، فكانت جالسة على المقعد الجانبي، لا تفارقها الدموع، تنظر إلى ابنها دون أن تجرؤ على لمسه أو حتى مناداته، كأن المسافة بينهما تحولت إلى وادٍ سحيق لا جسر له. كانت تراه كطفلها، لكنّه الآن لم يعد لها، صار ملكًا للوجع الذي زرعته فيه بيديها ،

نهض "الجد" بهدوء، نظر إلى "دعاء" وأشار لها أن تستمر، ثم توجه إلى "نعمات" وهمس في أذنها:

ـ قولي يا رب، يمكن النهاردة تبقى الفرج.

أومأت برأسها، والدمع يثقل جفنيها، كأنها لم تبكِ في عمرها كما بكت في هذا الأسبوع
وفجأة، تحركت أصابع "رسلان" بخفة ،
شهقت "دعاء" وهمست بلهفة:

ـ "رسلان"؟!

ثم أمسكت يده برقة، وقربتها إلى خدّها:

ـ سامعني؟ "رسلان"، حبيبي، فوق... إحنا جنبك، أنا هنا.

تحرك جفناه ببطء شديد، كأنهما ثقيلان كالحجارة، ثم فتح عينيه شيئًا فشيئًا، ببطء، كأن الضوء يؤلمه، أو كأنه لا يصدق أنه ما يزال في هذه الدنيا :

نهض الأب واقفًا من مكانه، ورفع يده للسماء:

ـ يا رب... الحمد لله، يا رب لك الحمد، "رسلان" فتح عينه، ابني رجع لنا، الحمد لله!

أما "دعاء"، فكانت ترتجف من شدة الفرح، وضحكت وسط دموعها:

ـ حبيبي، أنت معانا؟ شايفني؟ أنا "دعاء"، فوق، متخافش، أنا جنبك.

تحركت عيناه تجاهها ببطء، ثم ثبت نظره في عينيها، ودمعة واحدة انحدرت من زاوية عينه، كأنه أدرك الحقيقة، أدرك أنه ما زال حيًّا، وأن الصوت الذي كان يتردد على روحه كل ليلة لم يكن حلمًا... كان "دعاء".

ـ "دعاء"...؟

نطق بها بصوت خافت، متحشرج، كأن الحروف خرجت من غصة قديمة، لكنها خرجت حتى صرخت "دعاء" بفرحة:

ـ آه أنا، أنا يا "رسلان"، أنا معاك، كويس إنك فوقت، الحمد لله، كويس إنك سمعتني، كويس إنك رجعت لي.

تقدمت "نعمات" ببطء، وقلبها ينتفض داخلها، ركعت بجوار السرير، وأمسكت طرف الملاءة، وهمست بصوت مهزوم:

ـ يا ابني... يا "رسلان"... سامحني، أنا أمك، افتكرني، أنا كنت جنبك، وما بعدتش عنك لحظة الأسبوع ده، ما نمتش، ما كلتش، كنت مستنياك تفتح عينك.

لكن ما إن تحركت عيناه نحوها، حتى تغيرت ملامحه في لحظة خاطفة، تحولت النظرة من وهنٍ إلى وجعٍ، من استغراب إلى صدمة، ثم إلى رعب صامت ،تسمرت عيناه فيها كأنها شبح خرج من كابوس قديم، ثم رمش مرتين وهو يبتعد بنظره، ويدفن رأسه قليلًا في الوسادة، كأنه يهرب من حضورها، من ظلها، من صوتها حتى قال بصوت مكسور مهزوم:

ـ مش عايز أشوفها...

تجمدت "نعمات" في مكانها، كأن روحه طعن قلبها، تراجعت ببطء، ومدت يدها إليه برجاء:

ـ "رسلان"... أنا أمك يا ابني، ما تفتكرنيش باللي فات، سامحني يا نور عيني.

لكنه لم يرد، لم ينظر، فقط ظل شاخصًا نحو السقف، ويده تتشبث بيد "دعاء"، كأنها طوق النجاة الوحيد من غرقه الطويل :

ـ مش عايز... أفتكر...

كانت الكلمات قليلة، متقطعة، لكنها كافية لهدم قلب أمه الذي انتظر أسبوعًا على حافة الانهيار ،بكت "نعمات" بصوت مكتوم، ووضعت وجهها بين كفيها، وهمست:

ـ عنده حق ،عنده حق في وجعه أنا اللي عملته، وأنا اللي بعدته، ما يلومش غيري.

اقترب الجد منها، وسحبها برفق من جوار السرير، وقال:

ـ سيبيه يا بنتي يرتاح، وجودك بيقلقه، اسمعي كلامي، كل حاجة بتيجي بوقتها، يمكن ربنا صحّى جسمه، ولسه هيفوّق قلبه.

رفعت "دعاء" يدها تمسح دموعها، وقربت فمها من أذن "رسلان"، وهمست:

ـ حبيبي، مش لازم تسامح دلوقتي، خليك بس معانا، خليك هنا، وأنا مش هسيبك أبدًا.

أومأ "رسلان" برأسه ببطء، وظل صامتًا، لكن عينيه ثبتتا على وجهها بثقة وامتنان، كأنه يهمس لها دون صوت ، أنتِ من رجعتني للحياة يا دعاءً دعاه لي أحدهم من قلبه ،وكانت بداية حياة جديدةبدايتها ليست في كلمة، بل في نظرة، نظرة رفض وحزن، ولكنها حقيقية، مؤلمة، وصادقة .

*********
كان الصباح رماديًّا، ثقيلًا على قلوب الجميع، رغم أن الشمس أشرقت كعادتها، إلا أن الضوء لم يصل إلى غرفة "رسلان" كما يجب، كأن الحياة لم تعد تشرق في قلبه، أو كأن الغيم عالقٌ في صدره لا في السماء جلس في سريره ساكنًا، متكئًا على وسادته، وجهه شاحب، ونظرته زجاجية، كأنه يرى شيئًا لا يُرى، يسمع صمتًا لا يُحكى.

كانت "نعمات" واقفة عند الباب، لا تجرؤ على الدخول، وقد مرت ثلاثة أيام على إفاقته، لم ينطق بكلمة معها، ولم يوجه لها أي نظرة، وكأنها ليست في هذا العالم أصلًا ،
اقتربت بتردد، خطواتها مترددة كأنها تمشي على رماد الذكريات. مدت يدها بحذر نحو طرف السرير، ثم قالت بصوت مرتعش:

ـ يا "رسلان" يابني ممكن أقعد جنبك شوية؟

لم يرد، ولم يلتفت، لكن جسده لم يتحرك اعتراضًا، كأن الصمت هو إذنه الوحيد ،
جلست على الكرسي بجواره، ثم نظرت إليه طويلاً، ودموعها تتجمع في مقلتيها دون أن تسقط :

ـ أنا عارفة إنك زعلان مني، وزعلك في مكانه، وأنا جاية أسمعك، مش هقاطعك، مش هبرر، احكي لي، قولي اللي في قلبك يمكن أقدر أرجّع لك حتى نقطة من اللي راح.

مرت لحظة صمت، ثم التفت إليها ببطء، وبعينين غارقتين في التعب وممتلئتين بالحرمان قال:

ـ هو أنا لازم أموت علشان أحس إن ليّا أم؟

ارتجفت الكلمات في صدرها، وانفجر قلبها من الداخل، لكنها لم ترد، فقط خفضت رأسها، فتابع:

ـ طول عمري كنت بشوف الناس حواليّ عايشين حياة تانية، بشوف أمهات بتجري ورا عيالها في المدارس، في الدروس، في العيادات... وأنا؟ أنا كنت بشوفك من بعيد، بتزعقي في الشغالة، أو بتتكلمي في التليفون، أو بتختاري فستان لحفلة.

رفع رأسه قليلًا، ونظر لها بنظرة موجعة:

ـ عمرك ما حضنتيني، عمرك ما سألتيني حاسس بإيه، ولا حتى عمرك سألتيني عايز آكل إيه زي أي أم، كنتِ دايمًا مشغولة، بشغلك، بصورتك قدام الناس، إنك تبقي ست في مكانة، أهم عندك مني.

اتسعت عينا "نعمات"، وبكت دون صوت، فقط دموع تتساقط واحدة تلو الأخرى، بينما تابع هو، وصوته يرتفع بمرارة:

ـ أنا كنت ببص في المراية، وأسأل نفسي ليه أنا مش زيهم؟
ليه ماما ما بتجيش الحفلات زي مامتهم؟
ليه ماما ما بتضحكليش؟
ليه حضني دايمًا فاضي؟
حتى يوم لما وقعت في المدرسة وكسرت دراعي، جتلي الشغالة، وإنتِ كلمتيني في التليفون تقولي لي معلش يا "رسلان"، ماما مشغولة.

ضرب على صدره بأصابعه الضعيفة، وقال:

ـ أنا هنا، كل ده جوايا، متخيلاني نسيت؟ لا يا ماما، أنا ما نسيتش، أنا كنت كل ليلة بنام وأنا بتمنى تصحي من نومك، تيجي تحضنيني، حتى لو ساعة، حتى لو دقيقة، بس إنتِ كنتي نايمة مرتاحة، وأنا نايم موجوع.

اقتربت منه، وأرادت أن تلمس يده، لكنه سحبها برفق، فانسحبت ودموعها تتضاعف :

ـ أنا حبيتك، آه والله، حبيتك رغم كل اللي عملتيه، بس الحب ما كانش كفاية، كنت محتاج حنية، كنت محتاج أحس إن ليّا أم، مش مجرد واحدة خلفتني علشان تحافظ على صورتها الاجتماعية.

نظر لها طويلًا، ثم همس:

ـ إنتِ طول عمرك شايفاني مشروع اجتماعي، تتكلمي عن نجاحي قدام الناس، وتتباهي بشهادتي، بس عمرك ما سألتيني: أنت سعيد؟ مرتاح؟ محتاج؟
أنا كنت ناقص يا ماما... ناقص أمان، ناقص حضن، ناقص كلمة حلوة، ناقص دعوة، ناقص حب بجد أنا كنت يتيم أم وأمي عايشة.

سكت لوهلة، ثم نظر لها ودموعه تغلبه لأول مرة:

ـ عارفه أنا إيه أكتر حاجة وجعتني؟ إن لما قربت أموت، كنت بهرب من صوتك، لأني بقيت خايف منه... من كتر ما كنتي صوت جاف، صوت جاي دايمًا بأوامر، بنقد، بلوم... مش صوت أم، مش صوت أمان.

انفجرت "نعمات" بالبكاء بصوت مرتفع، كأن كل جدار بُني في قلبها انهار دفعة واحدة، ثم جثت على ركبتيها بجوار السرير، وأمسكت بيديه دون مقاومة منه، وقالت بصوت متقطع:

ـ سامحني يا "رسلان"، والله سامحني، أنا كنت جاهلة، كنت عايشة في وهم، كنت فاكراك بخير، وإن اللي بعمله ده عشانك... بس الحقيقة، أنا ظلمتك... ظلمتك يا ضنايا ،
أنا كنت فاكرة إن المكانة هتحميك، وإن النجاح يكفيك، وإن الشغالة والدروس الخصوصي والتأمين بيكفوا... بس ما كنتش أعرف إنك كنت محتاج حضني أكتر من أي حاجة.

نظرت إليه والدموع تخنق صوتها:

ـ سامحني، لو في قلبك ذرة حنية، سامحني، وإديني فرصة أعوّضك، والله هعيش باقي عمري أتعلم أكون أم، لو بس رضيت.

نظر لها "رسلان" نظرة مطوّلة، ثم مدّ يده ببطء، ولمس وجهها، كأنه يتأكد إنها حقيقية، ثم همس:

ـ ممكن... تحضنيني؟

صرخت "نعمات" من الداخل قبل أن تضمّه بشدة، وكأنها تحتضن نفسها معه، وكأنها تعتذر بجسدها كله، تبكي فوق كتفه وتهمس:

ـ ابني... يا ابني... سامحني، بحبك، وبموت فيك، ومش هسيبك تاني، أقسم بالله ما هسيبك.

أما هو، فدفن وجهه في كتفها، وأغمض عينيه كطفل رضيع، وأول دمعة هادئة سالت من عينه اليمنى، ثم همس:

ـ ده أول حضن... أول حضن بجد.

وفي حضن واحد، غفر الماضي، وبدأت الروح تُشفى، وامتلأ قلبه للمرة الأولى... بحنان الأم وغفر لها القلب الطيب "رسلان" جفاء عمر بأكمله في ثواني ، كم انت ملاك "رسلان" تستحق الحُلو الجميل في عمرك كله

********

مرّ شهرٌ على خروجه من المستشفى، وكأن الحياة منحت "رسلان" مهلة جديدة ليعيد ترتيب نفسه من الداخل قبل أن يخطو نحو بداية حقيقية، لم يكن التعافي سهلاً، لا في الجسد ولا في الروح، لكن وجود "دعاء" إلى جواره جعل كل شيء ممكنًا، وكل ألم محتمَل.

اليوم، يقف أمام المرآة، يتأمل ملامحه التي تغيرت، لم يعد ذاك الشاب المكسور، بل رجل عاد من حافة الموت، أقوى مما كان، يضبط رابطة عنقه بعناية، يسرّح شعره، وعيناه تبرق بشيء من التوتر والفرح والدهشة، كأن قلبه ما زال لا يصدق أن هذا اليوم حقًا له ،

في الغرفة المجاورة، ضحكات "دعاء" تتسلل عبر الباب، تطمئنه دون أن تراها عيناه ،منذ وعدته ألا تتركه، وهي تفي بكل وعودها، وها هي اليوم ترتدي له الفرح كما ترتدي فستانها الأبيض ،

تنهد "رسلان" عميقًا، ثم التفت إلى المرآة وقال لنفسه:

"النهاردة مش فرح وبس... النهاردة أنا باتولد من جديد."

ثم ابتسم، ومشى نحو باب الغرفة... حيث الحياة تنتظره.

"وأخيرا انتهت مشاعر موقده بعدما استقامت جميع الافئدة" 😍😘


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close