اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم نهي طلبة 


الفصل الرابع والثلاثون

استند يزيد بظهره على باب الغرفة المغلق وقد كتف ذراعيه ليراقب صورة علياء المنعكسة في المرآة.. تبدو فاتنة تلك الليلة.. وقد ابتعدت قليلاً عن طبيعتها الخجول لترتدي غلالة جريئة بلون السماء الصافية.. ووضعت بعض الزينة الخفيفة على وجهها.. وأطلقت خصلاتها التي تعدى طولها خصرها الرقيق رغم ولادتها لخمس أطفال..

كاد أن يطلق ضحكة عالية وهو يراها تتأمل صورتها لثوانٍ ثم لسبب ما قررت ارتداء مئزر محتشم ليخفي الكثير مما كشفته غلالتها..

ابتسمت برقة عندما لمحت وقفته يتأملها ثم تحرك بخفة ليحيطها بذراعيه ويطبع قبلة خفيفة على شعرها هامساً بتأثر:

ـ الجمال ده كله ملكي..

ثم مرر كفيه على ذراعيها فارتعشت تأثراً وأسبلت أهدابها بخجل لتسمعه يهمس بأذنها:

ـ افتحي عينيكِ يا علياء..

لفها لتواجهه وهو يرفع ذقنها بأنامله يتأمل ملامحها المتوردة ولكنها مع ذلك تحمل لمحة غامضة دفعته ليتساءل:

ـ في ايه؟.. أنتِ مش طبيعية؟..

هزت رأسها فتراقصت خصلاتها حولها ولم تجبه بشيء فعاد يكرر سؤاله:

ـ في ايه؟.. هو اللي حصل النهارده في مطعم حسن ضايقك؟.. أنتِ مش طبيعية من وقتها!..

بسمة غامضة ارتسمت على شفتيها وهي تهمس:

ـ أول مرة أحس أنك بتغيير عليَّ حقيقي.. وأن..

قاطعها بذهول:

ـ أول مرررررة!!..

غمغمت بارتباك:

ـ يعني الغيرة من الولاد.. و..

قاطعها ثانية وهو يقربها منه ويهمس بحرقة:

ـ أنا بغير من ولادك.. من نيرة.. من صبا.. حتى من أم علي.. من الهوا اللي بيلمسك.. أوعي يكون عندك شك أني كان ممكن أقتل اللي اسمه إياد ده النهارده لو كان اتجرأ ولمسك فعلاً..

شهقت بنعومة وهو يغيبها معه بقبلة مجنونة ليهمس بعدها:

ـ حبيبتي..

ابتسمت برقة مرتبكة وأنامله تداعب وجنتيها لتزحف نحو عنقها ثم كتفيها محاولاً نزع المئزر من فوقهما ولكنها تملصت منه بلطف وابتعدت قليلاً وهي تفرك يديها بتوتر جعله يقترب ليقربها منه ويسألها بقلق:

ـ ليه التوتر ده بس؟..

رفعت نظراتها إليه وهي تخشى أن تخبره بما يوترها فعلاً.. ولكن هتافه النافذ الصبر باسمها جعلها تبوح بما لديها على الفور:

ـ مدام فريدة.. مدام فريدة..

هتف بها:

ـ مالها؟.. في ايه؟..

تلعثمت وهي تخبره:

ـ صبا.. قالت لها.. قالت لها أني بحب الرسم وكده.. وهي دعتني للاستديو بتاعها.. وطلبت مني أعرض عليها حاجة من انتاجي.. أنا قلت لها هقولك وده.. قبل.. قبل..

قاطعها بتقرير:

ـ قبل ما اتخانق مع أخوها..

أومأت موافقة وهي تفرك يديها وتعض على شفتها السفلى بتوتر.. فاقترب يضغط إبهامه على شفتيها بقسوة طفيفة متسائلاً وقد شابت نبرته قليل من الغضب:

ـ والنيولوك ده عشان تقنعيني؟..

هتفت ببراءة مغوية:

ـ لا طبعاً.. أنا لبست كده.. لأنك حسستني النهارده أني.. أني ست بجد وأنك بتغيير عليا.. و..

اقترب منها ليحتضنها بقوة:

ـ معقولة يا علياء.. معقولة تكوني بتشكي في حبي ليكي؟..

أراحت رأسها على كتفه هامسة:

ـ أنا عارفة أنك بتحب تكون معايا.. و..

قاطعها:

ـ وأني بحبك يا علياء.. أنا عمري ما فكرت أني أحلل مشاعري أو أصنفها.. كنت باكتفي بكلمة "بحبك" منك لأنها كانت بتعني أنك هتكوني معايا على طول.. بس.. متأخر قوي.. فهمت أني لازم أعطي زي ما أخدت.. صدقيني.. أنا دلوقت بقولك بحبك وفاهم وحاسس بالظبط معناها..

دمعت عيناها وهي تستمع لاعترافاته لأول مرة وهزت رأسها عاجزة عن التعبير بأي كلمة عما تشعر به لتسمعه يعيدها مرة أخرى:

ـ بحبك يا علياء.. بحبك يا فراشتي..

نزلت دموعها بغزارة وهي تهمس بدورها:

ـ وأنا وكمان والله بحبك يا يزيد.

أحاط وجهها بكفيه ليمسح دموعها بإبهاميه وهمس أمام شفتيها:

ـ ويزيد ما يهونش عليه فراشته يكون نفسها في حاجة ويحرمها منها.. كلمي مدام فريدة وحددي معاها ميعاد للزيارة..

ابتعدت عنه قليلاً لتهتف:

ـ بجد.. بجد يا يزيد..

ثم خفت حماسها قليلاً:

ـ أنت عارف أنه في اللاستوديو هيكون أخوها موجود؟

أومأ موافقاً:

ـ عارف.. وموافق..

تعلقت بعنقه وهي تضحك بسعادة وقد امتزجت ضحكاتها بدموعها ومرغت وجهها بجانب كتفه فامتدت أنامله ليزيح المئزر هامساً:

ـ أوعي تكوني مخبية تويتي تحت الروب!

وقبل أن تجبه بشيء رفعها بين ذراعيه هامساً بعبث:

ـ أنا هتأكد بنفسي...

*****************

جلست صبا ساهمة تحدق بشرود بنافذة الطائرة.. لا تدري هروبها منه أو من نفسها.. وهل منه هروب؟.. كيف يمكنها نسيان تلك اللحظات المجنونة التي جمعتهما؟.. كيف تتغلب على تلك النبضة الرقيقة بداخلها والتي وصمها باسمه؟.. بل كيف خدعتها تلك النبضة ألم تعاهد قلبها ألا يعرف الحب يوماً؟.. ألم تقسم على البعد عن دوامات المشاعر بجنونها وجموحها؟..

كيف تترك العنان لمشاعرها لتنطلق بلا سيطرة منها لتعانق جنون مشاعره.. هو.. هو متزوج وعاشق لزوجة راحلة لم يتغلب على فقدانها بعد.. أي جنون ورطت نفسها به؟.. وأي اجتياح يهدد أمان قلبها؟..

لا تعلم هل تشكر جنون نيرة الذي أمن لها هروباً مبرراً؟.. أم تلعن ذلك الضعف الذي اجتاح شقيقتها لتحاول انهاء حياتها هرباً من تعاسة كان حسن هو من خط أول خطوطها؟.. تباً.. هل تلومه الآن وهي تعلم أنه كان إحدى ضحايا نرجسية نيرة؟.. هل تبحث عن أعذار تختفي ورائها كما استخدمت إياد كحاجز تحتمي به؟..

أغمضت عينيها لتتذكر آخر لحظاتها معه عندما بدا أنه على وشك فقدان السيطرة على مشاعره وهو يناجي روحها إنقاذه هامساً..

"حسن محتاج بر الأمان"..

لتشتعل عيناه بنظرات احتياج صارخة وتشعر اقترابه بخطورة وقبضتيه تضغط على ذراعيها بقوة حتى ظنت للحظة أنه على وشك تحطيمها بين ذراعيه, ليطلقها فجأة ويبتعد مولياً إياه ظهره وهاتفاً بوجع مس روحها:

ـ ابعدي من هنا يا صبا..

ظلت مسمرة في مكانها وجسدها بأكمله يرتعد لا تدري ما العمل.. حتى سمعت همسته الحارقة:

ـ صباااااااا.. ابعدي.. أرجوكِ..

لحظتها انطلقت هاربة من حديقة مطعمه بل من باريس بأكملها وقد تذرعت بوجود شقيقتها بالمشفى مبررة سبب سفرها المفاجئ لفريدة وبداخلها تدرك أنها هاربة منه.. ولكن إلى أين يمكنها الهروب من قلبها!!...

*********

وقف مازن خارج غرفة العناية المركزة وقد ألصق وجهه بالنافذة الزجاجية الكبيرة يراقب جسد نيرة الراقد بسكون وقد أحاطت بها العديد من الأجهزة الطبية.. بداخله طوفان هادر من المشاعر المختلطة..

شعور هائل بالذنب مختلط بألم رهيب وشعور آخر بالخوف, خوف يكاد يصل إلى الرعب فقط عندما يفكر أنه على وشك فقدانها..

يا الهي هل من الممكن حقاً أن تختفي من حياته للأبد.. قد يبتعد عنها.. يجافيها.. يهجرها, بل أنه تحمل مرة أن يراها تحمل خاتم شقيقه.. ولكنها كانت موجودة حوله ومعه... يتنفس من هواء لمس ملامحها مرةً.. والآن هي زوجته يملك الحق ليقترب أو ليختار البعاد.. يمكنه أن يتلمسها يستنشق رائحتها الخاصة بها فقط.. يمتلك السيطرة على قوة عنفوانها وجنون مشاعرها الأنانية وغبائها المطلق وهي تعتقد أنها تحمل مشاعر لشقيقه بينما هي تذوب من لمسته هو.. يستشعر غرورها المضحك عندما تبتسم بزهو لنجاحها في إغوائه بينما هي تسقط بين ذراعيه وتتوغل بحياته أكثر وأكثر...

كيف سمح لكلمات حسن بالتغلغل في عقله ليفكر في الانفصال عنها!.. كلا.. الذنب ليس لحسن وحده.. فهو راقبه مع لورا.. طوال فترة إقامته معه كان يراقب ويفكر.. يلاحظ حب لورا, واهتمام حسن.. قد يكون اهتمام هادئ, بل بارد.. ولكنه على الأقل شعر بروح أسرية وحياة عائلية يحاول الاثنان توفيرها لابنتهما.. اتخذ قراره وقتها.. وحسم أمره ليحقق ما هو أفضل لطفلته.. فإذا كان حسن عض على جرحه واستمر بزواج مشوه ليمنح طفلته أماً, فانفصاله عن نيرة التي لم تمنحه يوماً شعرة مما منحته منى لحسن لهو ثمن هين لتعيش عشق بين أبويها..

اتخذ قراره بالفعل وحاول مفاتحة نيرة عدة مرات ولكنه لم يستطع.. فعند عودته وجد نيرة مختلفة.. ليست كثيراً ولكنه رغماً عنه لاحظ الاختلاف.. مازالت تمتلك نفس الطبيعة النارية التي تفتنه ولكنها تمكنت من فرض سيطرتها على طبيعتها النرجسية.. سيطرة بسيطة ولكنه لاحظها على الفور.. بعض الهدوء الخافت احتوى شخصيتها المندفعة القوية.. والأهم.. سؤالها عن حسن وأسرته بطريقة بدت طبيعية للغاية حتى أنه هو نفسه صدق أنها تسأل من باب اللياقة.. واللياقة فقط.. تصرفاتها العفوية والتي عبرت عن رغبتها بالبدء بصفحة بيضاء جديدة ألجمته لأيام عن التصريح بقراره.. حتى كان لقاءه بيزيد قبيل سفر الأخير إلى باريس عندما أخبره أنه انفصل نهائياً عن ريناد.. وقتها هتف به مازن..

"ازاي يا يزيد.. أنت كنت بتشتري هدوء علاقتك مع عيلتك بجوازك بريناد"..

وكانت إجابة يزيد الحاسمة..

"علياء وولادنا هما عيلتي"..

لحظتها أدرك بحتمية حسم الأمر.. وأن الأولوية هي لأسرته الصغيرة.. وقرر تسوية أموره مع نيرة قبل أن يطلب من دنيا العودة إليه..

وبالفعل كانت لحظة المصارحة أمس.. لحظة حاسمة وقد حان وقتها, بل قد تكون تأخرت.. ذلك ما أخبره لها باختصار.. اختصار بلغ حد القسوة وهي ينهي كلماته..

"الحياة أولويات.. وأنا لفترة كبيرة أولوياتي اتلخبطت.. لكن الموضوع ببساطة هو الاختيار بين حياة موجودة بالفعل ومحتاجة وجودي عشان تكبر.. وبين رماد بنحاول نخلق منه حياة"..

لحظتها تجمدت تعابير وجهها وكأنها تحولت لتمثال شمعي.. تمثال جميل تلتمع عينيه بالدموع.. وترتسم معالم الفجيعة على وجهه..

اقتربت منه ببطء مميت لترفع يدها وتترك أناملها تتلمس جانب وجهه برقة بالغة.. لمسات كانت بخفة ريشة ولكنها كانت تلهب أعصابه كشعلة حارقة.. ختمت اقترابها بقبلة هادئة على وجنته وابتعدت بدون أن تتفوه بكلمة واحدة.. فقط تركته وصعدت لغرفتها.. لم يعرف وقتها بأنها كانت تودعه.. تلك الحمقاء الغبية كانت تقبله مودعة..

يشعر أن قلبه غادر صدره ليرافقها في غيبوبتها.. خواء.. وفراغ هائل يحتله.. يشعر بأنفاسه تتردد بصدره ولكنه ميت.. هو ميت بدونها.. برغم الهجر والخصام والبعاد.. حتى وهما يقضيان سوياً دقائق معدودة.. حتى وجرحها مازال ينزف بأعماقه.. برغم كل القسوة.. برغم الشك والغيرة.. إلا أن لا حياة بدونها.. لا حياة على الإطلاق..

************

أمسك إياد بقدح من القهوة المُرة وتأمل المكان الذي كانت تحتله منذ قليل لوحة علياء.. وابتسم بسخرية وهو يلتفت لفريدة متسائلاً بتقرير:

ـ أصر ياخد لوحة مراته, صح؟..

ابتسمت فريدة بهدوء:

ـ ايوه.. أنت كنت عارف أنه عايز اللوحة؟..

أومأ موافقاً:

ـ أكيد.. هو راجل غيور.. وبيحبها فعلاً..

ثم هز كتفيه بتعبير غامض ليردف:

ـ أنا لو مكانه هعمل كده..

سألته فريدة:

ـ عشان كده خرجت أول ما وصلوا؟..

أجابها بهزة رأس وهو يردد:

ـ ما فيش داعي لصدام معاه.. وعامة البنت اللي في اللوحة مش هي الزوجة السعيدة الفخورة بحب جوزها اللي شوفتها في مطعم حسن.. ملامحها في اللوحة للحظة فكرتني بهمسة.. فاكرة يوم ما شوفتها في مصر؟

ـ ايوه.. يوم ما خبطت عربيتها وروحت معاها المستشفى؟..

ردد بحزن:

ـ كانت حزينة.. مقهورة.. ومكسورة.. عمري ما شوفت همسة كده.. دايماً كانت قوية وجريئة.. هو كسرها.. دمرها.. حبها له قهرها..

سكت للحظة ليردف وهو يسلط نظراته على فريدة:

ـ ساعات كتير بندم أني ما صارحتهاش بحقيقة مشاعري.. أحياناً بفكر وأقول لو كنت اتجرأت وطلبت ايدها لما سيف خطب كريمة أول مرة, كانت حاجات كتير اتغيرت.. كانت بقيت مراتي وكنت هعرف أعلمها تحبني وتنسى اسمه حتى..

سألته فريدة بعتب:

ـ بتلومني يا إياد؟.. بتلومني أني قلت لك تصبر وما تتسرعش؟..

تنهدت بألم لتخبره:

ـ مشاعر همسة كانت وقتها مع سيف حتى وهي بتشوفه بيخطب غيرها.. بس كانت متورطة معاه.. وقتها ما كانش ينفع أنك تتدخل.. ما كنتش هتقدر تملكها.. أو تملك مشاعرها..

سألها ساخراً:

ـ ودلوقتِ.. بعد ما داقت جنون مشاعرها ومشاعره.. بعد ما داقت غدره وجبنه وضعفه ورغم ده كله.. لسه معاه.. لسه مراته.. هربت وبعدت.. سافرت لآخر الدنيا لأنها مش قادرة تكون معاه وهو مع غيرها..

ترددت فريدة للحظة قبل أن تخبره بحسم:

ـ همسة رجعت مصر.. رجعت.. وطالبة الطلاق من سيف..

صرخ بعجب:

ـ ايه!!

ـ ده اللي عرفته من سميحة في آخر مكالمة.. هو رافض طبعاً.. بس هي مُصرة..

انقبضت ملامحه بقوة وقبض بيده على قدح القهوة حتى تحطم بين أصابعه ليمتزج السائل الساخن بدمائه التي تغلي ترقباً وصرخت فريدة بهلع وهي تجفف يده وتعالجها بينما سؤالها يتردد بقلق:

ـ أنت ناوي ترجع مصر؟..

تهالك إياد على أحد المقاعد المريحة وبدأ هو بمعالجة جروحه وهو يخبر فريدة بحسم حزين:

ـ مش إياد منصور اللي يتدخل بين واحدة وجوزها.. حتى لو كانت الواحدة دي همسة.. حتى لو كانت الست الوحيدة اللي قلبي دق لها.. مش أنا اللي اعمل كده يا فريدة.. طول ما هي على ذمته.. أنا هفضل بعيد..

************

وعاد حسن إلى مصر!

من يصدق!.. أنه رحل للحب وعاد أيضاً للحب!..

رحل ليحمي حباً صافياً ناعماً.. وعاد بحثاً عن جنون عبث بقلبه بلا استئذان..

رحل يحمل غضباً وبغضاً لنيرة وعاد بداخله شفقة خالصة عليها..

رحل بمشاعر.. وعاد للمشاعر..

رحلة مريرة أسكنت قلبه بغيبوبة صناعية حتى كاد أن يعلنه ميتاً, لتأتي هي وتمنحه قبلة المحاياه.. وتجعله يرتعش.. بل ينتفض متسائلاً حائراً..

"وهل بقيت مشاعر؟.. وهل للقصة تتمة؟"..

ابتعد.. وابتعدت هي بل هربت.. طارت عائدة إلى مصر.. وهي تعلم أنه لن يتبعها.. استمعت له ونفذت كلماته حرفياً لتبتعد نهائياً..

وهو.. هو حمد ربه لقوتها.. لقدرتها على الابتعاد التي منحته فرصة ليقاوم.. ويبتعد هو الآخر.. ليفكر.. يفكر طويلاً.. ويقرر الابتعاد وانهاء القصة ويختم كلمة النهاية التي خطتها بخطوط حمراء عريضة ويتناسى وجودها تماماً.. ذلك ما أملاه العقل وأيده الواقع.. وخالفه القلب الذي صرخ متوسلاً فرصة للحياة.. للنبض..

وأخيراً قرر.. أخيراً حسم أمره.. سينسى ويبتعد ويستمع لصوت العقل.. و...

ها هو.. ها هو يذرع أروقة المشفى يبحث بعينيه عن شقيقه وبقلبه عنها.. مثبتاً حقيقة واقعة طالما أدركها.. إن للقلب صوتاً منفرداً.. خافتاً.. ناعماً.. ولكننا لا نملك إلا الخضوع له طائعين مستسلمين تدفعنا سعادة أليمة لا يعرفها إلا عاشق.. عاشق حائر.. عاشق تائه في ملكوت الحب..

أخيراً لمح مازن, بل خيال متهالك لما كان عليه مازن.. وجده ملتصقاً بنافذة غرفة العناية المركزة.. وعيناه ثابتتان على جهة معينة وكأنه تمثال.. أو هيكل خشبي لما كان عليه شقيقه..

هتف بقلق:

ـ مازن!!..

سمع مازن هتافه ولم يصدق واقعه.. فحسن لن يعود.. هو أخبره بذلك.. لا يوجد ما يعود له.. ولكن تكرر الهتاف واقترب أكثر.. ليلتفت مازن ببطء ويواجه حسن وجهاً لوجه.. ليتجمد الكون حولهما للحظات وهما يتبادلان النظرات, ثم يندفع مازن إلى ذراعي حسن المفتوحتين وهو يهمس بألم:

ـ معقولة رجعت يا حسن؟..

ضمه حسن بقوة وربت على كتفه مؤازراً:

ـ يزيد قالي على اللي حصل.. ليه ما كلمتنيش يا مازن؟..

دعك مازن عينيه محاولاً مسح دموع ترقرت بهما قبل أن يهمس:

ـ ما حبتش أضغط عليك.. و..

قاطعه حسن:

ـ وايه؟.. ظنيت أني مش هاهتم!..

سكت مازن ولم يجبه.. فهو خشي الاتصال به بالفعل خوفاً من لامبالاته نحو نيرة.. فلجأ ليزيد كالعادة.. خاصة وهو عاجز عن طلب الراحة والأمان من دنيا.. فهو فقد جميع حقوقه عليها.. ومع غياب والده المستمر.. فحاتم العدوي بعدما فشل في استعادة ابنه الأكبر قرر ترك إدارة المجموعة بين يدي مازن وقرر الابتعاد عن الجميع.. اعتزل العمل والناس وأصبح يقضي أوقاته في رحلات بحرية لا تنتهي.. ووالد نيرة أكثر عجزاً من مازن يحتاج لمن يسانده ويدعمه على الدوام ولولا وجود صبا بجواره لكان انهار بقوة.. ووسط كل ذلك كان مازن يقف وحيداً يرجو الراحة والإطمئنان فلا يجدهما.. ولا يعرف لهما سبيلاً خاصة وقد غابت نيرة لأكثر من خمسة أيام في غيبوبة غامضة.. لا يدرون متى تستفيق منها..

كان تقدير الأطباء في البداية أن عدد الأقراص المنومة التي ابتلعتها لا يشكل خطراً حقيقياً على حياتها.. ليكتشفوا بعد ذلك أنها تناولت أيضاً أدوية مضادة للحساسية مما زاد من تأثير المنوم لأضعاف وأدخلها في غيبوبة لم تستفق منها منذ خمسة أيام كاملة...

طال سكوت مازن والتفت ثانية نحو النافذة الزجاجية فهو يخشى أن يبعدها عن نظره لحظة فتغيب بحياتها عنه للأبد..

ربت حسن على كتفه هامساً:

ـ تعالى معايا.. أنت محتاج تغير وتاكل حاجة..

رفض مازن التحرك من مكانه وهز رأسه مخبراً حسن:

ـ صبا بتجيب لي أكل وتجبرني آكل كل يوم.. كتر خيرها..

نبضة قوية منفلتة نبضت بقلبه حتى خشي أن يلاحظ مازن فسأل بطريقة حاول أن تكون طبيعية:

ـ آه كتر خيرها فعلاً.. أومال هي فين؟..

ـ في أوضة باباها.. الضغط عنده علي قوي من اللي حصل..

لف بعينيه الرواق يترقب ظهورها.. يترقبه ويخشاه بنفس الوقت فهو لا يستطيع توقع رد فعلها لظهوره الغير محسوب...

ظل بجوار مازن لفترة طويلة بعدما أقنعه بالجلوس على المقاعد المواجهة لغرفة العناية وأحضر له عدة شطائر وفنجان من القهوة المُرة, تناولهم مازن بآلية وظل متشبثاً بكف شقيقه وكأنه يستمد القوة للاستمرار بوجوده..

بتلك الصورة وجدتهما صبا عندما وصلت أمام الغرفة المحتجزة بها نيرة.. في البداية لم تصدق عينيها.. مستحيل.. هو لم يأتِ خلفها!.. لقد أمرها بالابتعاد, فلم يعطِ لنفسه حق بالاقتراب؟!... هزت رأسها رافضة تلك الفكرة المجنونة.. فربما تكون عودته ليكون بجوار مازن في أزمته...

اقتربت لتقف أمامهما وهي تتوجه بسؤالها لمازن:

ـ ما فيش جديد؟..

هز رأسه نفياً ونهض واقفاً ليبتعد عنهما ويعود للالتصاق بالنافذة الزجاجية مرة أخرى.. وقبل أن تتحرك صبا وصلها صوت حسن الهامس:

ـ ما فيش حمد لله على السلامة!

ارتسم الغضب على ملامحها وهي تسأله:

ـ ايه اللي جابك؟..

نهض واقفاً هو الآخر ولمس مرفقها بخفة يوجهها للابتعاد عن وجود مازن قليلاً ليجبها بسؤال:

ـ أنتِ ليه هربتِ؟!

رفعت حاجباً أنيقاً بعجب لتتمتم ساخرة:

ـ هربت!.. سبق وقلت لك أني ما بخافش من حاجة..

اقترب منها ليهمس بغيظ:

ـ بلاش الأسلوب ده يا صبا..

قررت لعب دور الغبية بجدارة فهمست من بين أسنانها:

ـ أنا مش عارفة أنت بتتكلم عن ايه!.. ولو ما أخدتش بالك.. أحب أقولك أن أختي في غيبوبة.. وأظن أن ده سبب قوي عشان أسيب الدنيا كلها وأرجع لها..

برقت عيناه بغيظ فظهر لونهما الأخضر الغريب واضحاً وهو يصدمها بقوة:

ـ سألتني رجعت ليه.. رجعت عشان أنا اكتفيت هروب وقررت أواجه..

قاطعته بخوف قبل أن يكمل:

ـ أنت طلبت مني ابعد.. وكان عندك حق..

حاول مقاطعتها لتتحرك مبتعدة وهي تشير بيدها:

ـ مش دايماً الهروب بيكون جُبن.. أحياناً بنهرب عشان نحمي ناس يهمونا.. ابعد يا حسن.. خلينا نبعد.. خلينا نتصرف صح..

حاول اللحاق بها ليتجمدا سوياً كرد فعل لصيحة مازن:

"نييييييرة.. نيرة فاقت"..

اندفعت صبا لتمر بجواره لتلحق بمازن الذي أوقفه الطاقم الطبي حتى يطمئنوا على الوضع الصحي لنيرة.. بينما ظل حسن في مكانه حائراً وكلماتها تتردد في ذهنه..

"أحياناً بنهرب عشان نحمي ناس يهمونا"..

وبأعماقه تتصارع أسئلة عدة.. هل تظن أنه اندفع خلف أهوائه متناسياً من سيجرح ثمناً لدقة قلب؟.. كلا.. لم ولن ينسَ.. فهو أكثر من مدرك لوجود لورا في حياته.. وهو لن يظلمها.. كلا.. لها فضل كبير عليه لوجودها بجواره في أحلك لحظات حياته, قد تكون أنقذته من الجنون أو ما هو أبشع..

هي تمثل له صديقة.. صديقة طيبة.. وأم لابنته الصغيرة.. رغم محاولاتها المستمرة لتحويل تلك المودة من ناحيته إلى حب مشتعل كذلك الذي تحمله له.. محاولات خفتت كثيراً في الفترة الأخيرة وكأنها اقتنعت بوتيرة حياة هادئة.. أو ربما هي فقط أدركت بغريزة الأنثى.. أن حياتهما الهادئة.. قاربت على النهاية...

**************

استقرت نيرة في غرفة مستقلة بعدما انتهى الفريق الطبي من اجراء فحوصات وتحاليل عدة.. ليقرروا أنها أفاقت تماماً من غيبوبتها ولحسن الحظ لم تصب خلايا المخ بأي أضرار دائمة.. وأن حالتها مستقرة تماماً.. فقط هي بحاجة لعدة أيام من المتابعة الطبية في المشفى...

ها هي مستلقية على فراشها الطبي ومازن بجوارها يحيطها بذراعيه وقد تجمدت دموع الراحة في مقلتيه وهو يتأمل ملامحها الجميلة الشاحبة وقد بدا عليها معالم الحياة.. فعينيها الجميلتين تبرقان مرة أخرى.. فقط تلك اللمعة المميزة التي تأسر دقات قلبه.. وعلى شفتيها ترتسم ابتسامة غريبة تبدو كاعتذار أو ربما حرج.. لا يهم ولا يهتم.. فقط هي تتتنفس.. هي بين ذراعيه وبصدرها تتردد الأنفاس أو ربما تتردد أنفاسها بصدره.. هي حية وكفى..

دفن وجهه بين خصلاتها هامساً:

ـ حمد لله على سلامتك..

أبعدت نفسها عنه قليلاً ورطبت شفتيها الجافتين قبل أن تجبه:

ـ أنا آسفة يا مازن.. أنا..

وضع إصبعه على شفتيها هامساً:

ـ أنا مش هعاتب ولا أنتِ هتعتذري.. أهم حاجة أنك بخير.. أنك رجعتِ لي تاني وبخير..

عاد يضمها لصدره يستمع لدقات قلبها يستشعر أنفاسها الدافئة وبداخله يقين بعدم قدرته على تركها تختفي من حياته.. قد تكثر خلافاتهما.. قد تتزايد نوبات شجارهما إلا أنهما يجب أن يحاولا البدء من جديد...

وعلى باب الغرفة وقفت صبا تتأملهما بصمت وقد ارتسمت على ملامحها معالم الاحراج والارتباك القلق لتفاجئ بقبضة تلتف حول معصمها ويسحبها بعيداً هامساً:

ـ هما محتاجين يكونوا لوحدهم.. واحنا لسه محتاجين نتكلم...

وسحبها خلفه ليجلسا سوياً على أحد المقاعد العريضة بحديقة المشفى.. هي شاردة في كل شيء ماعداه وهو جلس خافضاً رأسه ومستنداً بكفيه على ركبتيه.. ظلا لفترة على هذا الوضع.. ليهمس أخيراً:

ـ أنا مش بعرف ألف وأزوق كلامي.. اللي جوايا بقوله وبصراحة.. ممكن ناس تقول على صراحتي مؤلمة.. وممكن ناس تانية تتخيلها وقاحة.. بس دي طبيعتي..

التفت نحوه وهي تتأمل ملامحه الوسيمة.. تسأله بحيرة:

ـ مش فاهمة.. أنت..

قاطعها:

ـ لأ فاهمة.. فاهمة كويس.. وعارفة ليه أنا رجعت.. رجعت لك.. لصبا.. لأن اللي تخيلت لسنين أنه مستحيل يحصل..

تنهد بقوة ليهتف بوضوح:

ـ حصل..

هتفت به:

ـ كفاية ألغاز..

هز رأسه بلوم:

ـ لو كلامي ألغاز للناس كلها لازم تفهميه أنتِ.. لأن كل كلمة.. كل حرف.. يقصدك أنتِ.. أنا تعبت يا صبا.. تعبت..

تنهد بحرقة ليردف:

ـ أنا.. أنا..

قطع كلماته ليقف وهو يضحك بتوتر ويذرع المكان أمامها جيئة وذهاباً ليهتف أخيراً:

ـ أنا عمري ما كنت متوتر زي دلوقتِ..

رفعت له عينين بريئتين رغم كل ما يظهر بهما من محاولات واهية للسيطرة وادعاء الغضب ليكمل هو:

ـ أنا مش عايز أجرح لورا.. غالباً أنا هسافر الليلة.. لازم أحط النقط على الحروف..

وقفت بدورها لتصرخ مقاطعة:

ـ ما يخصنيش كلامك ولا حياتك..

هتف بها وهو يتمسك بذراعيها يمنعها من الهرب:

ـ هرجع مصر يا صبا.. هرجع أعيش في مصر..

ارتعشت شفتيها وهي تحاول الرد عليه ليهمس هو:

ـ يمكن عندك حق.. لسه مش من حقنا نقول كل الكلام.. لكن كلامنا لسه ما انتهاش..

وتركها ليرحل إلى زوجته وابنته.. ولكن كلماته كانت واضحة.. فذهابه كان تمهيداً لعودة.. عودة دائمة لحياة تشملها هي بكل تفاصيلها...


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close