اخر الروايات

رواية اسي الهجران الفصل التاسع والستون 69 بقلم الكاتبه أنفاس قطر

رواية اسي الهجران الفصل التاسع والستون 69 بقلم الكاتبه أنفاس قطر




أسى الهجران/ الجزء التاسع والستون


على متن طائرة مروحية تابعة للجيش الأردني
تطير بالقرب من مدينة البتراء الأثرية
الساعة 11 صباحا

تطير المروحية في الجو.. تحمل قلوبا مرتاعة ينهشها القلق المسعور بوحشية
تتضخم مساحات القلق وتتضاعف لتلتهم ما بقي من الصبر والتجلد

ذلك الأثير الغالي المتخم برائحتهم وعبقهم.. فارسهم الثمين الموغل بهاءً ورجولةً
على أي حال هو؟؟
كيف قضى ليلته في هذا البرد القارص الجليدي؟!
ما مدى سوء إصابته؟!
هل هي قابلة للعلاج؟!!
مئات الأسئلة الموجعة دارت في أذهان أتعبها السهر والسهد والقلق
أسئلة تنتهك الروح بشراستها وهي تمزق كل الأغلفة لتغوص في العمق

راكان بقلق: زين ليش تأخروا ذا كله مالقوه؟؟

رئيس الفريق بتأثر: يظهر إنه سحب نفسه داخل غار من البرد
عشان كذا الطوافات ماقدرت تشوفه
اللي لقوه الطواقم البرية التابعة للصاعقة لأنهم تتبعوا الأثر على الأرض

فارس بقلق مر: زين أشلون وضعه؟؟

رئيس الفريق بحزن فيه إحساس متعاظم بالندم:
يقولون لقوه واعي.. بس الظاهر عنده إصابة خطيرة

ألم حاد اجتاح روحي فارس وراكان كطوفان مرارة هادر.. ودعوات عميقة تتصاعد في قلب كل منهما أن يكون الأمر بسيطا
أو على أسوأ الاحوال قابل للعلاج.. حتى وإن طالت فترة المعالجة هذه..

لم تستغرق الرحلة عشر دقائق ولكنها بدت عشر سنوات لكل منهما
حرقة وألما ولهفة وقلقا

نزلت الحوامتين العسكرية والطبية معا
والعشرات ينزلون من كل طوافة في مكان صحراوي جبلي كان يتجمهر به الكثير من لابسي لباس الصاعقة الأردنية
الذين لم يحركوه من مكانه خوفا من أي مضاعفات صحية..انتظارا لحضور المساعدة الطبية

راكان وفارس بجسديهما الفارعين استطاعا اختراق الحشود المتجمهرة
حتى وصلا إلى ناصر

كان كل منهما يمني نفسه أن مابه شيئا بسيطا يستطيع ناصر بصلابته وقوة بنيته تجاوزه
ولكن رؤيتهما لوضع ناصر حطمت هذه الآمال بقسوة سادية
وبعثت قشعريرة متوحشة في خلايا كل منهما

كانت ملابسه ممزقة وبه إصابات مختلفة في نواحي جسده
ولكن كل هذا لا يهم.. لا يهم أمام إصابة ساقه اليسار
تمزق اللحم تماما والعظم محطم ومفتت من عدة نواحي ومابقي من الجلد حولها مزرق تماما

كان ناصر يفتح عينا ويغلق الأخرى.. والألم لا يمكن احتماله
لكنه حين رأى راكان وفارس بوجيهما المرتاعين المأساويين
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يقول: عريس جديد وخاطب جديد وش جابهم..
الله يهداكم مافيني شيء.. جايين عانين من الدوحة
الشباب يكفون ويوفون

فارس وراكان لم يستطيعا التكلم بشيء والكلمات تصبح باهتة وتافهة وحقيرة
وأي مواساة أو تشجيع يتسربلان بالضآلة أمام عظم الموقف
ابتعدا مجبرين بصدمتهما الهائلة في وجعها وألمها
والمسعفون يبعدونهما ليبدأوا بإعداد ناصر لنقله



***********************



عمّان/ الأردن
مدينة الحسين الطبية
الساعة 3 عصرا


ناصر في غرفة العمليات
فارس وراكان وفريق ناصر بجميع أفراده كلهم ينتظرون في الخارج

خرج الطبيب وهو يسأل إن كان يوجد أحد من أقاربه
قفز راكان وفارس بقلق
وتوجه الطبيب لهما وهو يقول بهدوء: اتبعوني

الطبيب أخذهما لمكتب قريب ودخل وأغلق الباب وطلب منهما الجلوس
توتر راكان وفارس تصاعد للذروة
الطبيب أنزل كمامه وهو يقول بنبرة مهنية تماما:
أنا حابب أحطكم بالصورة
المصاب خليتو وراي صاحي و أعطى موافقته النهائية

راكان بهدوء متوتر: موافقته على ويش؟؟

الدكتور بهدوء: بتر الساق Transtibial

منذ أن دخل راكان وفارس لمكتب الدكتور وهما يعلمان أن وراءه خبرا مفجعا
ولكن ليس هذا الخبر.. ليس هذا!!!
لـــيــــس هــــــــذا!!!!
لـــــــــــيـــــــس هـــــــــــــــذا؟؟!!!!

كان الاثنان كما لو كانا يقفان بصدريهما العاريين في مواجهة إعصار قادم
يعلمان أن الإعصار قد يقذفهما بعيدا
قد يحملهما ويلقيهما أرضا بكل قسوة
ولكنه لم يخطر ببالهما أن يكون الإعصار محملا بشهبا نارية تخترقهما بكل وحشية
وخبر البتر ينزل على رأسيهما ليخترق الجلد والعظم ثم يذيب اللحم

فارس قفز وهو يقول بحدة وغضب موجعين: مستحيل مستحيل

راكان أشار بيده لفارس أجلس وهو يقول للدكتور وهو يبتلع ريقه وألمه ووجعه وصدمته: مافيه حل ثاني؟؟

الدكتور بنبرة هادئة منطقية: هذا الحل الوحيد وللعلم المصاب وراي هادئ تماما ومتقبل العملية
ولعلمكم أنتو مكان البتر الآن مثالي تماما لأنه في منتصف الساق وأقرب للكاحل
لو تُرك قد تتصاعد الغرغرينا أكثر .. ومادام البتر لم يصل للركبة فالبتر بسيط
أعرف أنو صعب عليكم تقبل الأمر وأنا أقول كلمة بسيط
لأنو ثقافتنا القاصرة ووعينا المحدود تصور أنو فاقد أحد الأطراف بمثابة المعاق
وخصوصا إنو الأخ ناصر بطل سباقات خيل.. لكن أنا أأكد لكم وبمهنية كاملة
وأنا أصلا تخصصي الدقيق في الأطراف الصناعية
أنه ناصر بعد أسبوع واحد من تعوده على الساق الصناعية يستطيع العودة لركوب الخيل بنفس المهارة إن شاء الله... وخصوصا أنه أيمن وليس أيسر
بل يستطيع إن أراد أنو يغير لرياضة أصعب كالسباحة أو حتى تسلق الجبال
ومستحيل حدا لو شافه يمشي أو حتى يركض يعرف إنو عنده ساق صناعية

فارس وراكان صامتان.. فهناك ألم مر متوحش يتصاعد في أرواحهما.. ولكنها روح آل مشعل المقاتلة..
يعلمان تماما أن ناصر يستطيع تجاوز كل هذا ..وإذا كان هو يستطيع فليحاولا هما رغم صعوبة المحاولة..

الدكتور يستكمل حديثه: الأطراف الصناعية الآن تعيش ثورة تطور حقيقية
فالأطراف تصنع من الجبس البلاستيكي المعالج بالألياف البلورية، خفيف جدا ومرن وقادر على التحمل
واحنا هلا بناخذ قياس ساق الأخ ناصر وبنبعثها بالإيميل لأفضل معمل لصنع الأطراف الصناعية اللي بيصنع الأطراف للاعبين الرياضيين
وخلال ثلاثة أيام بتكون واصلة.. وبعد التئام الجراحة يقدر يبدأ يستخدمها
وفيه تعليمات محددة بدي قولها لكم في وقتها

ثم ابتسم الدكتور وهو ينظر لوجهي راكان وفارس المرتاعة:
يا أخوان أكيد أنكم بتعرفوا خالد حسن السباح المصري المعروف
هذا حالته نفس حالة ناصر بتر في الساق اليسرى... بساقه الصناعية عمل إنجاز عالمي ولا قدر عليه حتى أصح الأصحاء
عبر بحر المانش الواصل بين فرنسا وبريطانيا 52 كيلو سباحة في 12 ساعة... تخيلوا معي هذا الانجاز المعجز...
وما بعرف لو كنتو بتعرفو إيمي مولي.. هذي بطلة جري أمريكية.. سيقانها الاثنتين صناعية..
لا وكانت تشتغل عارضة أزياء كمان.. تخيلوا.. بطلة جري وعارضة أزياء برجلين صناعية..
ريان مارتن كان من أفضل لاعبي التنس في العالم وهو بأطراف صناعية..

هادي مجرد نماذج.. ولو بدي أحكي أكتر بأتعب... أنا شايف أنو الاخ ناصر ماشاء الله عليه كثير متقبل..
عنده إيمان وعزم وتصميم.. فلازم أنتو كمان تساعدوه.. هاه شو بتقولو؟؟

فارس صمت وهو يخفض عينيه للأسفل.. فمازال غير قادر على التخيل
عاجز عن تخيل رؤية ناصر بعد العملية بدون ساقه
أي ألم هذا؟!!
أي ألم؟؟
أ يعقل أن هناك ألم كهذا؟!!

راكان بحزم: دام ناصر موافق... توكل على الله
وناصر رجّال طول عمره... وعمر المرجلة ماكانت في يد وإلا رجل
مرجلة الرجّال في رأسه... وأنا أشهد إن أبو محمد رجّال



************************



بعد صلاة العصر

مجلس آل مشعل
مشعل ومشعل أصبح عندهما خبر بما حدث لناصر
وبأن ساقه ستبتر
وأصبحت المهمة الصعبة إبلاغ والديهما
والمهمة الأكثر صعوبة في إبلاغ أم ناصر وشقيقاته وزوجته


كان مشعل بن محمد من اضطلع بالمهمة العسيرة ولكنه قرر أن يقوم بتمهيد مبدئي وألا يخبرهما بخبر البتر بشكل صادم

تنهد بعمق ثم قال: يبه.. يبه عبدالله
عندي شي بأقوله لكم

محمد ألتفت له بهدوء: عسى ماشر؟؟

مشعل بهدوء رغم ألمه العميق: ناصر انصاب في السباق اللي في الأردن
وإن شاء الله إنها بسيطة

عبدالله برعب: وشو؟؟

محمد بذات الهدوء: أشلون بسيطة؟؟ كسر وإلا جروح وإلا أشلون؟؟

مشعل ابتلع ريقه ليقول بذات هدوء الده وطريقته في الكلام: إذا جاء إن شاء الله شفت بروحك

محمد وقف بحدة وهو يقول بغضب: إذا جا؟؟ والله إن وراك علم يا مشيعل
قم روح احجز لي الحين للأردن أول طيارة بتطلع.. أبي أروح الليلة

مشعل بألم: يبه الله يهداك.. أنا أصلا بأروح مافيه داعي تروح... راكان وفارس هناك من فجر
وبأروح أنا ومشعل

عبدالله كان من رد بغضب مضاعف: يعني راكان وفارس هناك من فجر.. وتبي تقول لنا إنها بسيطة
احجز لي مع أبيك الليلة

مشعل بن عبدالله كان من رد على والده وهو يقول بعمق: يبه
مايصير كلنا نروح.. ونخلي البيوت فاضية

عبدالله بغضب: انطق أنت وسميك.. وأنا ومحمد بنروح
بتحجزون لنا.. وإلا أنا بأروح أحجز لنا بروحي ذا الحين

مشعل ومشعل وجدا أنهما الخاسران في هذا الجدال
وأنهما مضطران للبقاء رغم النار التي تستعر في جوف كل منهما
ووجدا أنهما مضطران للانتقال للمرحلة الثانية الأصعب
مشعل بن محمد يبلغ والدته وشقيقتيه
ومشعل بن عبدالله يبلغ مشاعل

مشعل بن محمد باحترام: خلاص ولا يهمكم باروح أحجز لكم
بس خلني أروح لأمي أول وعقب بأطلع السفريات

وتوجها كلاهما لداخل بيت محمد بن مشعل
مشعل بن محمد لداخل البيت
ومشعل بن عبدالله لقسم أخته



**************************



بيت محمد بن مشعل
الصالة الرئيسية
مشعل اتصل بالعنود وطلب منها الحضور
فليس لديه استعداد لتقبل صدماتهن متفرقة

وهاهن الثلاث ينتظرنه وهن قلقات متوجسات من طلبه لهن بهذه الطريقة

العنود تهمس لمريم: مشعل ماقال لش وش يبي؟؟

مريم بذات الهمس: لا والله.. يا الله سترك أنا قلبي ناغزني من البارحة
أمي أشلونها؟؟

العنود تهمس: وجهها معتفس.. يالله سترك

وهما في حوارهما دخل مشعل يحاول التجلد.. أكثر من يهمه والدته
عاجز عن صدمها.. يتمنى لو كان بإمكانه حمل الحزن.. كل الحزن عن قلبها
هو قادر على تحمل الحزن.. ولكن هي أم.. قلبها قلب أم
وآه من قلب الأم!! وألف آه !!

مشعل سلّم ثم جلس جوار أمه .. احتضن يدها وقبلها طويلا
ثم أبقاها بين يديه وهمس بإيمان عميق: يمه.. صح المؤمن مبتلى؟؟

أم مشعل منذ طلب مشعل أن يراها وهي وبناتها وهي تشعر بتوجس مريع
والآن بعد جملته المموهة بدأ رأسها يدور ويدور وقلبها بدأ تمزق حقيقي يحرث خلاياه طولا وعرضا
نزفت كلماتها الموجعة:
من هو منهم؟؟
راكان وإلا ناصر؟؟؟
ثم صمتت للحظة وهمست بألم أكبر: حي يرجى وإلاَّ ميت يبكى؟؟

مشعل باستنكار رقيق: إلا إن شاء الله حي.. حي.. والثنين جايينا قريب ومافيهم إلا العافية
بس ناصر فيه عوار.. بسيطن إن شاء الله

أم مشعل بألم متوحش ودموعها بدأت تسيل بصمت لتغرق برقعها: وجهك ما يقول بسيط يأمك
الحمدلله على كل حال.. لا سلم لي رأسه ما أبغي شيء...
ما أبغي إلا شوفت وجهه

مشعل بهدوء حذر: وإن شاء الله إنش بتشوفين وجهه
وأي شيء ثاني هو ابتلاء من رب العالمين.. والمؤمن الصابر عند الله خير

العنود ومريم كانتا مفجوعتان تماما.. فهما كانتا متأكدتان أن ما بناصر أمرا جللا
وإلا ما كان مشعل جمعهن بهذه الطريقة.. والعنود تنقل لمريم أن وجهه يبدو عليه الكثير من الألم والأسى
ولكنهما صمتتا.. بما أن والدتهما تقبلت مبدئيا الخبر وتصبرت
فهما لا تريدان فجعها بالاستفسارات من مشعل أمامها

مشعل وقف.. حين وصل للباب نادى العنود
العنود باحترام مغلف بالحزن: لبيه فديتك

مشعل بهدوء: العنود دام فارس عند ناصر.. أبيش ترخصين من أم فارس
وتجين تقعدين عند أمي لين يرجعون الشباب من الأردن

العنود بصدمة: فارس عند ناصر؟؟

مشعل هز رأسه وخرج
وشعوران يتصاعدان في روح العنود
قلق مرعب على ناصر لأنها تعلم أن ذهاب فارس إليه بهذه الصورة المفاجئة ليس إلا لأن إصابته خطيرة
وغضب كاسح على فارس لأنه أخفى عليها سبب سفره الفعلي وإصابة ناصر

ولكنها عادت للجلوس بجوار والدتها
التي وقفت وقالت بجمود: أنا بأروح لحجرتي
ما أبي حد منكم يجيني

العنود برجاء: بس يمه....

لم تسمح لها أم مشعل بإكمال جملتها وهي تنسحب.. تنسحب لتهرب بأحزانها
لتدعو ربها ألا يفجعها.. ويعيده لها ولأحضانها
قد يقولون عندها ثلاثة أبناء.. لو مهما حدث لواحد
تبقى اثنان يعوضانها الوجع والألم
ويا جهل من يقول ذلك!! يا جهله!!
قد يكونون عشرة.. وكأنهم واحد
كل واحد منهم لفراقه ألم يمزق نياط القلب
ولألمه وجعا لا يشعر به أحدا مثلها
ولوجعه في روحها امتدادات السماء ورحابة الأرض



***************************



ذات الوقت
بيت ناصر
بيت الزوجية الـمُفترض

مشعل يصل لمشاعل
مشاعل لم تغادر بيتها مطلقا منذ مجيء مشعل لها صباحا
وهاهو يعود لها بعد ساعات
فأي خبر جديد يحمل؟؟
بل أي خبر مفجع؟؟

كان وجهها متورما من البكاء.. وعيناها ذابلتان
منذ غادرها مشعل وهي تبكي

مشعل جلس جوارها واحتضنها
عادت للبكاء على صدره.. بكاء خافتا موجعا ..مشعل احتضنها وهو يقول بحنان: مشاعل يا قلبي أنتي إنسانة مؤمنة ومصلية
واللي تسوينه في روحش غلط...ليش ذا البكاء كله؟؟؟

مشاعل همست بألم ورأسها مختبئ في صدر شقيقها:
تكفى مشعل قل لي أنه حي بس..
ما أبي شيء ثاني.. والله ما أبي شيء ثاني
تكفى لا تفجعني

مشعل بنبرة خاصة مشبعة بالحزن: أكيد إنش ما تبين شيء ثاني وحياته تكفيش؟؟

مشاعل رفعت رأسها وهي تقول بثقة رقيقة:
والله ما أبي شيء.. أبيه حي وبس

مشعل ابتسم ابتسامة باهتة: وهو إن شاء الله حي.. وجعل عمره طويل

مشاعل ابتسمت وهي تمسح دموعها بطريقة طفولية وتقول بفرح مؤلم:
صدق؟؟ صدق؟؟

مشعل أمسك يدها وهو يقول بحزم رقيق: بس أنتي ماسمعتي باقي كلامي
أنا باقول لش شيء أبيه بيننا
وما أبيش تقولينه لأحد... وأنا اقوله لش.. عشان أدري إن الموضوع بيوجعش
و أبيش تأقلمين مع الفكرة لين يجي ناصر
وما أبيش تفشلينا في ناصر.. ناصر رجّال وطول عمره رجّال
واللي بيصير له ما ينقص من مرجلته.. لكنه يزيدها
لأن المحن والاختبارات هي اللي تحك الرجّال.. وتظهر عزمه
وأنا أشهد إنه رجّال.. موقفه يحتاج شجاعة أنا أشهد إن غيره عاجز عنها
لكنه تقبلها واحتسب أجره عند رب العالمين

مشاعل قاطعت سيل كلام مشعل وهي تهمس بحزم غريب عليها وعلى شخصيتها:
مشعل ليش ذا المقدمات كلها؟؟
وش اللي صار لناصر؟؟... صار عاجز؟؟ مقعد؟؟
أنا قلت لك أبيه حي
أي شيء ثاني ما يهمني

مشعل بحزن عميق: ولا حتى بتر ساقه؟؟

مشاعل شهقت بعمق وبرعب صميميين
والفكرة تتجسد أمامها بأكثر صورها بشاعة وألما
ولكنها حاولت التماسك وهي تهمس.. ودموعها تسيل بصمت موجع:
ولا حتى بتر ساقه.. الحمدلله على سلامة رأسه..
اللهم لك ألف حمد وشكر



*********************



مدينة الحسين الطبية
عمّان/ الأردن
ذات اليوم ليلا

غرفة ناصر

عبدالله ومحمد وصلا من الدوحة وطلبا من سيارة الأجرة أن تأخذهما للمستشفى فورا
وهاهم أربعة من عمالقة آل مشعل يجلسون في انتظار إفاقة العملاق الخامس من أثار التخدير..

محمد كان أقربهم لسريره.. وهو يلصق مقعده بقرب رأس ناصر.. بداخله ألم لا حدود له
فمهما كبر ناصر وطال.. فهو يبقى في نظره ابنه الصغير
هاهي عيناه تجولان بكل الوجع بوجهه المليء بالخدوش واللصقات الصغيرة
بيديه الملفوفتان بالشاش.. فهو كان يحاول تخليص ساقه من الركاب
ورفع جسده عن الأرض حتى لا يتمزق ظهره وثيندر يسحبه
لذا احتملت يداه الكثير من الألم

(أي ألم تحملت يا بني؟!!
أي ألم؟!!
ليتني استطعت أن أحمل بعضا من ألمك
ليتني أنا من بُترت ساقه
أنا شيخ عجوز.. عشت حياتي طولا وعرضا
ماعاد لي بهذه الحياة حاجة
ولكن أنت للتو تتذوق هذه الحياة
للتو تفتح لك أبوابها!!
ماكان همني والله أن أهبك ساقاي ويداي جميعها وتبقى ساقك لك
إلهي لا تؤاخذني
ليس اعتراضا على حكمك.. اللهم لك الحمد والشكر على كل حال
ولكني أب مفجوع.. أفرغ بعضا من حزني وألمي وفجيعتي
فلا تؤاخذني بحديثي مع نفسي
لا تؤاخذني على وجعي وبثي)

عبدالله وراكان وفارس يجلسان على ثلاثة كراسي متجاورة قريبا من محمد
وعبدالله يستفسر منهما كيف حدث ماحدث؟؟
ومتى وصلا؟؟ ومتى وجدا ناصر؟؟


بعد دقائق.. حشرجة خافتة صدرت من ناصر
الأربعة كلهم وقفوا معا وهو يحيطون بسرير ناصر
محمد بحنان مصفى مختلط بنبرته الحازمة الطبيعية: الحمدلله على سلامتك يأبيك
تبي شي؟؟؟

ناصر بصوت متقطع ناتج عن جفاف ريقه: ماي..

فارس يمد يده لزجاجة ماء ويفتحها
وراكان يهمس له: لا تسقيه واجد.. بِل ريقه بس..

فارس يدخل يده تحت كتفي ناصر ويقعده ويسقيه القليل
ناصر يهمس: بعد أبي ماي..

راكان همس له بأخوية: بعد شوي.. مايصير تشرب ماي ورا بعض

ناصر عاد لإغلاق عينيه وهو يغيب عن الوعي مرة أخرى

محمد بقلق: وش فيه رجع يرقد؟؟

راكان باحترام: يبه لا تحاتي.. من تاثير البنج.. بعد شوي بنصحيه ونسقيه



*****************************



القاهرة
حوالي الساعة العاشرة مساء

باكينام تعود للبيت
ومعها جدتاها صفية وفيكتوريا

يدخلن جميعا وضحكاتهن تتعالى

صفية بمرح: أمّا أنتي بت باكينام أنا مبسوطة منك كتير
عرق تركي عندك تمام.. كنتي هتعملي الواد كفتة

باكينام تضحك: عرق تركي ثم تكمل بالانجليزية: وعرق إيرلندي
كيف يجرؤ ذلك التافه أن يعاكس أجمل أميرتين تركية وإيرلندية وهما في ضيافة مصرية
ثم قالت بالعربية: أكيد كان بيعاكسك يا أنّا.. أنتي أحلى وحدة فينا

الحوار كان يدور عند المدخل دون أن تنتبهن إن كان أحد موجودا

أنا صفية تضحك: خشى في عبي زي ما بتئولوا يا مصريين.. ئال يعاكسني ئال
الواد كان بائي يعيط عاوزك تاخدي نمرته وأنتي نازلة فيه شتيمة وهو لا همو
فين واد يوسف عنو؟؟

(يوسف ئاعد هنا بيستناكم)
صوت عميق ممتلئ بغضب مكتوم

كان يوسف يجلس في الصالة المفتوحة على المدخل مع سوزان
باديا على محياه غضب كبير يحاول كتمانه

باكينام شعرت بتوتر غير مفهوم
فهي أغلقت هاتفها بعد أن أتصل بها يوسف أكثر من مرة ولكنها لم ترد عليه
ولكن هذا لم يمنعها من الوقوف بثقة وهي ترسل له نظرات تحدي

سوزان نهضت وهمست بكلمة في أذن والدتها ثم في أذن حماتها
وسحبت الاثنتين معها
فهي تعلم أن يوسف غاضب لإغلاق باكينام هاتفها
وتعلم أنه لابد سيعاتبها.. لذا تريد تركهما لوحدهما

يوسف مازال جالسا
وباكينام مازالت واقفة بين المدخل والصالة
تحركت بإتجاه الدرج وهي تقول ليوسف بثقة:
تصبح على خير أستاذ يوسف
سلّم على تانت منال

(باكينام ..تعالي هنا)
وصلها صوته واثقا غاضبا لينشر قشعريرة باردة في كل خلاياها
ولكنها لم تتوقف وهي تصل للدرج لتتفاجأ بيد قوية تمسك عضدها
وتوقفها وتلفها لتجد نفسها وجها لوجه أمامه
باكينام من بين أسنانها: سيب إيدي يوسف

أفلت عضدها ولكنه أمسك بذارعها بقوة وهو يشدها ويثبت ذراعها على صدره وهو يعتصرها بقوة ويقول بغضب:
ئافلة تلفونك ليه؟؟ وأزاي تخرجي بدون ازني؟؟
وليه لما فيه حد ضايقكم ما اتصلتيش ليا؟؟

باكينام بألم: يوسف سيب إيدي.. هتكسرها

يوسف أفلت يدها وباكينام تنفض يدها وتمسك المكان الذي ألمها بالفعل من اعتصاره لذراعها وهي تقول بسخرية:
أنا عاوزة أعرف أستاز جامعة إيه اللي بيتعامل بالأسلوب الهمجي ده؟؟
سبت إيه للجهلة اللي عايشين في القرون الوسطى؟؟

يوسف بذات سخريتها: كل واحد يتعامل زي مايفهم
أنتي وحدة ما ينفعش معاكي الزوء... لازم الواحد يكون عنيف معاكي عشان تفهمي

باكينام بغضب: أنا مش حيوان عشان تعاملني بالعنف أو غيرو
ثم تنهدت وهي تقول: وعلى العموم.. الحكاية النكتة دي طالت أوي
ولازم ننهيها... على الأقل يوسف احترم أنو فيه صحوبية بين أهلنا
بلاش نستمر في المهزلة دي أكتر من كده
وخصوصا إنك مصدء الحكاية... وعامل فيها سيد السيد
رايحة فين وجايه منين؟؟
طلئني يا يوسف.. متجبرنيش أعمل فضيحة..

يوسف يبتسم بسخرية: فضيحة من أي نوع؟؟

باكينام بتحدي: هأخلعك

يوسف ضحك ضحكة مصطنعة: زريفة أوي يا بت
ثم أكمل بتحدي: لو أنتي ئدها اعمليها.. ليه لأ.. خلينا نتسلى شوي
ونضيع دراستنا علينا وخصوصا أنه لازم ننزل واشنطن بعد تلات أسابيع
لكن بدل ما نكون في واشنطن ندرس
نكون هنا بين المحاكم... والمحاكم حبالها طويلة... وأنا ما يهمنيش بدل السنة أتنين..
ومن ناحية تانية الراجل متهموش الفضيحة.. لكن بنت الدبلوماسي ابن العمدة... ياحرام
هيئولوا عليها إيه؟؟... اتجوزته عرفي في واشنطن..وخلعته لما اتجوزتو رسمي!!!!

باكينام شعرت بألم حاد.. فهو يعرف تماما كيف يمسكها من يدها اللي تؤلمها
ولكنها قالت بهدوء: يوسف أنا عارفة أنك مش طايئني.. والجوازة كلها مش على بالك..
عاوز مني إيه؟؟.. سيبني.. أنا مستحيل أرجع واشنطن وأنا على زمتك
أنت تسليت كفاية... خلاص سيبني..

يوسف بنبرة غامضة وهو يبتعد باتجاه الباب: آه تسليت كفاية صح؟؟
عمو طه راجع بكرة بالليل
خليه يحكي لك حكاية هتعجبك أوي

كان يوسف يصل الباب ويفتحه وباكينام تقول بصوت واثق:
لو ايه ما ئال بابا مش هيغير رأيي

يوسف يغلق الباب وهو يقول لها بتحدي واثق: هتشوفي



************************
يتبع
.
.
يتبعالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مساءات السحر والقصص التي عاشت في مخيلتنا الطفولية
وحكاية السندريلا وحذائها المفقود الذي كان طريقها لسعادة سُلبت منها
دقت الساعة حينها اثنتي عشرة دقة لتعلن انتهاء السحر وعودة السندريلا إلى حقيقتها
الحقيقة التي تقبلها الأمير وهو يلبس قدمها الصغيرة المغبرة البائسة حذائها الكريستالي الثمين
ليعلن فلسفة القصة التي فهمتها منذ طفولتي أنها تحتضن ثلاث حقائق أزلية
الأولى..لابد للظلم من نهاية
والثانية..الإنسان الشفاف الروح سيلاقي دائما جزاء شفافيته سعادة هو يستحقها
والثالثة..الحياة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على كذبة.. فلو كان الأمير تزوج السندريلا في الحفلة دون أن يعرف حقيقتها كانت القصة ستكون مبتورة
ولم يكن ليصبح لها هذا الصدى العالمي رغم بساطة الحبكة


الآن تدق الساعة اثنتي عشرة دقة
الدقة الأولى اشتقت لكم بقدر مابقي في أسى الهجران من أحداث
الدقة الثانية اشتقت لكم بقدر برود مشعل بن محمد قبل مصالحته مع لطيفة
الدقة الثالثة اشتقت لكم بقدر قدرة لطيفة على الاحتواء ومحبتها لمشعل
الدقة الرابعة اشتقت لكم بقدر محبة مشعل بن عبدالله لشقيقاته
الدقة الخامسة اشتقت لكم بقدر عناد هيا قبل زواجها من مشعل
الدقة السادسة اشتقت لكم بقدر عشق فارس للعنود
الدقة السابعة اشتقت لكم بحجم التوجس الذي يحيط بحياة ناصر ومستقبله مع مشاعل
الدقة الثامنة اشتقت لكم بقدر شهامة راكان واختلافه
الدقة التاسعة اشتقت لكم بقدر ألم موضي الذي عانته في حياتها مع حمد
الدقة العاشرة اشتقت لكم بقدر خفة دم معالي وسلطان وطول لسانيهما
الدقة الحادية عشرة اشتقت لكم بقدر ماعاشت الجدة هيا خيبات الفراق ووجعها
الدقة الثانية عشرة اشتقت لكم بقدر كبرياء باكينام وتسلط يوسف
ومعنى كل الدقات يترجم حقيقة واحدة
اشتقت لكم شوقا لا حدود له ولا امتدادات


دقت الساعة.. واُعيد فتح أبواب أسى الهجران
لنعبر مرحلة جديدة مختلفة شديدة العمق.. سيكون لكل كلمة معنى ولكل حدث مدلول!!
وسيتضح فعليا معنى اسم الرواية ومدلولاته المؤجلة
" أسى الهجران"

اليوم جزء طويل جدا بقدر عشر أجزاء من أجزائي السابقة
لذا وحتى يأخذ حقه في القراءة
موعدنا القادم سيكون صباح الأحد الساعة 9 صباحا إن شاء الله
بعدها سأعاود النشر اليومي كل صباح إن شاء الله
أعاننا الله ووفقنا لكل مايحبه ويرضاه
.
.
استلموا الجزء 69
.
.
لا حول ولا قوة إلا بالله
..

أسى الهجران/ الجزء التاسع والستون


على متن طائرة مروحية تابعة للجيش الأردني
تطير بالقرب من مدينة البتراء الأثرية
الساعة 11 صباحا

تطير المروحية في الجو.. تحمل قلوبا مرتاعة ينهشها القلق المسعور بوحشية
تتضخم مساحات القلق وتتضاعف لتلتهم ما بقي من الصبر والتجلد

ذلك الأثير الغالي المتخم برائحتهم وعبقهم.. فارسهم الثمين الموغل بهاءً ورجولةً
على أي حال هو؟؟
كيف قضى ليلته في هذا البرد القارص الجليدي؟!
ما مدى سوء إصابته؟!
هل هي قابلة للعلاج؟!!
مئات الأسئلة الموجعة دارت في أذهان أتعبها السهر والسهد والقلق
أسئلة تنتهك الروح بشراستها وهي تمزق كل الأغلفة لتغوص في العمق

راكان بقلق: زين ليش تأخروا ذا كله مالقوه؟؟

رئيس الفريق بتأثر: يظهر إنه سحب نفسه داخل غار من البرد
عشان كذا الطوافات ماقدرت تشوفه
اللي لقوه الطواقم البرية التابعة للصاعقة لأنهم تتبعوا الأثر على الأرض

فارس بقلق مر: زين أشلون وضعه؟؟

رئيس الفريق بحزن فيه إحساس متعاظم بالندم:
يقولون لقوه واعي.. بس الظاهر عنده إصابة خطيرة

ألم حاد اجتاح روحي فارس وراكان كطوفان مرارة هادر.. ودعوات عميقة تتصاعد في قلب كل منهما أن يكون الأمر بسيطا
أو على أسوأ الاحوال قابل للعلاج.. حتى وإن طالت فترة المعالجة هذه..

لم تستغرق الرحلة عشر دقائق ولكنها بدت عشر سنوات لكل منهما
حرقة وألما ولهفة وقلقا

نزلت الحوامتين العسكرية والطبية معا
والعشرات ينزلون من كل طوافة في مكان صحراوي جبلي كان يتجمهر به الكثير من لابسي لباس الصاعقة الأردنية
الذين لم يحركوه من مكانه خوفا من أي مضاعفات صحية..انتظارا لحضور المساعدة الطبية

راكان وفارس بجسديهما الفارعين استطاعا اختراق الحشود المتجمهرة
حتى وصلا إلى ناصر

كان كل منهما يمني نفسه أن مابه شيئا بسيطا يستطيع ناصر بصلابته وقوة بنيته تجاوزه
ولكن رؤيتهما لوضع ناصر حطمت هذه الآمال بقسوة سادية
وبعثت قشعريرة متوحشة في خلايا كل منهما

كانت ملابسه ممزقة وبه إصابات مختلفة في نواحي جسده
ولكن كل هذا لا يهم.. لا يهم أمام إصابة ساقه اليسار
تمزق اللحم تماما والعظم محطم ومفتت من عدة نواحي ومابقي من الجلد حولها مزرق تماما

كان ناصر يفتح عينا ويغلق الأخرى.. والألم لا يمكن احتماله
لكنه حين رأى راكان وفارس بوجيهما المرتاعين المأساويين
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يقول: عريس جديد وخاطب جديد وش جابهم..
الله يهداكم مافيني شيء.. جايين عانين من الدوحة
الشباب يكفون ويوفون

فارس وراكان لم يستطيعا التكلم بشيء والكلمات تصبح باهتة وتافهة وحقيرة
وأي مواساة أو تشجيع يتسربلان بالضآلة أمام عظم الموقف
ابتعدا مجبرين بصدمتهما الهائلة في وجعها وألمها
والمسعفون يبعدونهما ليبدأوا بإعداد ناصر لنقله



***********************



عمّان/ الأردن
مدينة الحسين الطبية
الساعة 3 عصرا


ناصر في غرفة العمليات
فارس وراكان وفريق ناصر بجميع أفراده كلهم ينتظرون في الخارج

خرج الطبيب وهو يسأل إن كان يوجد أحد من أقاربه
قفز راكان وفارس بقلق
وتوجه الطبيب لهما وهو يقول بهدوء: اتبعوني

الطبيب أخذهما لمكتب قريب ودخل وأغلق الباب وطلب منهما الجلوس
توتر راكان وفارس تصاعد للذروة
الطبيب أنزل كمامه وهو يقول بنبرة مهنية تماما:
أنا حابب أحطكم بالصورة
المصاب خليتو وراي صاحي و أعطى موافقته النهائية

راكان بهدوء متوتر: موافقته على ويش؟؟

الدكتور بهدوء: بتر الساق Transtibial

منذ أن دخل راكان وفارس لمكتب الدكتور وهما يعلمان أن وراءه خبرا مفجعا
ولكن ليس هذا الخبر.. ليس هذا!!!
لـــيــــس هــــــــذا!!!!
لـــــــــــيـــــــس هـــــــــــــــذا؟؟!!!!

كان الاثنان كما لو كانا يقفان بصدريهما العاريين في مواجهة إعصار قادم
يعلمان أن الإعصار قد يقذفهما بعيدا
قد يحملهما ويلقيهما أرضا بكل قسوة
ولكنه لم يخطر ببالهما أن يكون الإعصار محملا بشهبا نارية تخترقهما بكل وحشية
وخبر البتر ينزل على رأسيهما ليخترق الجلد والعظم ثم يذيب اللحم

فارس قفز وهو يقول بحدة وغضب موجعين: مستحيل مستحيل

راكان أشار بيده لفارس أجلس وهو يقول للدكتور وهو يبتلع ريقه وألمه ووجعه وصدمته: مافيه حل ثاني؟؟

الدكتور بنبرة هادئة منطقية: هذا الحل الوحيد وللعلم المصاب وراي هادئ تماما ومتقبل العملية
ولعلمكم أنتو مكان البتر الآن مثالي تماما لأنه في منتصف الساق وأقرب للكاحل
لو تُرك قد تتصاعد الغرغرينا أكثر .. ومادام البتر لم يصل للركبة فالبتر بسيط
أعرف أنو صعب عليكم تقبل الأمر وأنا أقول كلمة بسيط
لأنو ثقافتنا القاصرة ووعينا المحدود تصور أنو فاقد أحد الأطراف بمثابة المعاق
وخصوصا إنو الأخ ناصر بطل سباقات خيل.. لكن أنا أأكد لكم وبمهنية كاملة
وأنا أصلا تخصصي الدقيق في الأطراف الصناعية
أنه ناصر بعد أسبوع واحد من تعوده على الساق الصناعية يستطيع العودة لركوب الخيل بنفس المهارة إن شاء الله... وخصوصا أنه أيمن وليس أيسر
بل يستطيع إن أراد أنو يغير لرياضة أصعب كالسباحة أو حتى تسلق الجبال
ومستحيل حدا لو شافه يمشي أو حتى يركض يعرف إنو عنده ساق صناعية

فارس وراكان صامتان.. فهناك ألم مر متوحش يتصاعد في أرواحهما.. ولكنها روح آل مشعل المقاتلة..
يعلمان تماما أن ناصر يستطيع تجاوز كل هذا ..وإذا كان هو يستطيع فليحاولا هما رغم صعوبة المحاولة..

الدكتور يستكمل حديثه: الأطراف الصناعية الآن تعيش ثورة تطور حقيقية
فالأطراف تصنع من الجبس البلاستيكي المعالج بالألياف البلورية، خفيف جدا ومرن وقادر على التحمل
واحنا هلا بناخذ قياس ساق الأخ ناصر وبنبعثها بالإيميل لأفضل معمل لصنع الأطراف الصناعية اللي بيصنع الأطراف للاعبين الرياضيين
وخلال ثلاثة أيام بتكون واصلة.. وبعد التئام الجراحة يقدر يبدأ يستخدمها
وفيه تعليمات محددة بدي قولها لكم في وقتها

ثم ابتسم الدكتور وهو ينظر لوجهي راكان وفارس المرتاعة:
يا أخوان أكيد أنكم بتعرفوا خالد حسن السباح المصري المعروف
هذا حالته نفس حالة ناصر بتر في الساق اليسرى... بساقه الصناعية عمل إنجاز عالمي ولا قدر عليه حتى أصح الأصحاء
عبر بحر المانش الواصل بين فرنسا وبريطانيا 52 كيلو سباحة في 12 ساعة... تخيلوا معي هذا الانجاز المعجز...
وما بعرف لو كنتو بتعرفو إيمي مولي.. هذي بطلة جري أمريكية.. سيقانها الاثنتين صناعية..
لا وكانت تشتغل عارضة أزياء كمان.. تخيلوا.. بطلة جري وعارضة أزياء برجلين صناعية..
ريان مارتن كان من أفضل لاعبي التنس في العالم وهو بأطراف صناعية..

هادي مجرد نماذج.. ولو بدي أحكي أكتر بأتعب... أنا شايف أنو الاخ ناصر ماشاء الله عليه كثير متقبل..
عنده إيمان وعزم وتصميم.. فلازم أنتو كمان تساعدوه.. هاه شو بتقولو؟؟

فارس صمت وهو يخفض عينيه للأسفل.. فمازال غير قادر على التخيل
عاجز عن تخيل رؤية ناصر بعد العملية بدون ساقه
أي ألم هذا؟!!
أي ألم؟؟
أ يعقل أن هناك ألم كهذا؟!!

راكان بحزم: دام ناصر موافق... توكل على الله
وناصر رجّال طول عمره... وعمر المرجلة ماكانت في يد وإلا رجل
مرجلة الرجّال في رأسه... وأنا أشهد إن أبو محمد رجّال



************************



بعد صلاة العصر

مجلس آل مشعل
مشعل ومشعل أصبح عندهما خبر بما حدث لناصر
وبأن ساقه ستبتر
وأصبحت المهمة الصعبة إبلاغ والديهما
والمهمة الأكثر صعوبة في إبلاغ أم ناصر وشقيقاته وزوجته


كان مشعل بن محمد من اضطلع بالمهمة العسيرة ولكنه قرر أن يقوم بتمهيد مبدئي وألا يخبرهما بخبر البتر بشكل صادم

تنهد بعمق ثم قال: يبه.. يبه عبدالله
عندي شي بأقوله لكم

محمد ألتفت له بهدوء: عسى ماشر؟؟

مشعل بهدوء رغم ألمه العميق: ناصر انصاب في السباق اللي في الأردن
وإن شاء الله إنها بسيطة

عبدالله برعب: وشو؟؟

محمد بذات الهدوء: أشلون بسيطة؟؟ كسر وإلا جروح وإلا أشلون؟؟

مشعل ابتلع ريقه ليقول بذات هدوء الده وطريقته في الكلام: إذا جاء إن شاء الله شفت بروحك

محمد وقف بحدة وهو يقول بغضب: إذا جا؟؟ والله إن وراك علم يا مشيعل
قم روح احجز لي الحين للأردن أول طيارة بتطلع.. أبي أروح الليلة

مشعل بألم: يبه الله يهداك.. أنا أصلا بأروح مافيه داعي تروح... راكان وفارس هناك من فجر
وبأروح أنا ومشعل

عبدالله كان من رد بغضب مضاعف: يعني راكان وفارس هناك من فجر.. وتبي تقول لنا إنها بسيطة
احجز لي مع أبيك الليلة

مشعل بن عبدالله كان من رد على والده وهو يقول بعمق: يبه
مايصير كلنا نروح.. ونخلي البيوت فاضية

عبدالله بغضب: انطق أنت وسميك.. وأنا ومحمد بنروح
بتحجزون لنا.. وإلا أنا بأروح أحجز لنا بروحي ذا الحين

مشعل ومشعل وجدا أنهما الخاسران في هذا الجدال
وأنهما مضطران للبقاء رغم النار التي تستعر في جوف كل منهما
ووجدا أنهما مضطران للانتقال للمرحلة الثانية الأصعب
مشعل بن محمد يبلغ والدته وشقيقتيه
ومشعل بن عبدالله يبلغ مشاعل

مشعل بن محمد باحترام: خلاص ولا يهمكم باروح أحجز لكم
بس خلني أروح لأمي أول وعقب بأطلع السفريات

وتوجها كلاهما لداخل بيت محمد بن مشعل
مشعل بن محمد لداخل البيت
ومشعل بن عبدالله لقسم أخته



**************************



بيت محمد بن مشعل
الصالة الرئيسية
مشعل اتصل بالعنود وطلب منها الحضور
فليس لديه استعداد لتقبل صدماتهن متفرقة

وهاهن الثلاث ينتظرنه وهن قلقات متوجسات من طلبه لهن بهذه الطريقة

العنود تهمس لمريم: مشعل ماقال لش وش يبي؟؟

مريم بذات الهمس: لا والله.. يا الله سترك أنا قلبي ناغزني من البارحة
أمي أشلونها؟؟

العنود تهمس: وجهها معتفس.. يالله سترك

وهما في حوارهما دخل مشعل يحاول التجلد.. أكثر من يهمه والدته
عاجز عن صدمها.. يتمنى لو كان بإمكانه حمل الحزن.. كل الحزن عن قلبها
هو قادر على تحمل الحزن.. ولكن هي أم.. قلبها قلب أم
وآه من قلب الأم!! وألف آه !!

مشعل سلّم ثم جلس جوار أمه .. احتضن يدها وقبلها طويلا
ثم أبقاها بين يديه وهمس بإيمان عميق: يمه.. صح المؤمن مبتلى؟؟

أم مشعل منذ طلب مشعل أن يراها وهي وبناتها وهي تشعر بتوجس مريع
والآن بعد جملته المموهة بدأ رأسها يدور ويدور وقلبها بدأ تمزق حقيقي يحرث خلاياه طولا وعرضا
نزفت كلماتها الموجعة:
من هو منهم؟؟
راكان وإلا ناصر؟؟؟
ثم صمتت للحظة وهمست بألم أكبر: حي يرجى وإلاَّ ميت يبكى؟؟

مشعل باستنكار رقيق: إلا إن شاء الله حي.. حي.. والثنين جايينا قريب ومافيهم إلا العافية
بس ناصر فيه عوار.. بسيطن إن شاء الله

أم مشعل بألم متوحش ودموعها بدأت تسيل بصمت لتغرق برقعها: وجهك ما يقول بسيط يأمك
الحمدلله على كل حال.. لا سلم لي رأسه ما أبغي شيء...
ما أبغي إلا شوفت وجهه

مشعل بهدوء حذر: وإن شاء الله إنش بتشوفين وجهه
وأي شيء ثاني هو ابتلاء من رب العالمين.. والمؤمن الصابر عند الله خير

العنود ومريم كانتا مفجوعتان تماما.. فهما كانتا متأكدتان أن ما بناصر أمرا جللا
وإلا ما كان مشعل جمعهن بهذه الطريقة.. والعنود تنقل لمريم أن وجهه يبدو عليه الكثير من الألم والأسى
ولكنهما صمتتا.. بما أن والدتهما تقبلت مبدئيا الخبر وتصبرت
فهما لا تريدان فجعها بالاستفسارات من مشعل أمامها

مشعل وقف.. حين وصل للباب نادى العنود
العنود باحترام مغلف بالحزن: لبيه فديتك

مشعل بهدوء: العنود دام فارس عند ناصر.. أبيش ترخصين من أم فارس
وتجين تقعدين عند أمي لين يرجعون الشباب من الأردن

العنود بصدمة: فارس عند ناصر؟؟

مشعل هز رأسه وخرج
وشعوران يتصاعدان في روح العنود
قلق مرعب على ناصر لأنها تعلم أن ذهاب فارس إليه بهذه الصورة المفاجئة ليس إلا لأن إصابته خطيرة
وغضب كاسح على فارس لأنه أخفى عليها سبب سفره الفعلي وإصابة ناصر

ولكنها عادت للجلوس بجوار والدتها
التي وقفت وقالت بجمود: أنا بأروح لحجرتي
ما أبي حد منكم يجيني

العنود برجاء: بس يمه....

لم تسمح لها أم مشعل بإكمال جملتها وهي تنسحب.. تنسحب لتهرب بأحزانها
لتدعو ربها ألا يفجعها.. ويعيده لها ولأحضانها
قد يقولون عندها ثلاثة أبناء.. لو مهما حدث لواحد
تبقى اثنان يعوضانها الوجع والألم
ويا جهل من يقول ذلك!! يا جهله!!
قد يكونون عشرة.. وكأنهم واحد
كل واحد منهم لفراقه ألم يمزق نياط القلب
ولألمه وجعا لا يشعر به أحدا مثلها
ولوجعه في روحها امتدادات السماء ورحابة الأرض



***************************



ذات الوقت
بيت ناصر
بيت الزوجية الـمُفترض

مشعل يصل لمشاعل
مشاعل لم تغادر بيتها مطلقا منذ مجيء مشعل لها صباحا
وهاهو يعود لها بعد ساعات
فأي خبر جديد يحمل؟؟
بل أي خبر مفجع؟؟

كان وجهها متورما من البكاء.. وعيناها ذابلتان
منذ غادرها مشعل وهي تبكي

مشعل جلس جوارها واحتضنها
عادت للبكاء على صدره.. بكاء خافتا موجعا ..مشعل احتضنها وهو يقول بحنان: مشاعل يا قلبي أنتي إنسانة مؤمنة ومصلية
واللي تسوينه في روحش غلط...ليش ذا البكاء كله؟؟؟

مشاعل همست بألم ورأسها مختبئ في صدر شقيقها:
تكفى مشعل قل لي أنه حي بس..
ما أبي شيء ثاني.. والله ما أبي شيء ثاني
تكفى لا تفجعني

مشعل بنبرة خاصة مشبعة بالحزن: أكيد إنش ما تبين شيء ثاني وحياته تكفيش؟؟

مشاعل رفعت رأسها وهي تقول بثقة رقيقة:
والله ما أبي شيء.. أبيه حي وبس

مشعل ابتسم ابتسامة باهتة: وهو إن شاء الله حي.. وجعل عمره طويل

مشاعل ابتسمت وهي تمسح دموعها بطريقة طفولية وتقول بفرح مؤلم:
صدق؟؟ صدق؟؟

مشعل أمسك يدها وهو يقول بحزم رقيق: بس أنتي ماسمعتي باقي كلامي
أنا باقول لش شيء أبيه بيننا
وما أبيش تقولينه لأحد... وأنا اقوله لش.. عشان أدري إن الموضوع بيوجعش
و أبيش تأقلمين مع الفكرة لين يجي ناصر
وما أبيش تفشلينا في ناصر.. ناصر رجّال وطول عمره رجّال
واللي بيصير له ما ينقص من مرجلته.. لكنه يزيدها
لأن المحن والاختبارات هي اللي تحك الرجّال.. وتظهر عزمه
وأنا أشهد إنه رجّال.. موقفه يحتاج شجاعة أنا أشهد إن غيره عاجز عنها
لكنه تقبلها واحتسب أجره عند رب العالمين

مشاعل قاطعت سيل كلام مشعل وهي تهمس بحزم غريب عليها وعلى شخصيتها:
مشعل ليش ذا المقدمات كلها؟؟
وش اللي صار لناصر؟؟... صار عاجز؟؟ مقعد؟؟
أنا قلت لك أبيه حي
أي شيء ثاني ما يهمني

مشعل بحزن عميق: ولا حتى بتر ساقه؟؟

مشاعل شهقت بعمق وبرعب صميميين
والفكرة تتجسد أمامها بأكثر صورها بشاعة وألما
ولكنها حاولت التماسك وهي تهمس.. ودموعها تسيل بصمت موجع:
ولا حتى بتر ساقه.. الحمدلله على سلامة رأسه..
اللهم لك ألف حمد وشكر



*********************



مدينة الحسين الطبية
عمّان/ الأردن
ذات اليوم ليلا

غرفة ناصر

عبدالله ومحمد وصلا من الدوحة وطلبا من سيارة الأجرة أن تأخذهما للمستشفى فورا
وهاهم أربعة من عمالقة آل مشعل يجلسون في انتظار إفاقة العملاق الخامس من أثار التخدير..

محمد كان أقربهم لسريره.. وهو يلصق مقعده بقرب رأس ناصر.. بداخله ألم لا حدود له
فمهما كبر ناصر وطال.. فهو يبقى في نظره ابنه الصغير
هاهي عيناه تجولان بكل الوجع بوجهه المليء بالخدوش واللصقات الصغيرة
بيديه الملفوفتان بالشاش.. فهو كان يحاول تخليص ساقه من الركاب
ورفع جسده عن الأرض حتى لا يتمزق ظهره وثيندر يسحبه
لذا احتملت يداه الكثير من الألم

(أي ألم تحملت يا بني؟!!
أي ألم؟!!
ليتني استطعت أن أحمل بعضا من ألمك
ليتني أنا من بُترت ساقه
أنا شيخ عجوز.. عشت حياتي طولا وعرضا
ماعاد لي بهذه الحياة حاجة
ولكن أنت للتو تتذوق هذه الحياة
للتو تفتح لك أبوابها!!
ماكان همني والله أن أهبك ساقاي ويداي جميعها وتبقى ساقك لك
إلهي لا تؤاخذني
ليس اعتراضا على حكمك.. اللهم لك الحمد والشكر على كل حال
ولكني أب مفجوع.. أفرغ بعضا من حزني وألمي وفجيعتي
فلا تؤاخذني بحديثي مع نفسي
لا تؤاخذني على وجعي وبثي)

عبدالله وراكان وفارس يجلسان على ثلاثة كراسي متجاورة قريبا من محمد
وعبدالله يستفسر منهما كيف حدث ماحدث؟؟
ومتى وصلا؟؟ ومتى وجدا ناصر؟؟


بعد دقائق.. حشرجة خافتة صدرت من ناصر
الأربعة كلهم وقفوا معا وهو يحيطون بسرير ناصر
محمد بحنان مصفى مختلط بنبرته الحازمة الطبيعية: الحمدلله على سلامتك يأبيك
تبي شي؟؟؟

ناصر بصوت متقطع ناتج عن جفاف ريقه: ماي..

فارس يمد يده لزجاجة ماء ويفتحها
وراكان يهمس له: لا تسقيه واجد.. بِل ريقه بس..

فارس يدخل يده تحت كتفي ناصر ويقعده ويسقيه القليل
ناصر يهمس: بعد أبي ماي..

راكان همس له بأخوية: بعد شوي.. مايصير تشرب ماي ورا بعض

ناصر عاد لإغلاق عينيه وهو يغيب عن الوعي مرة أخرى

محمد بقلق: وش فيه رجع يرقد؟؟

راكان باحترام: يبه لا تحاتي.. من تاثير البنج.. بعد شوي بنصحيه ونسقيه



*****************************



القاهرة
حوالي الساعة العاشرة مساء

باكينام تعود للبيت
ومعها جدتاها صفية وفيكتوريا

يدخلن جميعا وضحكاتهن تتعالى

صفية بمرح: أمّا أنتي بت باكينام أنا مبسوطة منك كتير
عرق تركي عندك تمام.. كنتي هتعملي الواد كفتة

باكينام تضحك: عرق تركي ثم تكمل بالانجليزية: وعرق إيرلندي
كيف يجرؤ ذلك التافه أن يعاكس أجمل أميرتين تركية وإيرلندية وهما في ضيافة مصرية
ثم قالت بالعربية: أكيد كان بيعاكسك يا أنّا.. أنتي أحلى وحدة فينا

الحوار كان يدور عند المدخل دون أن تنتبهن إن كان أحد موجودا

أنا صفية تضحك: خشى في عبي زي ما بتئولوا يا مصريين.. ئال يعاكسني ئال
الواد كان بائي يعيط عاوزك تاخدي نمرته وأنتي نازلة فيه شتيمة وهو لا همو
فين واد يوسف عنو؟؟

(يوسف ئاعد هنا بيستناكم)
صوت عميق ممتلئ بغضب مكتوم

كان يوسف يجلس في الصالة المفتوحة على المدخل مع سوزان
باديا على محياه غضب كبير يحاول كتمانه

باكينام شعرت بتوتر غير مفهوم
فهي أغلقت هاتفها بعد أن أتصل بها يوسف أكثر من مرة ولكنها لم ترد عليه
ولكن هذا لم يمنعها من الوقوف بثقة وهي ترسل له نظرات تحدي

سوزان نهضت وهمست بكلمة في أذن والدتها ثم في أذن حماتها
وسحبت الاثنتين معها
فهي تعلم أن يوسف غاضب لإغلاق باكينام هاتفها
وتعلم أنه لابد سيعاتبها.. لذا تريد تركهما لوحدهما

يوسف مازال جالسا
وباكينام مازالت واقفة بين المدخل والصالة
تحركت بإتجاه الدرج وهي تقول ليوسف بثقة:
تصبح على خير أستاذ يوسف
سلّم على تانت منال

(باكينام ..تعالي هنا)
وصلها صوته واثقا غاضبا لينشر قشعريرة باردة في كل خلاياها
ولكنها لم تتوقف وهي تصل للدرج لتتفاجأ بيد قوية تمسك عضدها
وتوقفها وتلفها لتجد نفسها وجها لوجه أمامه
باكينام من بين أسنانها: سيب إيدي يوسف

أفلت عضدها ولكنه أمسك بذارعها بقوة وهو يشدها ويثبت ذراعها على صدره وهو يعتصرها بقوة ويقول بغضب:
ئافلة تلفونك ليه؟؟ وأزاي تخرجي بدون ازني؟؟
وليه لما فيه حد ضايقكم ما اتصلتيش ليا؟؟

باكينام بألم: يوسف سيب إيدي.. هتكسرها

يوسف أفلت يدها وباكينام تنفض يدها وتمسك المكان الذي ألمها بالفعل من اعتصاره لذراعها وهي تقول بسخرية:
أنا عاوزة أعرف أستاز جامعة إيه اللي بيتعامل بالأسلوب الهمجي ده؟؟
سبت إيه للجهلة اللي عايشين في القرون الوسطى؟؟

يوسف بذات سخريتها: كل واحد يتعامل زي مايفهم
أنتي وحدة ما ينفعش معاكي الزوء... لازم الواحد يكون عنيف معاكي عشان تفهمي

باكينام بغضب: أنا مش حيوان عشان تعاملني بالعنف أو غيرو
ثم تنهدت وهي تقول: وعلى العموم.. الحكاية النكتة دي طالت أوي
ولازم ننهيها... على الأقل يوسف احترم أنو فيه صحوبية بين أهلنا
بلاش نستمر في المهزلة دي أكتر من كده
وخصوصا إنك مصدء الحكاية... وعامل فيها سيد السيد
رايحة فين وجايه منين؟؟
طلئني يا يوسف.. متجبرنيش أعمل فضيحة..

يوسف يبتسم بسخرية: فضيحة من أي نوع؟؟

باكينام بتحدي: هأخلعك

يوسف ضحك ضحكة مصطنعة: زريفة أوي يا بت
ثم أكمل بتحدي: لو أنتي ئدها اعمليها.. ليه لأ.. خلينا نتسلى شوي
ونضيع دراستنا علينا وخصوصا أنه لازم ننزل واشنطن بعد تلات أسابيع
لكن بدل ما نكون في واشنطن ندرس
نكون هنا بين المحاكم... والمحاكم حبالها طويلة... وأنا ما يهمنيش بدل السنة أتنين..
ومن ناحية تانية الراجل متهموش الفضيحة.. لكن بنت الدبلوماسي ابن العمدة... ياحرام
هيئولوا عليها إيه؟؟... اتجوزته عرفي في واشنطن..وخلعته لما اتجوزتو رسمي!!!!

باكينام شعرت بألم حاد.. فهو يعرف تماما كيف يمسكها من يدها اللي تؤلمها
ولكنها قالت بهدوء: يوسف أنا عارفة أنك مش طايئني.. والجوازة كلها مش على بالك..
عاوز مني إيه؟؟.. سيبني.. أنا مستحيل أرجع واشنطن وأنا على زمتك
أنت تسليت كفاية... خلاص سيبني..

يوسف بنبرة غامضة وهو يبتعد باتجاه الباب: آه تسليت كفاية صح؟؟
عمو طه راجع بكرة بالليل
خليه يحكي لك حكاية هتعجبك أوي

كان يوسف يصل الباب ويفتحه وباكينام تقول بصوت واثق:
لو ايه ما ئال بابا مش هيغير رأيي

يوسف يغلق الباب وهو يقول لها بتحدي واثق: هتشوفي



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close