رواية مهمة زواج الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم دعاء فؤاد
أُحبُك من بعيدٍ دونَ ذنوب
لا أعلمُ لِما قلبي عن حبِك لا يَتوب
بالرغم من أنني أحوض مع نفسي حروب
و أنني بِكلِ لحظةٍ من الاشتياقِ أذوب
إلا أنَّ روحي بِجانبِ روحِكَ تَجوب
+
عاد معتصم الى القاهرة بسيارته الخاصة، و قد قام بتوصيل صافية الى منزل شقيقته عائشة و انصرف مغادرا الى شركته بعدما أوصاها عليها.
كان معتصم يحمل حقيبة اللاب توب في يده حين كان يعبر من بوابة الاستقبال الخاصة بالشركة مرتديا بدلة رسمية سوداء و نظارة شمس تحيطه هيبة من الوقار.
وقف موظف الأمن احتراما له ليقف فجأة قبل أن يصل الى المصعد بعدما ناداه أحد موظفي الاستقبال:
ـــ معتصم باشا..
التفت ينظر له باستفهام فاسترسل الموظف باحترام:
ـــ الأستاذ دا جايب ظرف لنرمين هانم و بيسأل على مكتب السكرتيرة بتاعتها... ممكن حضرتك تاخده معاك في الأسانسير؟!
هز رأسه بموافقة فتتبعه الرجل و ترجل معه المصعد فسأله معتصم و هو يصغط على رقم الطابق:
ـــ حضرتك مندوب توزيع؟!
ـــ لأ يافندم...انا جاي من طرف حسين باشا صاحب معرض الحسين للسيارات.. باعتني بعقد العربية اللي نرمين هانم اشترتها امبارح.
هز رأسه بإيماءة و هو يفكر باستغراب لما ستشتري نرمين سيارة جديدة و هل ستشتريها دون أن تخبره؟!... و لكنه أضمر شيئا في نفسه.
حين وصل معتصم لطابقه قال:
ـــ مكتب نرمين هانم في الدور اللي فوق دا علطول.. و السكرتيرة اسمها مروة... ممكن لو ملقيتش مدام نرمين تسيبهولها و هي لما تيجي هتسلمهولها
أومأ الرجل بابتسامة ممتنة:
ـــ متشكر جدا يافندم..
أماء معتصم ثم توجه مباشرة الى مكتبه و ألقى حقييته و معها نظارته على سطح المكتب و هو مازال يفكر بفعلة نرمين التي أخفتها عنه.
وقف خلف النافذة الزحاجية يراقب الطريق و حين رأى ذلك الرجل يخرج من الشركة أسرع بالاتصال بمروة سكرتيرة نرمين لترد عليه بعد ثواني فيقول لها بنبرة صارمة:
ـــ مروة.. حسين صاحب معرض العربيات بعتلي ظرف فيه عقد عربية.. ابعتهولي حالا.
ـــ يافندم الظرف جاي باسم مدام نرمين.
ـــ أيوة بعته بالغلط... حصل لبس و كان فاكر ان نرمين اللي اشترت العربية... حالا تنزليلي العقد.
ـــ تمام يافندم.. ثواني و هكون عند حضرتك.
ـــ نرمين وصلت؟!
ـــ لأ لسة يافندم.
ـــ تمام متتأخريش.
بعد حوالي خمس دقائق كان الظرف على مكتب معتصم و بين يديه، و بمجرد أن خرجت مروة من المكتب قام بفتح الظرف و قرأ العقد ليجد أن اسم المشتري ليس نرمين و إنما كانت لشخص يدعى راغب كما أن الفاتورة الملحقة بالعقد باسم نرمين... إذن نرمين اشترت تلك السيارة الباهظة الثمن لذلك الشخص الغريب... لذلك أخفت عنه ذلك الأمر..
بدأت الشكوك تساوره و نيران الغضب تشتعل بصدره... هل قامت بالتعرف على رجل غيره و هي مازالت في شهور العدة... و الأدهى من ذلك تشتري له سيارة باهظة الثمن من آخر طراز؟!
هل جنت هذه أم ماذا؟!
نقح عليه عرقه الصعيدي و قام على الفور باستدعاء هشام و أعطاه العقد ليطلع عليه، الأمر الذي أيضا أثار شكوك هشام فقال معتصم بحدة:
ـــ هشام الراجل دا عايز أعرف عنه كل حاجة.. عرفها ازاي و بيشتغل ايه و علاقته ايه بيها بالظبط.. و ازاي قدر يستغلها بالطريقة دي... معاك رقم بطاقته و تليفونه مكتوبين في العقد... في خلال كام ساعة تكون جبتلي الراجل دا بأي طريقة.. عايزك لما توصله تستدرجه لمصنع ستة اكتوبر و اول ما تجيبوه هناك كلمني و هكون عندك في خلال ربع ساعة... تمام؟!
اومأ بموافقة:
ـــ حاضر يا معتصم... ربنا يقدرني و هحاول اوصله في أسرع وقت.
ـــ ضروري يا هشام تخلص الحكاية دي النهاردة... انا في نار جوايا و مش هتنطفي غير لما اوصل للحيوان دا.
ـــ ماشي انا هخرج حالا ابعت بطاقته لواحد حبيبي في السجل يجبلي كل بياناته و لما اعرف هو بيشتغل ايه هكلمه على اساس اني عميل و عايزه في شغل و هحاول اجرجره و اجيبهولك ع المصنع.
أومأ بامتنان:
ـــ هعتمد على الله و عليك يا اتش.
ـــ حبيبي يا عصوم انت تؤمر.
انصرف هشام تاركا صهره يفرك كفيه و هو يفكر و يتوقع و يرسم قصصا في خياله عن علاقة نرمين بذلك الرجل الى أن صرف عقله قليلا عن ذلك الأمر حتى يأتيه هشام بالخبر اليقين و استكمل باقي أعماله و اجتماعاته.
+
أتت نرمين لاحقا و قد نسيت مروة أمر ذلك العقد تماما و كذلك ظنت نرمين أن صاحب المعرض لم يرسله بعد او قد ربما يرسله في الغد.
+
انقضى النهار سريعا حين اتصل هشام بمعتصم و حين رد عليه قال ببسمة انتصار:
ـــ تمت المهمة بنجاح يا عصوم.
ـــ احجزه عندك في المخازن يا هشام.. ربع ساعة و هكون عندك
ـــ حصل يا باشا... و مربطينه كمان و معانا البودي جارد عشان لو لزم الأمر و اضطرينا نستعمل معاه العنف.
ـــ و أنا روحت فين... انا هعرف اجيب قراره كويس اوي.
ـــ و توسخ ايدك ليه يا عصوم؟!... تعالى بس و بعدين هنشوف.
ـــ تمام.. سلام.
هبط معتصم عبر المصعد الى الطابق السفلي و منه الى سيارته استقلها و قادها على أقصى سرعة الى أن وصل الى المخزن المحتجز به راغب.
كان راغب مقيد بالأغلال على كرسي متين و هو في حالة من الذهول.. لا يدري من الذي أتى به الى ذلك المكان و ما سبب وجوده..
و حين أقبل عليه معتصم و ملامحه لا تنذر بالخير عرفه على الفور، فدب الرعب في أوصاله و أيقن أنه هالك لا محالة... فيبدو أنه اكتشف أمره.. و لكن ترى كيف اكتشفه؟!
صُعق معتصم حين وجده شابا يافعا لا يتخطى الثلاثين حتى.... فهل نرمين مغرمة بمن هم أصغر منها بعشرات السنوات؟!
ـــ انت مين يلا و تعرف نرمين منين؟!
رد بنبرة مرتعشة:
ـــ نـ نرمين مين بس يا باشا؟!
صفعه بكفه صفعة قوية ثم زمجر به بشدة:
ـــ انت هنا مش في نيابة يا روح امك.. و ان مقولتش على اللي عندك كله يبقى قول على روحك يا رحمن يا رحيم.
رد و هو يبتلع ريقه بصعوبة:
ـــ يا باشا فهمني بس انت عايز تعرف ايه؟!
رد بصوت كالفحيح:
ـــ كل حاجة..اتعرفت على نرمين امتى و فين و ازاي؟!.. و ايه اللي يخليها تشتريلك عربية اخر موديل تمنها مليون جنيه؟!.. ماسك عليها ايه يلا انطق.
يبدو أنه لا مفر من الاعتراف و إلا سيكسر عظامه، و قد أدرك ذلك جيدا حين نظر لذلك الرجل العملاق الذي يقف خلف معتصم متأهبا لأمر الهجوم في أي لحظة، فأخذ يبتلع ريقه بصعوبة ثم قال بخوف:
ـــ هقولك يا باشا بس تطلعني من هنا سليم... و وعد مش هتشوف وشي تاني ولا هتعرض لسيادتك في أي حاجة.
رد معتصم بنبرة مخيفة:
ـــ لما اعرف الأول انت نيلت ايه و بعد كدا هقرر.
+
نظر له راغب برعب ثم التقط نفسا عميقا و بعدها بدأ يسرد له طريقة تعرفه على نرمين عبر شقيقها نادر و ما أسدى لها من خدمات و مساعدتها في تهكير هاتفه و هاتف ريم و كيف أنها قامت باستغلال ذلك في التفريق بينهما، و لكنه لم يتطرق الى استئجار السيدتان اللتين قامتا بالتهجم عليها حتى لا يزداد غضبه عليه، و أمر ذلك الفيديو الذي تم تصويره بين معتصم و نرمين حين كان مغيبا عن الوعي..
كان يستمع و هو في حالة من الذهول... كيف لتلك الأفعى أن يصل تفكيرها لهذا المستوى من الشر.. لقد ظن أنها قد استسلمت للأمر الواقع في مقابل بقائها بجواره كما طلبت منه في بادئ الأمر.. و لكنها كانت تضمر شرا وفيرا و تخطط و تنفذ و هو لا يدري.
+
أطلعه راغب على رسائل نرمين و مكالماتها المسجلة بينهما و مكالماتها لريم أيضا، فقد قام راغب بتهكير هاتف نرمين تحسبا لأي غدر منها و حتى يضغط على نقاط ضعفها كما يشاء.
انكشفت كل الأوراق أمام معتصم و اصبح كل شيئ واضح أمامه، و اكتشف الآن أن ريم لم تكذب عليه تماما كما كان يشعر طيلة الوقت، فقد كانت مشاعره تجاهها دوما صادقة، و أنها ابتعدت عنه حين ظنت أنه كذب عليها بادعائه بأنه لن يعود لنرمين و في ذات الليلة ينام بين أحضانها... تلك الملعونة نفذت الخطة و أحبكتها حبكة محكمة حتى وصلت لما أرادت.
لقد جعلت كل منهما كاذبا مخادعا في نظر الآخر و بمنتهى السهولة.
ـــ هتعمل ايه يا معتصم؟!
كان ذلك صوت هشام الذي انتزعه من صدمته و دوامة استنتاجاته.
نظر له بتفكير ثم نظر لذلك المذعور قائلا بنبرة مخيفة:
ـــ اسمع يلا.. زي ما ساعدتها في مراقبتي هتساعدني في مراقبتها و هتهكرلي موبايلها و كل حساباتها... عايز اكون انا المتحكم في كل حساباتها حتى حسابتها البنكية.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال برجاء:
ـــ يا باشا اهكر موبايل اه بس حساب بنكي مش شغلتي.
رد بانفعال:
ـــ اتصرف... لو عايز تخرج من هنا على رجليك اعمل اللي بقوله بالحرف.
ـــ حـ حاضر يا باشا.. هشوف حد من معارفي يساعدني.. حـ حاضر..
ـــ و لو فكرت تغدر او تهرب هعرف ازاي أجيبك.. لاني ببساطة هعين واحد يراقبك زي ضلك.. و اي حركة كدا ولا كدا هيجيبك من قفاك و مش هيكون فيها سماح... انت فاهم..
رفع يديه أمام وجهه بخوف و هو يرتد للخلف قليلا متمتما:
ـــ فاهم... فاهم يا باشا.
نظر للحارس الضخم قائلا:
ـــ خليه مرمي هنا لحد ما اقولك سيبه يمشي..
و عينك متغفلش عنه
أومأ الحارس بإذعان ثم أخذ معتصم هشام و خرجا من المكان، و ركبا سويا السيارة و بمجرد أن تحرك بها معتصم تحدث الى صاحبه:
ـــ هشام.. هتاخد العقد و الفاتورة و تحطهم في ظرف جديد و مقفول كويس.. و كنت كلمت المحامي يعملي توكيل عام من نرمين ليا بس هي طبعاً متعرفش و لسة موقعتش عليه.. عايزك تحطها في خانة اليك و تمضي ع التوكيل من غير ما تاخد بالها.
قطب مابين حاجبيه بتفكير متسائلا:
ـــ و دي هعملها ازاي يا معتصم؟!
ـــ لما تدخل عليها بعقد العربية هتخاف تكون فتحته و اكتشفت لعبتها و هترتبك و تتلغبط.. و في عز لغبطتها هتحط التوكيل في وسط شوية ورق و تمضيها عليهم كلهم.. طبعاً من ارتباكها و خوفها مش هتركز هي بتمضي على ايه اصلا.
ـــ طاب هقولها ايه على الظرف دا.
ـــ هتقولها ان مندوب المعرض قابلك و سألك على مكتبها و انت قولتله انك طالعلها و أخدت منه الظرف عشان توصلوهولها.
استرسل معتصم بمكر:
ـــ عايزك توترها و تسألها كتير عن الظرف و بكدا هتمضي بسرعة عشان تخلص منك و تخرج و تسيبها.
رمقه هشام بذهول ليقول باعجاب:
ـــ يخربيت دماغك يا عصوم.. ايه يابني الدماغ دي؟!
+
ـــ دي أقل حاجة اعملها فيها نظير اللي عملته فيا انا و ريم... و رحمة ابويا و غلاوة أمي عندي مش هخلي حيلتها حاجة.. هشام بكرة الصبح تكون انجزت المهمة دي.. عايز بكرة ألاقي التوكيل متوقع عليه منها و موجود على مكتبي.
ـــ بسيطة ان شاء الله يا عصوم...... طاب و ريم؟!.. هتعمل معاها ايه.
تنهد معتصم بعمق و هو يقود ناظرا أمامه الى الطريق ثم قال و يخالجه شعور بالعجز و اليأس:
ـــ مش عارف.. هي دلوقتي مخطوبة و أكيد بعد الفيديو اللي شافته دا كرهتني و مش طايقة تشوف وشي.
ـــ بصراحة ليها حق... نرمين لعبتها صح.
رد بغضب بالغ و هو يعتصر المقود بيديه:
ـــ مش عايز اسمع اسمها تاني يا هشام.. سيرتها بقت بتعصبني.
قام بتوصيل هشام الى منزله ثم أدار سيارته و اتخذ طريقه الى شقته.
بمجرّد أن دلف شقته أتاه اتصال من عمر لينظر الى اسمه باستغراب، لقد نسي أمره تماما.. كما أنه نسي أن يُعفيه من مهمته بعدما افترق عن ريم الى أجل غير مسمى، و لكنه فتح الخط يجيبه بترقب، و بعدما تبادلا التحية قال عمر بحزن:
ـــ معتصم باشا.. يؤسفني اني اقولك اني عرفت ان الدكتورة ريم طبعت دعوات فرحها.. و الفرح هيكون الخميس الجاي في فندق الفورسيزون.
سكت معتصم مصدوما يحاول استيعاب ما سمعه للتو، حتى أن عمر ظن أن الاتصال قد انقطع
ـــ ألو.. معتصم باشا..
رد أخيرا بنبرة مهزومة:
ـــ عرفت ازاي؟!
ـــ يافندم ما انا متابع الدكتورة و مصاحب افراد الأمن اللي على بوابة الاسقبال و هما اللي قالولي انهم معزومين على فرح الدكتورة الخميس الجاي زي ما قولت لحضرتك... و كمان..
سكت عمر قليلا فحثه معتصم على التحدث، ليحمحم قائلا:
ـــ كتب الكتاب كان النهاردة.
بُهت معتصم و تجهمت ملامحه بصدمة كادت أن تودي بحياته، إذن كُتبت على اسم رجل آخر..... أصبحت ملكا لغيره.. ضاعت حبيبته من بين يديه و لا أمل في العودة.. أُغلقت كل الطرق المؤدية اليها..
أغلق عمر الاتصال حين سكت معتصم تماما مُشفقا على قلبه الجريح، بينما معتصم جلس على أقرب كرسي خلفه بعدما تخدرت حواسه من الصدمة، و أصبحت قدماه كالهلام غير قادرتان على حمله.
آلمه قلبه كثيراً و كأنه طُعن لتوه بسكين تلمة، لقد ذبحته حبيبته بلا شفقة... أخذ جسده يتصبب عرقا و ينتفض غير مصدقا ما حدث و كأنه مذبوح و روحه تستعد لمغادرة جسده.
بقي على ذلك الوضع لوقت لم يعلم مدته، الى أن عاد قليلا الى رشده و بدأ في لملمة شتات نفسه، فتوجه الى المرحاض يأخذ حماما باردا رغم برودة الجو، ليقف أسفل الماء الجاري البارد لوقت طويل و هو يتنفس بوتيرة سريعة و ملامحه متجعدة بحزن قاتل الى أن خرج أخيراً من المرحاض و استلقى على الفراش و هو يرتدي شورت قصير فقط، فقد أفقدته صدمته شعوره ببرودة الجو و أيضاً احساسه بالوقت.
توالت الذكريات على عقله و كأنه شريط سينيمائي يُعرض أمام عينيه، يشعر بحنين جارف تجاهها خاصة بعدما عرف بالمكيدة التي حاكتها نرمين للتفريق بينهما، لقد كان قاب قوسين او أدنى من عودتها له لولا ما فعلته تلك الأفعى، انما الآن... و كأنه فقد قطعة غالية من قلبه... و كأن روحه غادرت جسده... لو اكتشف ما عرفه اليوم من يومين أو بالأمس فقط؟!... ربما تغيرت الأقدار...
خانته دمعة فرت من جانب عينه أزالها سريعا، فالبكاء كالنساء ليس من شأنه ثم نهض يبحث عن قرص منوم لينام ربما يهرب من تلك المشاعر القاتلة، الى أن وجد شريط التقط منه قرصين تجرعهما بشربة ماء ثم اعتدل بفراشه متخذا وضعية النوم محاولا عدم التفكير او الاحساس بأي شيئ الى أن نام كيف و متى لا يدري....
3
أما في الجهة الأخرى
انقضت مراسم عقد القران بين خالد و ريم و تلقى العروسان التهاني و التبريكات من الضيوف.
ترك لهما أدهم المجال لكي ينفردا ببعضهما سويا احتفالا بعقد القران فتركهما بالصالون و اخذ يودع الضيوف هو و والدته بينما ندى أشغلت حالها بالتنظيف مع وفاء حتى لا تصطدم بنظرات زوجها الجريح.
+
كانت ريم تجلس و هي تفرك كفيها بتوتر بالغ، تستغرب ذلك الشعور الذي يداهمها، أبداً لم تواتيها تلك المشاعر السلبية حين كانت مع معتصم ولا حتى في المرة الأخيرة و هي في أقصى درجات غضبها منه.
تشعر بغربة مع ذلك الذي من المفترض أنه أصبح زوجها... حلالها.
و على النقيض تماما كان خالد و كأنه يُحلق في السماء من فرط السعادة حتى أنه أغلق الباب ثم جذبها من وضع الجلوس لتقف قبالته بخجل فأطبق عليها بحنين جارف و كأنه انتظر تلك اللحظة طويلا، و كأنه قد حصل على الدنيا بأكملها بين يديه.
حاولت ريم أن تبادله العناق، و لكنه كان عناقا باردا لا يُمثل لها أي شيئ، بدأ قلبها يقارن بين ذلك العناق و عناق معتصم لها رغم قسوة المواقف التي عانقها لأجلها، إلا أن حضنه دافئا مفعما بالحنان و الأمان.
+
أخذت تستغفر ربها من تلك الأفكار التي داهمتها، فهي الآن بين ذراعي زوجها و لا يجوز لها أن تفكر في غيره.
+
ـــ أخيراً يا ريم بقيتي ملكي... مش قادر اقولك انا استنيت اللحظة دي قد ايه... الحمد لله يا حبيبتي ان ربنا حققلي أمنيتي و كافئني بيكي يا أحلى ما رأت عيني.
حاولت نطق أي كلمة تبادله بها مشاعره إلا أن لسانها أبى أن يطيعها، فقامت بالتشديد من عناقها له، فإن كان لسانها يأبى الكذب فليكذب جسدها الى أن تعتاده، ربما يُصبح أحب الى قلبها من أي شخص كما سمعت كثيرا من قبل...." الحب يأتي بعد الزواج".
ظن خالد أنها خجلى لذلك لم ترد عليه، بل ردت بعناقا قويا جعل السعادة تتضاعف بقلبه أضعافا و الابتسامة تتسع أكثر و أكثر حتى أنه لم يستطع اخراجها من حضنه و طال العناق لدقائق طويلة مرت عليه كاللحظات بينما مرت على ريم أمدا طويلا.
+
مرت الليلة ثقيلة على المحبين... معتصم.. ريم.. أدهم.. ندى...
فقد نامت ندى بغرفة أدهم حتى لا تلاحظ أمه افتراقهما، و الحق أنها لا تريد مفارقته، فلم يعد سوى أيام قلائل و تفترق عنه للأبد.
كان ينام بالفراش بينما هي تنام على الأريكة الى أن يغط في النوم ثم تنتقل لتنام بجواره و تحتضنه بقوة و كأنه حضن الوداع، و تستيقظ قبله لتنام بالأريكة بعد صلاة الفجر حتى لا يشعر بتناقضها معه.
+
بينما ريم لم تستطع النوم... لا تدري ماذا تريد من نفسها.. ما سبب ذلك التشوش الذي غلب عقلها و تفكيرها... عليها أن تمحو معتصم من ذاكرتها.. كلامه.. نظراته.. شكله.. عناقه.. مواقفه لا تنفك عن ملاحقتها.
حين ضاق بها الأمر ذرعا بكت كثيراً لعلها تُنفس عن نفسها، ثم بحثت عن أقراص منومة لتهرب من تلك المشاعر التي تداهمها، فقد دقت الثالثة قبيل الفجر و لم تنم بعد رغم ارهاق اليوم..
تناولت قرصا ثم أخذت وضعية النوم لتغط في نوما عميقا بعد ما يقرب من ساعة ذاقت فيها ويلات الندم.
+
في اليوم التالي...
كان معتصم نائما يتصبب عرقا و جسده ينتفض و وتيرة تنفسه عالية، فقد أصيب بالحمى، و هناك هاتفه يرن بلا انقطاع، فقد تركه خارج الغرفة.
بدأ يتململ في نومه و هو يشعر بأن عظامه تؤلمه بشدة و كأنه كان في مباراة ملاكمة أنهاها للتو..
سمع رنين الهاتف المتتالي لينهض بصعوبة و يسير خارجا من الغرفة بترنح من فرط التعب الى أن التقط الهاتف ليجد أن هشام من يتصل..
ـــ ألو..
ـــ ايه يا معتصم حرام عليك كنت هتموتني من القلق... انت عارف انا برن عليك من امتى؟!
ابتلع ريقه بصعوبة فقد كان حلقه يؤلمه ثم رد بنبرة متحشرجة:
ـــ معلش يا هشام كنت نايم و الفون بعيد عني.
ـــ نايم لدلوقتي؟!... احنا بقينا الضهر.
أغمض عينيه بنفاذ صبر ثم قال:
ـــ عملت ايه في التوكيل.
ـــ التوكيل على مكتبك بقاله أكتر من تلات ساعات
سأله بترقب:
ـــ يعني نرمين مضت؟!
رد بثقة:
ـــ حصل يا باشا.. الخطة اتنفذت زي ما رسمتها بالظبط.. و اللي توقعته حصل.. اول ماشافت الظرف في ايدي وشها جاب ألوان و لما أخدته و قعدت أقررها كانت عايزاني اختفي من قدامها بأي طريقة و كان الحل الوحيد انها تمضي الورق بسرعة لدرجة انها مضت عمياني... و قعدت تحور و تكذب عليا لحد ما اخدت الورق و مشيت.
تنفس معتصم بعمق، فقد تم ما أراد لينتقم منها أشد انتقام، فرد على هشام بنبرة مبحوحة ضعيفة:
ـــ شكرا يا اتش.. دا جميل مش هنساهولك أبداً.
قطب جبينه باستغراب من صوته الذي اصبح متحشرجا للغاية متسائلا بقلق:
ـــ مالك يا معتصم؟!.. صوتك متغير كدا ليه؟!
ـــ مفيش.. صحيت لقيت نفسي تعبان شوية... الظاهر أخدت برد.
ـــ برد ايه بس دا انت مش قادر تتكلم.. أجيلك يابني؟!
ـــ لا يا هشام متسيبش الشركة... انا شكلي كدا مش هقدر اجي و انت لازم تكون موجود مكاني.
رد هشام باصرار:
ـــ خلاص انا هكلم عيشة تجيلك..
ـــ لا لا يا هشام مالوش لزوم تتعبها.. انا هبقى كويس متقلقش
ـــ لا هكلمها.. انت صوتك طالع بالعافية.. خلاص اقفل بقى عشان اكلمها.
ـــ يابني ا...
لم يكمل كلامه فقد اغلق هشام الاتصال..
نهض و دخل المرحاض ليأخذ حماما باردا لعل حرارته تهدأ قليلا قبل أن تأتي شقيقته و تراه بهذه الحالة المُذرية.
بعد دقائق خرج مرتديا برنس الاستحمام ثم دلف غرفة نومه ليرتدي بنطال قطني و بلوفر شتوي، فقد كان جسده يرتجف لا يدري من البرد أم من الحمى، و من شدة تعبه استلقى على الفراش مرة أخرى.
بعد حوالي نصف ساعة كانت عائشة تضرب جرس شقته، فنهض من الفراش بتثاقل ليفتح لها الباب و حين رأته يفتح عينيه بصعوبة من شدة ألم رأسه و وجنتيه تشتعلان بحُمرة الحمى اصابها الذعر و دخلت تتحس وجنتيه لتشعر بسخونة شديدة تلفح يديها.
أدخلته لتجلسه على أقرب أريكة بالصالة و هي تقول بقلق بالغ:
ـــ ليه سايب نفسك كدا يا معتصم... حرام عليك راسك مولعة.
لم يستطع البقاء في وضع الجلوس كثيرا من فرط ثِقل رأسه فتمدد نائما على الأريكة، فأسرعت عائشة الى المطبخ لتعود بعد ثواني و بيديها طبق كبير به ماء بارد و فوطة صغيرة لتجده نائما و احمرار وجهه قد زاد للغاية، فيبدو أن الحرارة قد تخطت الأربعين.
من فرط الحمى أخذ يهذي و هو بين النوم و اليقظة مرددا:
ـــ ريم.. ريم راحت.. ريم راحت مني يا عيشة..
+
أشفقت عليه أخته فقد أخبرها زوجها بما فعلته الحية نرمين للتفريق بينهما، فبدأت بعمل الكمادات على الفور.
ارتجف جسده و تجعدت ملامحه بألم حين لمس الماء البارد وجهه، و استرسل هذيانه بنبرة مؤلمة:
ـــ خلاص اتجوزت.. اتجوزت غيري.. عقاب صعب قوي مش قادر اتحمله.
بُهتت ملامحها حين سمعت تلك الكلمات... إذن تألُّمه و تلك الحالة المذرية التي وصل لها بسبب زواجها من آخر و ليس بسبب نرمين أساسا..
أخذت تواسيه و هي مستمرة في عمل الكمادات:
ـــ مالكش نصيب فيها يا معتصم... كلها شوية وقت و هتنساها
رد بصوت منهك ضعيف:
ـــ يا ريت أنساها... حاسس ان الحسرة هتموتني.. قلبي عامل زي البرج العالي اللي اتهد مرة واحدة لحد ما اتساوى بالأرض
رُغما عنها أدمعت عيناها من فرط حزنها على شقيقها، ذلك الجبل الراسخ.. كبير بلدته و حكيمها... كيف أصبح كالطفل هكذا... يبكي و يشكو و يهذي... تبا لذلك العشق الذي جعله ضعيفا الى هذا الحد.
بقيت عائشة بجواره مستمرة بعمل الكمادات الى أن هدأت حرارته كثيرا و طلبت من احدى الصيدليات بعض المسكنات و خوافض للحرارة أعطتها له، و حين تأكدت أن حالته استقرت احضرت غطاءا و دثرته جيدا ثم ذهبت للمطبخ تعد له وجبة صحية يتناولها بعد استيقاظه.
+
يتبع....
انتظروا مفاجآت الحلقة الجاية و شخصيات جديدة هتظهر و أحداث مشوقة جداً هتعجبكم
هستنى رأيكم
مع تحياتي /دعاء فؤاد
