📁 آخر الروايات

رواية مذاق العشق المر الفصل الرابع 4 بقلم سارة المصري

رواية مذاق العشق المر الفصل الرابع 4 بقلم سارة المصري



                                    
الفصل الرابع

توقفت للحظات دون أن تنظر اليه وهي تعض على شفتها في غيظ فهي لاتطيق أن تنظر اليه مطلقا منذ أن رأته مع جينا ولا تطيق نفسها لضيقها هذا الذي تحاول اخفائه دون جدوى ،من يكون هذا المحتال ليقحمها في صراع كهذا ، من يكون ليستحوذ على بعض من اهتمامها بل كبريائها كأنثى يمنعها ان تعترف أنه يستحوذ على أكثر من بعضه بكثير ، تنفست فى عمق قبل ان تلتفت اليه وهى تحتضن حاسوبها الصغير قائلة ” خير ” 
خطا  تجاهها ببطء مميت أراد به العبث بأعصابها  قائلا  فى لهجة قاسية  أشبه بوعيد ” الطريقة اللى كلمتيني بيها دي ما تتكررش تاني ..مفهوم ” 
ضيقت ايلينا عينيها في تفكير وقالت غير عابئة به ” أنهي طريقة مش واخدة بالي ” ثم ابتسمت فى سخرية وقالت وهي تطرق بسبابتها على صدغها كأنها تذكرت ” اه قصدك عشان قولت اني مش مستنية مكافأة على شغلي ” هزت رأسها للحظات قبل ان تواصل  فى تحد غريب ” هوا المفروض كنت قولت ايه ...خيرك مغرقنا ياسعادة الباشا ومكافئتى الحقيقية هيا رضاك عليا ..متأسفة التملق ده مش طبعي ” 
حاول يوسف التظاهر بالهدوء فقد استفزته بالفعل فقال وهو يضع يده في جيب سترته ليمنع نفسه من صفعها وارتكاب اكبر حماقة في حياته بضرب أنثى للمرة الأولى ” قصدك ايه ان شاء الله ان الموظفين هنا بينافقوني ” 
هزت ايلينا كتفيهاوقالت  في بساطة” والله انت ادرى بموظفينك ..واذا كنت انا شايفة انى مش محتاجة  أعمل اللي هما بيعملوه ولا اقول كلامهم ..المفروض ان حضرتك محتاج لكل واحد بيشتغل هنا زي ماهما بالظبط ما محتاجين شغلهم ..فسوري يعنى محدش ليه فضل على التاني ” 
لم يعرف يوسف حقا بما يرد عليها ،جرأتها في الحديث ألجمته ،طريقتها أعجزته عن الرد فلو في موقف آخر لطرد من يتكلم معه بتلك الطريقة دون أن يتناقش معه فيما فعله من الأساس  ولكن هو في حيرة في أمره لما لا يفعل هذا ؟؟، بل في حيرة أكبر لماذا يهتم بمراقبة  نبراتها وانفعالاتها ،عينيها ،اصرارها  كل شىء فيها، حتى أصابعها الطويلة الرفيعة وهي تدق على حاسوبها في رتابة ،وحين لم يصلها رد منه استدارت لتذهب ،حاول اغاظتها بأي شىء ، لن ترحل هكذا دون أن تأخذ نصيبها من استفزازه ،أوقفها في حزم قائلا ” مين سمحلك تمشي ؟؟“ 
عقدت حاجبيها واستدارت له قائلة ” فيه حاجة تانية ؟؟“ 
تصنع يوسف الغضب وقال ” فيه إن قبل ماتمشي لازم تستأذني من مديرك ولا ده كمان بتعتبريه نفاق وتملق ” 
صمتت ايلينا هذه المرة ولم ترد فأسعده هذا وهو ينظر اليها تقف كتلميذة معاقبة أمام معلمها  وهو يجلس على طرف مائدة الاجتماعات ويعبث بقلم بين اصابعه مستمتعا بنظرات الغيظ فى عينيها وأخيرا أشار بقلمه قائلا ” تقدري تتفضلي” 
تنفست ايلينا في عمق شعر به أنها اخذت هواء الغرفة بأكمله في صدرها فلقد منعت نفسها بصعوبة من التقاط حاوية الأقلام أمامه وتلويحها فى وجهه  ، أما هو فأخذ يراقبها وهى تبتعد بخطوات منزعجة سريعة وكأنها تركل الأرض بقدميها عوضا عن توجيه تلك الركلات له هو ، لم يتمالك نفسه بعد أن خرجت من اطلاق ضحكة عالية عابثة  قطعها فجأة وهو يتساءل عما أصابه ، لماذا سمح لها بتحديه دون أن يطردها ، كيف هزت تفكيره بهذه الطريقة ، لا ...هو فكر فى الاحتفاظ بها فقط ليرد لها الصاع صاعين ويؤدبها على وقاحتها وبالفعل لقد تلذذ بمضايقتها ، لا يوجد انسان يتلذذ بمضايقة شخص ي..، ضرب على جبهته فى قوة أين ذهب به تفكيره ؟؟؟، إنها مجرد أنثى ، مجرد أنثى يا يوسف ، والأنثى فى حياته لاتشغل حيزا أكبر من حيز المتعة فقط ، أمه هى الاستثناء الوحيد وماتبقى من النساء كلهن سواء واعتصر ذهنه بالذكرى البعيدة ، برودة مشوبة بألم ضربت اوصاله ، ألم اشبه بصفعة افاقة ليثوب الى رشده كان لازما ليبقى حائلا بينه وبينها بل بينه وبين أي انثى .
*******************************************
اجتمعت عائلة البدرى على العشاء كعادتها كل ليلة ، لحظات مرت من الصمت المطبق لا يقطعها سوى صوت دقات الساعة الأنيقة العملاقة في بهو القصر الواسع متناغمة مع ارتطام الأشواك بالأطباق الصينية الفخمة صانعة نغمة مملة قطعها  زين  بخفته المعتادة قائلا ” وحدوه يا جماعة ايه السكوت ده ” 
ردد الجميع فى خفوت ” لا اله الا الله ” ، ابتسمت سمر وهي ترفع رأسها تتأمله في حب وهو لم يلحظها كالعادة فعادت تنظر إلى طبقها  مجددا في خيبة أمل ، لحظتها سميرة فتنحنحت وهي تنظر الى محمود تخبره بنظرة ما رأته ليبتسم لها ويخبرها بنظرة أخرى أنه رأى كل شىء  فابتسمت وهي تنظر الى الجميع قائلة ”أخبار الشغل ايه ياولاد ” 
نظر زين الى يوسف وقال في حماس واضح ” اه صحيح يا يوسف شفت ايلينا النهاردة والفكرة اللى قالتها ..انا مش عارف أنت ازاى وافقت كنت فاكر انك أول حد هيعترض ” 
وضعت  سميرة كفيها تحت ذقنها وقالت وهي تتظاهر بالبراءة ” مين ايلينا دي؟؟“ 
رد يوسف قائلا في اهتمام واضح وهو يشير بشوكته” دي بنت اشتغلت معانا من فترة ..ذكية جدا وعندها خبرة كبيرة رغم سنها الصغير ..النهاردة عرضت عليا فكرة عمرها ما جت فى بال حد وأنا واثق انها هتنجح ” وأكمل يوسف حديثه عنها في حماس وهو يستعرض فكرتها ويشرحها بالتفصيل بينما تتابعه سميرة فى سعادة وتختلس النظرات الى محمود بين الحين والاخر بحوار لا يفهمه غيرهما وحين انتهى يوسف قال محمود في اعجاب ” والله بنت هايلة ..الفكرة كويسة وهتخلى منتجاتنا تاخد فرصة أعلى في التسويق ” 
اخذت سميرة تعبث في طبق السلطة الخضراء أمامها وقالت ” بس أول مرة يا يوسف اشوفك بتتكلم على ست بالحماس ده ” ونظرت له فى تمعن لتضيف ” كنت على طول بتشوفهم مينفعوش فى حاجة ” 
ارتبك يوسف وتباطىء في مضغ طعامه وهو يبحث عن رد مناسب حتى ازدرده دون ان يكمل مضغه وهو يكذب ما رأته أمه عن أي حماس تتحدث ؟؟، قال زين بابتسامة وباعجاب يشوب نبرات صوته ” هيا تستاهل بصراحة ..هايلة جدا ...بنت ممتازة ” ، غصت سمر بطعامها فلم يلحظها زين كالمعتاد واحمر وجهها خجلا حين وجدت سميرة تلاحظ ما هي فيه وتشير لها برأسها أن تتناول كوب الماء أمامها ، فأخذته لتسكبه بأكمله في جوفها في توتر، للمرة الأولى تلحظ نبرة اعجاب في صوت زين وهو يتحدث عن فتاة ، عليها أن تتحرك قبل أن يضيع منها  للأبد ، أما يوسف فلا يعرف لما تضايق من وصف اخيه وأنكر هذا الضيق على نفسه وحاول اخفائه بكل طريقة  متظاهرا بتناول طعامه ولكن كاميرتي المراقبة الخاصتين بأمه كانت تسجل كل شىء في دقة وتخزنه في سلاسة وسعادة تملؤها أن ولدها بالفعل اخذ اول خطواته فى الطريق الذى تتمناه فيه وأن هناك من تمكنت من تحريك أي شىء ولو قليل من اهتمامه ، حاول يوسف تغيير دفة الحوار بأكمله قائلا ” أومال فين ايتن ؟؟“ 
ردت سميرة وهي تهز رأسها في ملل ” بقالها ساعة بتتكلم فى التليفون برة في الجنينة ” 
نهض محمود قائلا ” أنا هطلع اشوفها وبالمرة أشرب قهوتى في الجنينه“ 
كانت ايتن تتحدث فى الهاتف بصوت منخفض نسبيا وأقرب للهمس حين وجدت حسام يقف أمامها فجأة  ، انتفضت فى هلع وكاد الهاتف  يسقط من يديها لولا ان التقطته فى اللحظات الاخيرة ، رفع حسام كفه وقال في اعتذار ” أنا آسف خضيتك مكنش قصدى ” 
نظرت له ايتن وهي تزفر في ضيق قائلة ” عادي بقا ولا يهمك ” 
حك حسام رأسه في خجل معتاد وهو يحاول أن يبحث عن كلمات ليقولها ويفتح ثغره ويغلقه كل لحظة وهو يقول ” اااا..انتي انتي كويسة ؟؟“ 
تأملته ايتن فى حنق وهي تضغط الهاتف بيدها قائلة  ” اه أنا كويسة ” وكتفت ذراعيها في انتظار ما يريد قوله  حتى زفرت  فى نفاذ صبر قائلة ” حسام انت عاوز حاجة ” 
عدل حسام من وضع نظارته على وجهه كعادته ان توتر وقال ” هاااا ..لا ابدا مش عاوز حاجة ” 
ردت بصوت مرتفع ينم عن غضبها ” أومال واقف هنا ليه ؟؟؟“ 
تراجع حسام فى احراج قائلا ” انتي متضايقة اني واقف معاكي ” 
مررت ايتن يدها  على وجهها كمحاولة لتهدأ وقالت ” حسام احنا عايشين فى بيت واحد وبنشوف بعض كل يوم وانت واقف قدامي بقالك ربع ساعة ومش عارفة انت عاوز ايه ..وانا بصراحة عايز اكمل مكالمتي ..ممكن ” 
تنحنح حسام فى احباط كلما حاول الاقتراب منها أبعدته في قسوة ، نعم أمامها يرتبك ، أمامها فقط تظهر خبرته الضئيلة في التعامل مع النساء ، أمامها يفقد صرامته المعتادة التى ترعب موظفينه ، أمامها لا يعرف ماذا يقول بل يفقد النطق تماما ، ملت مشاعره الثرثرة بداخله وأصابته بالضجر من طيلة حبسه لها في صدره  فهي تريد الانطلاق تريد التحليق الى أبعد مدى في سماء محبوبته العنيدة ،لو كان بامكانه ان يعطى لتلك المشاعر فرصة ، مجرد فرصة لتتحدث هى ، كم يتمنى لو ان آيتن شعرت به و..“ انت بتعمل ايه هنا ؟؟؟“ 
انتفض حسام فى فزع على صوت عمه ليفيق من شروده ليجد ايتن قد رحلت وعمه يقف امامه، تلعثم حسام فى الرد ونظر حوله في ارتباك كاللص الذي ضبط متلبسا  وقال ” أنا ..أنا كنت لسة راجع من الشغل ” 
مال اليه عمه وقال في صرامة ” تعالى ورايا ” 
عدل حسام من نظارته كالعادة  ان توتر وتبع عمه الى الداخل وقبل أن يصل  محمود الى مكتبه ويغلقه عليهما طلب من أحد الخدم استدعاء يوسف ، جلس محمود الى مكتبه يتمعن فى حسام للحظات حتى قال في جدية ” بتحب ايتن مش كدة ” 
اتسعت حدقتا حسام فى صدمة وأخفض رأسه وهو يحكها فى خجل ، لا يعرف هل يستجوبه عمه أم يوبخه ،أخذ عمه يطرق المكتب بأنامله فى غيظ قائلا ” والله البنات حتى ما بقو بكسوفك ده يا اخي ..ما ترد يا بني ...“ 
رفع حسام  رأسه في بطء وتلاشى نظرات عمه بقدر الامكان وهو يرد في حياء وبصوت هادىء ” أنا مبتمناش حاجة من ربنا غير ايتن ” 
تراجع عمه فى كرسيه قائلا ” وايه اللى مسكتك لحد دلوقتي بقا ” 
وقبل أن يرد طرق يوسف الباب فقال ابوه وهو يشير له بكفه  ” تعالى يا يوسف ” 
قلب يوسف شفتيه في حيرة وهو ينظر الى حسام المرتبك بشكل مثير للضحك قبل ان يجلس  أمام ابيه قائلا ” خير يا بابا ؟؟“ 
نظر محمود الى حسام قائلا بابتسامة ذات مغزى ” كل خير ان شاء الله ...حسام طلب ايد ايتن وانا وافقت ” 
عقد يوسف حاجبيه في دهشة بينما اتسعت حدقتي حسام وتدلى فكه فى بلاهة  محاولا النطق فتشنجت عضلات لسانه بفعل الصدمة ولم تسعفه بحرف واحد  فقال عمه وهو يطالعه في استمتاع واضح  ” ايه مالك ..تنحت كدة ليه ؟؟...كنت ناوي تفضل العمر كله تحبها في صمت ولا ايه ؟؟؟“ 
حاول حسام النطق ففتح ثغره عدة مرات قبل أن يتحرك لسانه أخيرا مطلقا جملته المبعثرة بين الفرحة والخوف ” عمي بس ايتن ممكن متوافقش ” 
ضحك عمه قائلا في بساطة غريبة ” ده مش ممكن ده أكيد ” 
ارتسمت البلاهة على وجه حسام فواصل محمود في جدية حافظ فيها على ابتسامته  ” بص يا حسام ..ايتن فى الاول وفى الآخر عيلة ..وانت رغم انك لخمة بس راجل ويعتمد عليك ومش هلاقي لبنتي احسن منك ” 
تنهد حسام في حزن قائلا ” أيوة بس مش لدرجة انك تغصبها ” 
قال محمود وهو يلوح بكفيه ” ومين قال اني هغصبها انا بس هديكو فرصة تعرفو بعض عن قرب ولو هيا فضلت على رأيها يبقا خلاص ..بس خلي بالك دى هتبقى فرصتك الوحيدة يا حسام ” 
هز حسام رأسه قائلا في تردد ” يا عمى بس انا خايف من ...“ 
قاطعه محمود فى صرامة وهو يشير بسبابته قائلا ” كلمة واحدة يا حسام ..عايز ايتن ولا لا ” 
أغمض حسام عينيه للحظات ، هو بالطبع لا يملك سوى اجابة واحدة  عقدت  لسانه  مجددا عن أي رد غير ” طبعا يا عمى انت بتسألني ؟؟“ 
قال محمود في ارتياح ” خلاص يبقا تسيبها عليا وملكش دعوة بحاجة ” وأشار بيده مواصلا ” روح انت دلوقتي ارتاح ” 
وبعد ان تركه حسام نظر الى يوسف الذى بدا شاردا فى عالم اخر  ولم يعقب تماما طيلة الحوار على عكس عادته ، فناداه وهو يدق بقلمه على المكتب قائلا ” روحت فين يا بني ” 
نظر له يوسف نظرة يعيها محمود جيدا  وقال ” بابا انا مش موافق على اللى بيحصل ده ” 
حك محمود جبينه بيده قائلا ” ليه شايف ان حسام يتعايب فى حاجة ” 
رفع يوسف حاجبيه فى تفكير قائلا ” بالعكس حسام مش هنلاقي احسن منه لايتن ” واضاف بصوت منخفض وهو يميل الى ابيه ” بس بنتك مش عايزاه ” 
مد محمود شفتيه قائلا ” اختك دي حته عيلة مش عارفة مصلحتها وكمان طايشة وممكن أي حد من شباب اليومين دول يلف دماغها ويضحك عليها بكلمتين عشان طمعان فى فلوسها ..أنا واثق انها لو ادت لنفسها فرصة انها تعرف حسام هتحبه ...هوا صحيح الواد خيبة ومخبل بس احنا عارفينه وعارفين اخلاقه عاملة ازاي ” 
نظر يوسف لوالده لحظات ونهض بعدها قائلا وهو يشيح بوجهه فى الاتجاه الاخر ” حضرتك كدة بتعيد التاريخ من تانى ” 
نهض محمود بدوره ونظر الى يوسف بغضب قائلا ” يوسف أختك مش زيها ..وكفاية بقا اللى انت بتعمله فى نفسك وفينا ده اطلع من اللى فات بقا يا يوسف كفاية ” 
حاول يوسف ان يميل عن هذا الطريق ويأخذ الحديث الى منحنى اخر ليجنب نفسه ألما ليس في حاجته الان فقال محاولا تلطيف الأمور ” وأنا بعمل ايه مضايقكو بس ؟؟“ 
قال والده بسخرية امتزجت بغيظ ” بتعمل ايه ؟؟لحد دلوقتى قاعدلنا من غير جواز ” 
ابتسم يوسف وهو يحول الأمر لمزحة كالعادة قائلا ” وده عشان كل اللى بتجبهوملي ماما ..سورى يعنى عاهات ” 
لم يتمالك محمود نفسه فضحك قائلا ” حرام عليك بقا القمرات دول عاهات ” 
مرر يوسف يده فى شعره قائلا ” بابا انا مش بتكلم عن الشكل ..انا بتكلم عن ده ” واشار بسبباته الى رأسه 
جلس محمود من جديد وهو يقول ” خلاص يا يوسف انت رجل اعمال كبير وبيورد عليك اشكال والوان معقول ولا واحدة قدرت تلفت نظرك ” وفجأة لاحت صورة ايلينا فى خياله دون ان يشعر ، لاحت كأنها اجابة وحيدة على سؤال أبيه ، اجابة أقر خطأها بسرعة وهو يطرح صورتها بعيدا ويقول فى ضيق ” بابا انت عارفني ..انا بتاع شغل وبس ومبحبش ادخل اى امور شخصية فيه ” 
لوى محمود فمه قائلا في تذمر” طيب ابقى شوفلك صرفة بقا مع امك ليجرالها حاجة من تحت راسك ” 
عقد يوسف حاجبيه قائلا ” يعنى هوا مفيش غيرى ما عندكو زين اهو ركزو معاه شوية ” 
ضم محمود قبضتيه الى بعضهما قائلا ” يا حبيبي انت ابنها البكرى وفرحتها بيك غير فرحتها بزين وايتن ” نظر يوسف الى ابيه وهو يهم بالمغادرة ويلقى بجملته الروتينيه التى ينهي بها مثل هذه الامور ” ربنا يسهل ..محتاج مني حاجة ؟؟“ 
اشار محمود بيده في يأس قائلا” سلامتك ..روح ارتاح ” 
تركه يوسف وهو يفكر في كل ما كان ينتوي فعله ، كلمات سمير الأخيرة ووصيته له بأبنائه جعلته يفكر فى التراجع ، هو يعرف يوسف جيدا ويكاد يجزم أن ايلينا ستغير فيه الكثير وتنتشله من بركة الماضى السحيقة التي يغوص فيها ولكن كيف يجازف هكذا بانسانة ؟؟ كيف يفكر فى ابنته ويزوجها بشاب صالح هل لو  كانت ايلينا ابنته  سيقبل بيوسف زوجا لها ؟؟، ولكن ايلينا ليست ايتن ، ايتن مجرد فتاة طائشة تحتاج الى من يقومها  أما ايلينا فهي ناضجة نظرتها للأمور تختلف كثيرا عن فتاة في عمر ايتن ، أخذ محمود يقلب الأمر فى رأسه حتى وصل الى الحل الذى لا يظلم ايلينا به مطلقا  .
********************************************
تمددت ايلينا في فراشها وهي تعبث في شعرها فى شرود ، تذكرت ماحدث بينها وبين يوسف فى الصباح ورغم حنقها منه الا أنها أحبت هذا التحدي ،لاحت ابتسامة على شفتيها دون أن تشعر وصورته تلوح أمامها حاملة كل انفعالاته ، طريقة حديثه ، ابتسامته ، رائحة عطره الذي .....، وفجأة اعتدلت لتجلس وهى تمسك جبهتها وتعتصرها بين أناملها بقوة ، من يكون يوسف هذا ليشغل حيزا من تفكيرها ؟؟؟، انه مجرد شاب عابث يدعي الفضيلة أمام الجميع ، هو لا يحمل أي ملمح من ملامح الزوج الذى تمنته ، زوج ؟؟، هل خطرت تلك الكلمة على بالها حقا ، يبدو أن عقلها قد اختل تماما ، تنهدت وهي تتناول هاتفها من على المنضدة لتهاتف صوفيا ، هاتفتها مرة بعد مرة دون أي رد ، ظلت تحاول حتى جاءها الرد بعد ساعات ، هتفت ايلينا فى قلق ” صوفيا كنتى فين حرام عليكي ؟؟؟....موتيني من القلق و...“ وللحظات قطعت ايلينا حديثها لتواصل بعد أن تذكرت نبرة صوفيا المهتزة في الرد” صوفيا انتي مال صوتك ” 
تأخر رد صوفيا  ” صوتي ماله كويس اهو ” 
امتقع وجه ايلينا وقالت في غضب وهي تقبض على الهاتف بقوة تكاد تحطمه ” صوفيا انتي سكرانة ؟؟“ 
لم ترد صوفيا فصاحت ايلينا أكثر ” انتي ايه مفيش فايدة فيكي ابدا ..هوا ده اللى اتفقنا عليه ؟؟..هتفضلي طول عمرك مستهترة ” 
قالت صوفيا بلهجة لم تلحظ ايلينا الانكسار فيها ” كفاية ايلينا ارجوكي ” 
واصلت ايلينا وغضبها يتزايد حتى كاد صوتها يوقظ القاهرة بأحيائها مجتمعة  ” انتي مش ممكن تكوني انسانة طبيعية ابدا ...هتفضلي طول عمرك كدة ” 
هنا انفعلت صوفيا وصرخت بها” كفاية بقا ..كفاية ..انتي مش عارفة حاجة ابدا ...طول عمرك بتحكمي على الناس من برة ...طول عمرك مبتعترفيش بأى ظروف ...جربتي تعيشي ظروفي او ظروف اى حد قبل ما تحكمي من برة ” 
قالت ايلينا في قسوة حملت كثيرا من التهكم  ” الظروف دى هيا الشماعة  اللى زيك بيعلقو عليها اخطائهم ” 
شاب البكاء صوت صوفيا وهي تقول في مرارة ” اللى زيى ...بتتعاملي مع الناس على أنك أحسن منهم برضه ..انتى حتى مفكرتيش تسأليني مالي ..أنا مش سكرانة يا ايلينا ..انا بموت ..عارفة يعنى ايه بموت ” 
تنفست ايلينا في عمق وهي تدرك أخيرا ما قالته وما تناسته تماما عن صوفيا وظروفها نبض قلبها فى خوف وقالت فى هدوء حمل نبرة اعتذار بين ثناياه ” صوفيا ..انتي ..انتي تعبانة ؟؟“ 
قاطعتها صوفيا قائلة ” وانتي يهمك فى ايه ..انا اصلا مفرقش مع حد ولا حتى اهلي ...روحى ايلينا عيشي حياتك ومتفكريش فيا تاني ..أنا مش عاوزة حد ” واغلقت صوفيا الخط ،حاولت ايلينا مهاتفتها من جديد دون جدوى فقد أغلقت الهاتف تماما ، تركتها فى قلق وحيرة وندم ، تسرعت كالعادة فى الحكم وقست عليها غير عابئة بنبرة الانكسار فى صوتها ، ظلت الليل كله مستيقظة تعيد محاولاتها مرارا وتكرارا دون جدوى ، تخشى أن يصيبها سوء ، الندم يجلدها وهي تعرف أنها تستحق جزاءا لجلدها صوفيا بقسوتها دون حتى أن تحاول معرفة ما بها ، لقد خذلت صديقتها وكانت معولا اضافيا يضرب في اخر جدران الرحمة التي ترجوها من الدنيا ....
**********************************
كاد زين أن يصعد الدرج الى غرفته حين اوقفته سمر ونادته في رقة " زين "، نظر لها زين بابتسامة فقد كانت بمثابة اخت صغرى له وقال ” ايوة يا سمر  عايزة حاجة ” 
احتضنت سمر كتبا الى صدرها وقالت ” أنا باخد كورس انجليزى وفي حاجات مش فاهماها ومحتاجة مساعدتك أنا عارفة أن مستواك فى الانجليزي فوق الممتاز ” 
استند زين بمرفقيه على سياج السلم قائلا ”بس كدة ..  يلا ”  ابتسمت وهي تتبعه الى احد المقاعد القريبة في غرفة الاستقبال ، جلس وانتظرها تجلس في مقابله وتضع كتبها على المنضدة أمامها في اللحظة التى كان يضع فيها هاتفه فتلامست أنامله بظهر كفها ، لمسة لم يشعر هو بها الا أنها كانت أشبه بمس كهربائي عنيف اصابها فانتفضت للخلف ، ضيق زين عينيه في اهتمام قائلا " سمر ...مالك فيه حاجة " ، ازدردت ريقها المحمل بتوترها الزائد وهي تجمع شعرها الى كتفها الأيمن قائلة بنبرة تحمل تبعثر وشتات امرها " لا ...مفيش حاجة ...يلا نبدأ " ، تنهد في حيرة وهو يفتح كتابا أمامه ويطالعه في دقة ، لحظات قصيرة استغرق فيها بتركيزه ليعطها الفرصة في تأمله والاستمتاع بقربه كما يحلو لها ، زين يزداد وسامة مع الوقت ، شعره الكثيف الذي يحتفظ بلونه البني الداكن منذ الطفولة وعينيه العسليتين التي يبرز صفاء لونها هذا الحليب النقي الذي يحطهما ، لكنه تعكر اليوم بحمرة خفيفة ربما كانت ناتجة من ارهاقه في العمل ، تنهدت في عمق ، العمل !!، هناك فتاة في العمل تمثل خطورة لديها الان ، هناك أخرى تحدث عنها بكل حماس واعجاب ، اخرى لا يمكنها أن تحمل له معشار ما تحمله هي ، نظرت الى أصابعه الرفيعة وهي تقلب في صفحات الكتاب وتتساءل ، ماذا تنتظر لتخبره بحبها ، الى متى ستظل تاركته على اعتقاده بأنها تعده أخا لها ، لماذا لا تخرج الكلمة بنفس سلاسة جريان حبها في كيانها بأكمله ، لا بد أن توثقها ، لا بد أن تخبره بها قبل أن تندم على كتمها بعد ذلك ، أخذت نفسا عميقا كأنها تستعد للغطس بأعمق البحار قبل أن تناديه "زين "
التفت لها فازدردت ريقها قائلة " زين أنا ...أنا .."قطب زين حاجبيه قائلا في حيرة "انتي ايه يا سمر " وانعقد اللسان من جديد وارتدت الكلمة خاسئة الى مخبئها في ثنايا القلب دون أن تأخذ فرصتها الكاملة في أن تعافر لتثبت مصداقيتها واستبدل اللسان جملته بأخرى "أنا حاسة اني تايهة ومش فاهمة حاجة " ربما أصاب اللسان في التعبير عن جزء مما تعانيه ولكن لم يصب عقل زين في التقاط ما تقصده ، ربما لأنه لم يجربه مطلقا ، ابتسم وهو يرفع الكتاب قائلا " ولا يهمك ...الموضوع سهل خالص " ، ابتسمت في حزن وهي تنظر الى الكتاب تشكو لسطوره ، بل الأمر صعب للغاية فماذا سيكون أكثر قسوة من أن تذوب عشقا في حب من لا يشعر بك ..... 
تابعت عينا سميرة ما يحدث  فى اهتمام  الى أن خرج محمود  من غرفة مكتبه أخيرا واتجه ليجلس مقابلا لها ، أشارت سميرة برأسها الى زين وسمر قائلة ” وبعدين يا محمود فى عيالك دول ” 
ضيق محمود عينيه قائلا ” تفتكرى يكون عاوز سمر ” 
هزت سميرة كتفيها قائلة ” وليه لا من زمان وهما منسجمين مع بعض ” 
قلب محمود شفتيه قائلا ” ممكن يكون حب اخوي مش اكتر ...احنا لو فكرنا نجوزهاله مش هيعترض بس البنت كدة ممكن يظلمها معاه ” 
اومأت سميرة برأسها وهي تنظر لهما فواصل محمود ” على فكرة يا سميرة أنا وافقت النهاردة على خطوبة ايتن وحسام ” 
التفتت له سميرة فى دهشة ألجمتها عن النطق فقال محمود ” مالك انتي التانية ..حسام مش عاجبك فى ايه ” 
قالت سميرة فى توتر ” انت عارف اني متمناش لايتن حد أحسن من حسام بس هيا مش هتوافق ..هتغصبها يعني تتجوزه ” 
تنهد محمود قائلا ” لا مش هغصبها تتجوزه ..بس هغصبها تعرفه عن قرب ..هيتخطبو فترة وبعدها نشوف ” 
مررت سميرة يدها على رأسها قائلة ” ربنا يستر ” ونظرت الى زوجها نظرة ذات معنى وقالت ” وبالنسبة للبيه الكبير ...هنفضل سايبينو كدة ” واضافت فى همس ” أنا حاسة من طريقة كلامه انه بدأ يميل للبنت ” 
ابتسم محمود قائلا ” بس ابنك مش بالسهل يعترف بده ” 
هزت سميرة كتفيها وقالت ” واحنا مش كل مرة ناخده على راحته ” 
عقد محمود حاجبيه فى دهشة فواصلت سميرة في استمتاع  ” اسمعني وانا هقولك ” واستمع الى ما قالته وقد كان هذا هو الجنون بعينه الا إنه بالنسبة ليوسف المنطق الوحيد.

1






الخامس من هنا

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات