اخر الروايات

رواية التل الفصل الثالث 3 بقلم رانيا الخولي

رواية التل الفصل الثالث 3 بقلم رانيا الخولي 



رواية الـتــل
رانيا الخولي
الفصل الثالث
……..
انتهى العزاء وعاد مراد ومؤيد للداخل
وما إن رأته سهر حتى قامت من مقعدها وذهبت إلى زوجها فهي تعلم جيدًا مدى تعلقه بأخيه الراحل فقالت بتعاطف
_ البقاء لله يامؤيد.
رد بثبات
_ ابقى الله حياتك.
حدثته بعتاب وهي تدلف معه للداخل
_ ليه مقولتليش كنت جيت معاكم.
بادلها نفس العتاب
_ وانتي كنتي فين عشان اجولك.
خفضت عينيها بإحراج وتمتمت بخفوت
_ انت اللي بعدتني مش انا اللي بعدت.
تنهد بتعب شديد وتمتم بهدوء
_ مش وجته الكلام ده
تلفت حوله وسألها بحنين لولده
_ اومال فين مالك.
_ سيبته مع اسماء.
اومأ لها وتركها ودنى من والدته ليقبل يدها وقال بحنان
_ جومي ارتاحي ياأمي كفياكي لحد إكدة
أيد مراد رأيه
_ انتي منمتيش من امبارح جومي الله يرضى عليكي ارتاحي شوي.
قالت سميرة وهي عمتهم
_ اطلع انت واخوك ارتاحوا واني هفضل معاها ومش ههملها
أومأ لها مراد ونظر إلى سلمى يسألها
_ هتاچي ولا تخليكي معاها؟
أجابت سميرة بدلاً منها
_ لأ ياسلمى اطلعي مع چوزك
نظرت لسهر وتابعت
_ وانتي ياسهر ورا جوزك يلا.
________________
دلف مراد غرفته ودنى من الفراش ليستلقي عليه وقد شعر حقًا بالأرهاق
دلفت سلمى خلفه فتجده خافيًا وجهه بمرفقه
فهو لا يحب أن يراه أحد وهو مهمومًا فدنت منه لتجلس على الفراش بجواره وتمسك يده لتقول بتأثر
_ معلش يامراد آسر كان غالي علينا كلنا بس دي إرادة ربنا هو عمره انتهى لحد كدة.
أغمض عينيه يحاول السيطرة على عبراته لكنه لم يستطيع التحكم والتظاهر بالقوة اكثر من ذلك فسمح لنفسه بالبكاء حد النحيب
لأول مرة ترى دموعه ولأول مرة يرتمي في احضانها ويبكي بتلك الحالة
ولما لا وقد فقد أخٍ له ولن تستطيع الدنيا تعويضه عنه.
أما مؤيد فقد أغلق على روحه وترك لدموعه العنان ليبكي ويبكي وهو جالسًا على الأرض يخفي وجهه بين قدميه.
أما آمال فقد ظلت تقرأ وردها وتدعوا له بالرحمة والمغفرة
هو الآن بحاجتها للدعاء ولن يفيده البكاء
مازال أمامها الكثير إذا كتب لها عمرًا تبكي عليه حتى يبرد قلبها ولن يبرد مدى الحياة
❈-❈-❈
جلس حسان في مكتبه يفكر في تلك العائلة والذي يكذب على نفسه بأنها عائلة مترابطة
ولا يعرف شيء عن تلك القلوب الذي حكم عليها بالموت عندما اجبرهم على الترابط
زفر بضيق عندما تذكر حفيده الأكبر والذي أحتل مكانه كبيرة في قلبه لم يستطيع أحد الوصول إليها
لكن حبه ذلك كان لعنه قضت عليه وجعلت منه ذلك الصخر المتبلد.
ولن يتركه حتى تشتد صلابته اكثر من ذلك حتى تصبح كالفولاذ وحينها سيسلم له تلك العائلة وما تملكه برحابة صدر
لا يأمن أحد غيره عليها
فوالده مازال يعيش على ذكرى تلك المرأة التي كادت أن تفرق فيما بينهم لولا أنه استطاع الخلاص منها
والآخر زهد الدنيا ولا ينظر إليها من أي جهة
لذلك كان عليه أن يكون أكثر حزمًا مع أحفاده كي لا يكرر أخطاء والديهم
والترابط الوحيد بالنسبة له بألا يسمح لأحد بالخروج عن دائرته.
امسك هاتفه وقام بالاتصال حتى جاءه الرد فقال بحزم
_ مسافة الطريج وتكون جدامي.
ثم أغلق الهاتف والقاه على المكتب أمامه.
أما جواد فقد ظل واجمًا للحظات بعد تلك المكالمة
لا يعرف ما عليه فعله
هل يواصل التمرد ويلقي بأوامره عرض الحائط أم يذهب إليه كي يطوي تلك الصفحة من حياته ويبدأ حياة هانئة مع طفله.
بعد تفكير عديد قرر الذهاب كي ينهي كل شيء ويضع النقط على الحروف
استقل سيارته وخرج من مزرعته متوجهًا لتلك البلدة وذكريات موحشة لا ترأف به.
فقد مر عامًا كاملًا على رحيله وذلك اليوم يعاد مشاهده مباشرة أمامه الآن
ازدرد لعابه بصعوبة عندما مر من مكان الحادث وأخذ قلبه يهدر بعنف حتى أنه شعر بأنها بجواره تجبره على التوقف وهو يحاول منعها حتى فقد السيطرة على المقود وتصادف السيارة سيارة أخرى كبيرة دمرت الجانب الأيمن منها.
كل شيء يعاد أمامه
صرخات ابنه وجسدها الساكن
والألم المبرح الذي احتل قدمه
اوقف السيارة حتى دوى صوت احتكاك الإطار بالطريق
وقد شعر بضيق في التنفس والدنيا تضيق به اكثر.
فتح زجاج السيارة وأخذ يتنفس بقوة حتى مر به الوقت.
ذكريات مؤلمة عادت تقتحم مخيلته عندما مر فقط بالبلدة
فماذا لو دخل القصر؟
شغل مقود السيارة وانطلق بها متوجهًا إلى القصر كي ينهي الأمر بسرعة ويعود إلى منزله.
ها قد وصل إليه وانفتحت ابوابه وقناع القوة مرتسمًا بكبرياء على وجهه
حتى توقفت سيارته أمام البوابة الداخلية، لم تطاوعه قداماه على الترجل وظل ينظر إليه بصمت مطبق.
وبعد وقت ليس بقليل
ترجل منها مجبرًا ودنى من الباب ليصادف سهر تخرج منها وعند رؤيته ابتسمت بترحيب
_ ازيك ياچواد نورت الجصر.
تحدث بمجاملة يغلفها الجمود
_ منور باللي فيه، اومال چدي فين؟
_ أكيد في مكتبه ادخل.
دلف إلى الداخل يحاول بصعوبة محو أي ذكرى ترتد لمخيلته ويقنع نفسه بأنه ضيف ولم يمر من هنا من قبل
لكن يشاء القدر أن يصادف ابيه وهو يترجل من الدرج فتظاهر بعدم رؤيته لكن أبيه نطق اسمه بلوعة
_ جواد
توقف عندما سمع صوت والده يناديه، فالتفت إليه لتتقابل النظرات ما بين حنين يقابله جمود وكأنه أمام شخص لا يعرفه
يتذكر جيدًا نفس النظرات وهو يشاهده خارجًا من منزله مكسور الخاطر والفؤاد ولم يعارض ذلك بل طاوع زوجته ووافقها على طرده من المنزل وهو في اشد الحاجة إليه.
تحلى بالجمود عندما تحدث عامر
_ كيفك ياولدي، يادوب فكرت تاچي تشوف أبوك؟
سخر جواد من حديثه لكنه أجاب بفتور
_ بس أني مش چاي عشان أشوفك، أني چاي اشوف چدي بعتلي ليه وهمشي طوالي؟
ثم تركه وتوجه إلى مكتب جده ليطرق عليه غير مهتم بنظرات والده له
دلف عندما سمح جده بدخوله فيجده جالسًا في مكتبه بنفس الجبروت الذي لم يتغير قيد انملة بل ازداد وازداد
أغلق الباب خلفه وتقدم من جده الذي سأله بجمود يخفي به قلقه عليه
_ أخرت ليه؟
بادله جواد جموده ورد بفتور
_ مكنتش چاي من أساسه.
نهض حسان ليتقدم منه ويقف أمامه ليس وكأنه حفيده بل يقف أمامه كرجل سيحمل هم تلك العائلة بعد وفاته
والآن قد حقق حسان مبتغاه
لكنه واصل تلاعبه عندما سأله
_ هتكسر كلمتي؟
سخر جواد بداخله ورد بصلابة
_ وكانت فين كلمتك لما خرچوني من الجصر؟
رفع حسان حاجبيه وهو يجيب
_ مش اني اللي خرچتك، انت اللي انسحبت عشان تهرب منيه وانت خابر إكدة زين.
افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة وهو يوافقه بثبات
_ مش هجولك لا وانكر، تؤ لإني حجيجي حبيت أخرج مرة واحدة من تحت طوعك، جلت يمكن الاجي نفسي واعمل لحالي كيان بعيد عن جسوتك وجبروتك.
المه حديث حفيده لكنه محق بكل كلمة لكن لن يعترف وواصل تلاعبه
_ بس جسوتي وجبروتي هما اللي عملوا منيك الراچل اللي واجف جدامي دلوجت.
ضحك جواد بعلو صوته لكن المرارة والقهر كانوا هما المتحكمين بها حتى توقف قائلًا
_ راجل؟! وانت فاكر إن اللي جدامك ده راچل كامل؟
غلفت صوته المرارة وتابع بقهر
_ راچل منبوذ ومحكوم عليه بالنفي في مزرعة بعيدة في الچبل مع الخيل واستكترتوا عليه ابنه وعيشتوه وحيد ومحروم منيه
اني إكدة بجيت راچل في نظرك؟
هز رأسه بمرارة وأردف
_ تبجى غلطان جوي.
تقدم منه خطوة وتابع
_ أنا بجيت راچل ذليل، خابر يعني ايه راچل ذليل.
وخابر برضك أني ذليل لمين؟ (اشار على القدم الصناعية) لدي لإني من غيرها هجع ومجدرش اقف على رچل واحدة، فين الرچولة دلوجت.
غص حلق حسان بمرارة ازدردها بصعوبة وتحدثت بإباء
_ بس الرچولة مش باكتمال الجسد
اشار باصبعه على قلب حفيده وتابع
_ الرچولة بإنك تموت ده وميبجاش نجطة ضعف في حياتك، إنما لو سيبتك كنت هتعيش عمرك كله وهو متحكم فيك لأنه كان فياض جوي وكان هيضمرك بصحيح
تنهد حسان ثم تابع
_ صحيح أجبرتك تتزوچ بنت عمك رغم إني خابر زين إنك مريدهاش بس طمعتك فيها وانت وافجتني.
عقد جواد حاجبيه متسائلًا فيجيبه حسان
_ لإن جلبك كان متعلج بالخيل ولما طمعتك إن المقابل المزرعة هتكون ملكك وافجتني وربطت حياتك بيها
عرفت بجى مين اللي حكم عليك بالعذاب
عاد يطرق على قلبه وتابع
_ ده اللي حكم عليك لما جريت ورا عشجك للخيل مع إنك لو أصريت على الرفض مكنتش هجبرك زي ما جبرت التانيين
لإنك انت الوحيد اللي جلبي بيضعف جدامه، رغم إني علمته الجسوة عشان ميكنش نجطة ضعفي بس انت غير واتمكنت منه من أول ما حملتك بين ايديا.
وكل ما الاجي نفسي ضعيف جدامك اجسى عليك عشان اطلعك راچل تتحمل مسؤولية عيلة من بعدي، لإنك انت وحدك سندي في العيلة دي.
عادت الابتسامه الساخرة لوجه جواد وتحدث بقوة
_ بس اللي انت متعرفوش إن خطتك نچحت وجدرت فعلاً تموته(قالها وهو يشير بقبضته على قلبه) ومبجاش كيف لول يراعي ويراضي، فلو كنت فاكر إني هحن ليك زي زمان واجولك تحت أمرك ياچدي تبجى غلطان جوي لإني بجيت عايش لنفسي وابني وبس واللي كان ليا أهنه خلاص أخدته والجصر ده معادش يلزمني.
وانت لو فكرت فيا زين هتعرف إني قضية خسرانه، شوف خالد هو أولى بيها عني، هو برضك جلبه ميت من صغره.
عاد خالد من الخارج فيتفاجئ بسيارة جواد داخل حديقة القصر
فعلم بأن جده بعث إليه كي يجبره على العودة.
فمهما اخفى شوقه لجواد فالكل يعلم بمدى حبه له
دلف للداخل فيجد والدته جالسة في البهو وكأنها تنتظر خروجه ومعرفة ما يحدث بالداخل.
تقدم منها ملقيًا السلام
_ مساء الخير
اجابت بنفور
_ كنت فين لحد دلوجت؟
جلس بجوارها وتحدث بتسويف
_ هكون فين يعني، كنت مع اصحابي.
_ كنت مع اصحابك برضك ولا في سهرة من اياهم.
زفر بضيق
_ اني چاي تعبان ومليش خلج للنجاش ده، انا طالع اوضتي.
نهض من جوارها وهم بالذهاب لكنها اوقفته بحدة
_ خليك إكدة عايش ولا على بالك وسايب ابن اللبنانية ياخد كل شيء وانت واجف تتفرچ.
تطلع إليها بضيق ليسألها
_ عايزاني اعمل ايه يعني؟
نهضت لتقف أمامه وغمغمت بسخط
_ جولتلك مية مرة جرب من چدك واكسب وده، وزي ما جدر چواد يسحب منه المزرعة ويعالم بيطلب منه ايه تاني چوه
اعمل زيه و اسحب انت كمان منه المصنع بس انت لا؛ عايش يومك زي ما هو ومبتعملش حساب لبكرة زيك زي الخايب التاني.
ظهر الجحود على ملامحه وتحدث بوعيد
_ متجلجيش كل حاچة هتيچي في وجتها.
انهى حديثه وصعد إلى غرفته
ليجد ياسمين تعبث بهاتفها
لم تعيره أي اهتمام وهو قد تعود على ذلك
_ مساء الخير.
رفعت بصرها إليه لتصحح بهدوء رغم النار التي تعتمل بداخلها
_ تقصد صباح الخير.
تنهد بملل ورد قائلًا
_ هو الموال ده مش هيفض.
وضعت هاتفها على المنضدة بجوارها وجذبت الغطاء عليها وهي تقول بعدم اهتمام
_ ولا ميفضش مش هتفرق.
زم فمه دلاله على غضبه فوضع مفاتيحه وهاتفه على المنضدة الأخرى وأخذ ملابس له ودلف المرحاض صفقًا الباب خلفه بعنف
انتبهت ياسمين لوصول رسالة إلى هاتفها
فتبتسمت بسخرية لعلمها بما تحتوية
يظن الجميع بأنها لا تعرف شيء مما يدور من خلفها لكن ما لا يعرفه الجميع بأنها تعلم كل شيء بآثار الطلاء التي تجدها على ملابسه
والرائحة التي تضعها تلك المرأة عمدًا على ملابسه غير الرسائل التي تصلها وتخبرها كـ كل ليلة عمّ يفعله من خلفها مع تلك المرأة
لم تعد تبالي لشئ خاص به
اغمضت عينيها تتظاهر بالنوم عندما خرج من المرحاض
نظر لهاتفه فوجده اوشك على نفاذ شحنه
أخذ يبحث عن شاحن هاتفه فلم يجده ولم يكلف نفسه عناء سؤالها وأخذ يبحث عنه حتى صدم بذلك الشيء مخفي في أحد الأدراج.
قلبه بين يديه يتأكد من حقيقته وقد تأكد شكه عندما قرأ الإسم جيدًا
تقدم منها ليجذب عنها الغطاء ويلقيه أرضًا ثم ألقى تلك العلبة في وجهها بغضب جعلها تنتفض بوجل وصاحت به
_ انت اتچننت ايه اللي بتعمله ده؟
نظر إليها بغضب جحيمي وهدر بها
_ الچنان الحجيجي هتشوفيه بس بعد ما تجوليلي ايه ده.
أشار على تلك العلبة فتهتز نظراتها ما إن وقعت عينيها على تلك الحبوب ثم رفعت بصرها إليه ببطئ وتمتمت
_ معر..فش
ازداد غضبه لتلاعبها به وصاح بها
_ انتي هتستغفليني تاني؟!
لا داعي للإنكار فكل شيء أصبح واضحًا وقد أصبحت أمامها فرصة للانفجار والبوح بما يعتمل بداخلها فنهضت من فراشها لتقف أمامه وتقول بتأكيد
_ أيوة أنا باخد الحبوب دي
قطب جبينه بدهشة لتبجحها وسألها بسخط
_ من ميتى؟
أجابت وهي تنظر داخل عينيه بقوة
_ من يوم ما اتزوچنا
ازدادت قطبة جبينه وعاد أسألته
_ ليه؟
_ لإن عمري ما هسمح بحاجة تربطني بواحد خاين زيك..
قاطعهتها لطمة قوية على وجهها اسقطتها على الفراش فتنظر إليه نظرة احتقار وهي تضع يدها على وجهها الذي احمر من قوة لطمته، فدنا منها يجذبها من خصلاتها وغمغم بوعيد
_ وديني لدفعك تمن عملتك دي غالي جوي
دفعته بعيدًا عنها وهي تصرخ به
_ دفعت تمنها ولسة بدفعها لما وافقت جدي على ارتباطي بيك
دفعتها وانت راجع كل يوم وش الفجر من عند الهانم اللي بتخوني معها، وانت مبتسبش واحدة إلا لما تبصلها برعبة حتى وانا جانبك، دفعتها وانت بتمارس قسوتك عليا ومفكرتش مرة واحدة في إحساسي بعدها
انتهى كل شيء عند تلك اللحظة وصرخت بمرارة
_ خليك راجل مرة واحدة في حياتك واخرج من حياتي اللي دمرتها وقضيت عليها، خليني اعيش ولو يوم واحد كإنسانة وليها مشاعر، مش مجرد زوجة تستنى جوزها كل يوم راجع وش الفجر من عند واحدة.
تقدمت من المنضدة لتأخذ هاتفها وتلقية في وجهه وتتابع بقهر
_ افتح وشوف الرسايل اللي بتوصلي كل يوم منها واقرأها كويس عشان تفكرك باللي كنتو بتعملوه طول الليل مع بعض.
اقرأ كويس وشوف مين اللي ممكن تتحمل كل ده.
______________
في المكتب
سأله حسان بجدية
_ ولو جلتلك أرچع وهخليك المتحكم في كل شيء؟
أجاب باعتراض وهو يهم بالانصراف
_ حقي واخدته ومريدش حاچة واصل لا منك ولا من غيرك، بعد اذنك؟
خرج جواد من المكتب فيتفاجئ بصوت اخته التي تصرخ بالأعلى
فترك جده واسرع إلى غرفتها كما حال الجميع وفور اقتحامهم للغرفة سمعوا صوتها وهي تصرخ به
_ لو راجل وعندك نخوة طلقني مش طايقة اشوفك ولا طايفة اعيش معاك.
تقدم جواد من اخته وهو ينظر لخالد بغضب
_ عملت فيها ايه؟
القت ياسمين نفسها بحضن أخيها تلتمس منه الأمان ولم يبخل عليها واحتواها بلهفة عندما لاحظ اثار صفعه لها فنظر لخالد نظرة حانقة تكاد تحرقه فسأل حسان الذي دخل لتوه
_ في ايه؟ ايه اللي بيحصل بالظبط؟
ازدرد خالد لعابه وتحدث بإباء
_ عادي ياجدي مشكلة عادية مفيش داعي تدَّخلوا.
تحدث جواد بسخط
_ ولما هي مشكلة عادية بتمد يدك عليها ليه؟
نظر عامر إلى وجه ابنته ليتأكد من ذلك ثم نظر إليه بغضب
_ انت كيف تمد يدك عليها؟
شعر بصعوبة في مصارحتهم بفعلتها كي لا يظهر أمامهم بأنه رجل غير مرغوب به لكن
ياسمين ابتعدت عن حضن أخيها ونظرت لجدها لتواجهه بأفعاله كي تجرح كبرياءه كما جرحها وقالت بألم
_ الاستاذ اللي بيجولك مشكلة عادية عرف إني منعه نفسي اخلف منه.
نظر كلًا منهم للآخر
منهم الذي ينظر إليه بتعاطف ومنهم من يسخط على ياسمين ويلومها ومنهم أيضًا من يتعاطف معها لعمله بحقيقة خالد لكن كريمة من كان لها السخط الأكبر لياسمين وقالت بحدة
_ وانتي مستنيه منه أيه بعد عملتك دي.
صاح بها عامر
_ استني لول نعرف منها عملت اكدة ليه؟
سألها حسان
_ ليه تعملي حاچة زي دي من ورانا؟
ضحكت بسخرية مغلفة بالمرارة
_ يعني انت مش خابر انا عملت إكدة ليه؟
عايز تجلي إنك متعرفش أنه بيسهر كل ليلة لوش الفجر مع واحدة احقر منه من يوم ما حكمت عليا بالموت وزوچتني ليه؟!
ولا رسايلها اللي بتدبحني فيها وهي بتسجل اعترافه ليها بإني حاجة مفروضة عليه وأنه وافق بس عشان جده ضغط عليه وهدده.
صرخت به بكل القهر الذي تشعر به
_ هددته بإيه عشان تجبره يتچوزني ياچدي ياللي مفروض تعلي من شأني مش تجرحني وتهني بالشكل ده.
وجه الجميع نظرات الاحتقار لخالد الذي اخفض وجهه بخزي لكن كريمة كان لها حديث آخر
_ ولما هو إكدة مجولتيش ليه من الأول؟
وجهت ياسمين نظرة حانقة لها وقالت باحتدام
_ لإني مش متعودش اطلع أسراري لحد واشمته فيا بس خلاص دي النهاية واللي عايز يشمت براحته
نظرت لجدها وتابعت بقوة
_ ياتطلجني منه ياإما حل من الاتنين ملوش تالت ارفع جضية طلاج وافضحه في التل كله، ياإما أموت نفسي واخلص من العذاب ده.
ساد الصمت بين الجميع لا يتخلله سوى شهقاتها وهي تتدراي في صدر أخيها الذي ابعدها عنه قليلًا كي ينظر إليها وتمتمت بروية
_ چهزي شنطتك وتعالي معايا.
قاطعته كريمة بحقد خفي
_ تاچي معاك على فين؟
نظر إليها شزرًا وغمغم بقوة
_ على المزرعة، عندك مانع؟
ردت بحدة
_ طول ماهي علي ذمة ابني ملهاش خروچ من البيت إلا بإذنه.
وجه نظره إلى والده الذي وقف صامتًا ورد باحتدام
_ متجلجيش بكرة بالكتير جوي ورجتها هتكون عندي، اتفضلوا كلكم على برة عشان تغير هدومها
لم يستطيع حسان الوقوف امامه تلك اللحظة فهو الآن كريحٍ عاصفة من يقف أمامها خاسر
أما خالد فقد فضل الانسحاب والخروج من القصر فهذا هو الحل الوحيد الآن.
خرج الجميع ماعدا فادية التي ظلت بجوارها
تحاول اقناعها بالبقاء لكن جواد منعها بهدوء
_ سيبيها يامرات عمي مينفعش تكمل معاه بعد اللي حصل.
وافقت على مضد وساعدتها في توضيب حقيبتها وظلت معها حتى خرجت من باب القصر مع جواد.
ظلت طوال الطريق تنظر من نافذة السيارة ودموعها تسيل بصمت مطبق على وجنتيها وجواد ينظر إليها بين الحين والآخر بقلب لهيف
فتلك هي طفلته التي ظل يعتني بها بعد رحيل والدتهم ولم يتركها عبء على أحد
كانت تبلغ من العمر اربعة اعوام وعندما يغلبها الحنين إلى والدتها تذهب الي ابن الثامنة تلتمس منه العزاء فيحتويها بذراعيه ليبثها الحنان التي تفتقده رغم صغر سنه
لا ينكر اهتمام زوجة عمه فايز بهم لكن لن يعوضها عن حنان والدتها ولهذا كان معطاءً حنونًا معها إلى أقصى درجة
وصلوا إلى المنزل واوقف سيارته أمام الباب الداخلي فيترجل منها ليساعد أخته على الترجل ونادي على حامد
_ حامد
اسرع حامد بالظهور أمامه
_ نعم جنابك.
_ نزل الشنط ودخلها چوه
أخذها وصعد بها للغرفة المقابلة لغرفته وقال بروية
_ نامي دلوجت ومتشليش هم حاچة طول ما انا عايش
ابتسمت له بامتنان وبدالها هو بابتسامة انمحت سريعًا وهم بالخروج لكنه توقف عندما تفاجئ بها تقول
_ أنا رايده اسافر لأمي.
❈-❈-❈
دلف جواد غرفة ابنه عندما سمع صوت بكاءه
فوجد حياة تحمله وتحاول تهدئته لكنه لا يستجيب لمحاولاتها
حمحم جواد كي يعلمها بوجوده فيبدو انها لم تسمع طرقه للباب
التفتت له وقد تفاجئت به حقًا
فقالت باحراج
_ چواد بيه؟
تقدم من طفله وهو يبعد بصره عنها وقال بجمود
_ لساته بيعيط؟
نظرت ليزن بتأثر
_ بيجوم من نومه يعيط شوية ويرچع ينام تاني.
تقدم منها ليأخذه وقال بهدوء
_ روحي انتِ وانا هفضل معاه
رفعت بصرها إليه لتتقابل أعينهم والتي رآت فيه جمود وصلابة تقينت أن خلفها حزن دفين وحصيلة اعوام كاملة من الشقاء
اهتزت نظراتها وابعدتها فورًا وخرجت من الغرفة رغم صعوبة تركها للطفل.
أما هو فنظر إلى ابنه لتظهر ابتسامة لا تعرف الجود وسرعان ما محاها
وكأنه نسى كيف يبتسم
لم يكف طفله عن البكاء وكأنه بيد غريب ويبحث عن الأمان بعيدًا عن ذراعيه مما جعل سخطه يزداد عليهم وقد فرقوه عن طفله حتى لم يعد يعرفه بالرغم من انه لم يكن يعرف أحد سواه حتى والدته
استسلم الطفل للنوم من شدة البكاء فألقى رأسه على كتف والده مغمضًا عينيه بارهاق
فإتخذها جواد فرصة لينعم باحتضانه
ومضات من الماضي مرت بباله عندما كان يستيقظ ليلًا على بكاءه وهي نائمة لا تبالي به
لا تريد شيئًا يعكر صفو نومها
اما هو فقد كان يسرع إليه ليحمله فيشعر حينها بالأمان ويعود إلى سباته منعمًا به.
قام بوضعه في مهده وخرج من غرفته ذاهبًا لاسطبل الخيل الخاص به كي يسترد هدوءه مع صديقه الوحيد.
فهو وحده من يزيل أمامه قناع الجبروت ويحتفظ فقط بقناع القوة
فلن يكشف عن وجهه الحقيقي إلا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة
هكذا عاهد نفسه وسيظل على عهده حتى آخر رمق.
أخرج الحصان من مكانه وخرج به للساحة بعد أن وضع عليه السرج فهز الفرس رأسه دلاله على رغبته بالانطلاق فكشف جواد عن ابتسامة محت جحود عينيه لكنها كعادتها به لم تدوم طويلاً وانمحت وهو يربط اللجام ويمطتي الجواد منطلقًا به بأقصى سرعته ولم يبخل عليه (رماح) بقوته وأخذا يصارعان الريح بكل ما أوتي من قوة يجوبا المزرعة.
الغضب بداخله لا يرأف به وهذه هي طريقته الوحيدة للخلاص منه.
ظل يسرع به حتى خرج منها وتوجه إلى التل ليقف على مشارفه يتطلع إلى بلدته وإلى ذلك القصر المضيء في ظلمة ذلك الليل الذي اسدل ستائره بنجوم تتلألأ في غطاءه
ابتسامة نصر خافته رسمت على وجهه
فقد استرد ما هو له ولم يعد هناك شيء يشغله
سيجعل ذلك القصر صفحة منطوية ولن ينظر لها مرة أخرى.
صهل حصانه الأدهم عندما شد جواد لجامه فيرفع مقدمته في الهواء وفارسه ثابتًا منتشيًا بنصرٍ أوشك على الأكتمال
❈-❈-❈
عادت توليب بظهرها للوراء برعب وتمتمت برهبة
_ انت عايز ايه امشي اطلع برة.
نظر إليها برغبة وهو يتفحصها من رأسها حتى اغمص قدميها وتمتم بمكر
_ اطلع برة أيه دا انا ما صدقت وقعتي في ايدي واطمني اخوكي وجوزك أمك مش راجعين دلوقت.
استدارت لتسرع بالهرب إلى إحدى الغرف لكنه سبقها وجذبها إليه
حاولت أن تصرخ وتستنجد بأحد لكنه كتم صوتها بيده وغمغم من بين أسنانه
_ متحاوليش لإني النهاردة ياقا تل يامقتو ل، انا نفسي فيكي من زمان ومبقتش قادر استمتع بأي واحدة من وقت ما شوفت وشك القمر ده، فاهدي كدة عشان متتأذيش.
لم تستسلم وظلت تعافر معه وهو يحاول تقبيلها
خدشته بأظافرها في عنقه بمحاولة فاشلة لإيلامه لكنه قيد يدها خلف ظهرها ودفعها للحائط بقوة آلمتها بشدة
حاولت ركله بقدمها لكنه كان مسيطر عليها فلم تفلح بذلك
قام بتمزيق ثوبها من الأمام فتخرج منها صرخة اغاثة حتى شعرت بتمزق حلقها
بكت بكاء يمزق القلوب ومن ليس لديه قلب ينهش فيها غير عابئ بدموعها ولا رجاءها.
محاولات كثيرة لكنها فاشلة أمام قوته وطغيانه وهو يقبلها بغير رحمة
نظرت بلهفة حيث فتح الباب ودلف توفيق لينصدم حينما رأى ذلك الوحش ينهش في ابنته فأسرع إليه يجذبه من ملابسه كي يبعده عنها وفاجأه بلكمة قوية اسقطته أرضًا
اسرعت توليب تتحامى به فيربت عليها قائلاً
_ أهدي متخفيش.
نهض الرجل ونظر لتوفيق بغضب وهم بضربه لكن توفيق تفادى ضربته وسدد إليه ضربة أخرى ارتدى الرجل على اثرها حتى صدم بالطاولة
وجد الرجل قنينة زجاجية على الطاولة فقام بقذفها في رأس توفيق فاصابته إصابة بالغة فاسرعت إليه توليب بفزع لكنه امرها بحدة
_ ادخلي اوضتك واقفلي الباب
توالت المشاجرة بينهم وتوفيق قد ضعفت قوته بسبب تلك الضربة مما جعل توليب تشعر بالخوف عليه فلم تستطع دخول غرفتها كما أمرها
ذهبت إلى النافذة كي تستنجد بالجيران لكنها تفاجئت بذلك الرجل ينقض بيديه على عنق توفيق يخنقه
انقبض قلبها خوفًا وهي ترى عنقه بين يديه
وقد بدأ وجه توفيق يشتد قتامة وجحظت عينيه بشكل مريب والرجل لا يريد تركه
هزت رأسها بفزع على ذلك الرجل الذي كان لها أب واخ وصديق
من لم يتركها لحظة واحدة تشعر بمرار اليتم
من عاش لاسعادها وضحى بالكثير لأجلها
من لم يتركها في حزنها ولا مرضها ولا آلامها
من اقسم يومًا لها بأنه لن يجعل الدموع تعرف طريق عينيها إلا بالسعادة.
هزت رأسها بالرفض عندما بدأت حركاته بالتراخي وقد كاد أن تزهق روحه فلم يكن هناك وقت للتفكير، عليها انقاذه بأي طريقة فلم تجد سوى ذلك التمثال الحجري أمامها وبدون وعي منها أخذته وضربته به على رأس حسين كي يبتعد عن والدها فتخرج منه آهه عميقة وهو يترك عنق توفيق فيسقط كلاهما على الارض بلا حراك.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close