اخر الروايات

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم وسام الأشقر

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم وسام الأشقر




ترفع رأسها من بين أحضان تقى عند سماعها صوت شادي يقول:
– أنا أتصلت بهشام صاحبي وبيدور عليا في الأقسام والمستشفيات وهو وعدني إنه هيلاقيه.
تقول ببكاء:
– محدش هيلاقيه.. يوسف اختار يبعد.. أنا السبب.
يامن مهدئًا إياها:
– ماتحمليش نفسك ذنب.. تلاقيه راح هنا ولا هنا.. هو بس يفتح تليفونه وهنوصله.
عامر بهدوء:
– طيب انتوا سألتوا معارفوا واصحابه يمكن يكون عند حد منهم.
للحظات تتذكر شيئا ما لتقول بلهفة:
– نانسي؟ انتو سألتوا نانسي؟ اكيد تعرف مكانه.
فتلاحظ نظرات يامن وشادي المبهمة لبعضهما ليقول شادي:
– نانسي! هو يوسف مقالكيش؟
فتقف مواجهه له بوجه أحمر من شدة البكاء:
هو لسه متجوزها صح؟ هو ممكن يكون عندها مش كده؟
شادي بحزن ظاهر:
– نانسي للأسف.. ماتت وهي بتولد إبن يوسف.
صفعة.. صدمة.. لم تشعر بحالها إلا وهي مسنده بين ذراع أحدهم بسبب الدوار الذي أصابها عند سماع كلمات شادي.
وتسمع صراخ ملك التي لم تتوقف عن البكاء عند رؤيتها وهي تسقط.. تمالكت نفسها حتى لا تفقد وعيها.
تقول بصوت مبحوح من كثرة النحيب:
– ماتت؟
فتسمع يامن يكمل:
– ولادتها كانت متعثرة ولدت في السابع.
لتسأل غزل بفضول:
– و إبن يوسف؟
تسمع شادي يجيب بتأثر:
– الولد كان مشوه وبعدها بيومين مات.. ساعتها يوسف قال (حق غزل رجعلها) أعتبر إن ده قصاص ربنا منه.
غزل لاتستطع استيعاب ماسمعته للتو.. تذكرت عندما أخبرته انها تريد الإنتقام منه وقتها سألها لما لم تسأله عن نانسي؟ كان يريد أخبارها أن الله انتقم منه ابشع انتقام.
…………
مستلقية بإرهاق فوق الأريكة.. يحاول الكل بث الطمأنينة بقلبها رغم فقدهم لها لقد بحثوا في كل الأماكن التي يمكن أن يلجأ لها.. تحاول استرجاع ذاكرتها للمرة الخمسون تراجع حياتها معه لحظة بلحظة منذ أن رأته للمرة الاولي بالطريق..
ولكنها تفشل كل مرة لعدم تركيزها وقلة تناولها للطعام وأدويتها التي أهملت فيها الفترة الاخيرة من تناولها ظننا منها أنها أصبحت أفضل بدونها.
تحت قدميها تفترش بيسان رسوماتها وأقلام تلوينها مع غزل الصغيرة ابنة ملك..
علمت من الجميع مدى تعلق يوسف بابنة اخته وكيف كان يمطرها بهداياه رغم القطيعة التي حدثت بينهم أثناء اختفائها.. تسمع بيسان تحدث ابنة عمتها تقول بنعومة:
– أنا رسمتي أحسن منك.
لتغضب غزل وتقول بطفولة:
– أنا أحسن.. أنا راسمة شجرة ومراجيح.. أنتِ رسمة بيت وحش ومش ملونة الرسمة.
فيزداد بكاء بيسان الطفولي:
– أنتِ وحشة.. مش لاعبة معاكي تاني.
ويزداد صرخها مما يجعل غزل تغمض عينيها بقوة اثناء استلقائها بغرفة المعيشة أمام التلفاز معتقدة انها ستنال بعض الراحة لتقول لابنتها بلوم:
– فيه إيه يابيسان؟ بطلي صريخ عندي صداع.
بيسان تجري لتجلس بجوار أمها ببكاء:
– غزل بتقولي رسمتك وحشة.. الرسمة مش وحشة.
تحاول غزل إرضاء ابنتها فتقول بمداعبة:
– وريني كده.. الله! إيه الرسم الجميل ده؟ لتشير بأصبعها على الرسمة متسائلة:
– بس قوليلي بقى مين دول؟
فتجيبها بيسان بطفولة:
– دي أنا وانتِ وبابا يوسف.
فتشير غزل مرة أخرى على الرسمة وتقول:
– وايه اللي ورانا ده؟
بيسان وتلعب بخصلات شعرها البنية:
– ده البيت اللي بابي يوسف قالي عليه هيبقي يلعبني فيه انا وانت لما تصالحيه، وقالي انه كبييييييير أوي وقدامه بحر أزرق.
تشعر بشلل أطرافها تريد التحرك ولكنها عجزت عن الحركة لا تجد سوى صوتها يصرخ مناديًا باستغاثة:
– يامن!
…………….
أثناء الطريق تناجي ربها أن يكون هناك على الرغم من أن هذا البيت يمثل لها أسوأ الأماكن إلا انها لم تفكر مرتان عندما سألت يامن والجميع هل بحثوا بشالية الساحل أم لا؟ وكانت الإجابة غير متوقعة..
لتقول وهي تفرك أصابعها:
– بسرعة يا يامن.. أنت بطيء ليه؟
يخفض نظرة لعداد السرعة قائلًا:
– بطيء؟! أنا سايق على ١٤٠ الرداد لقطني مرتين.
تضع أحلامها في إيجاده بآخر مكان تتمني ان يجتمعا به فتسأله:
– تفتكر هنلاقيه هناك؟
– أنا مش قادره استحمل فكرة إنه مش هناك.
يامن بعقلانية:
– إن شاء الله هنلاقيه.. وبعد من نلاقيه ليا كلام تاني معاكي بخصوص عامر، افتكر الخطبة بمبقاش ليها معنى بعد اللي أنا شايفه منك.
……..
وقفت أمام بابه بأرجل مرتعشة يمسك يامن بكفها يبثها الأمان والأمل يشعر بارتعاشها.. فهذا البيت له ذكريات سيئة معها أكثر من السعيدة.
فينظر لعينيها ليقول بشجاعة:
– مستعدة تدخلي؟
لتهز رأسها بسرعة بالموافقة، يفتح باب البيت فيقابله الظلام المحيط بالمكان يفتح ويغلق كلاهما عينيه حتي يعتادا على ظلمة المكان وتتضح الرؤية ليلاحظا أن المكان خالي.. يصدح صوت يامن مناديًا بقوة:
– يـــوسف.. يـــوسف!
فتقول له لعلها لم تفقد الأمل بعد:
– الاوضــ
يصعدا بسرعة يبحثا بالحجرات ليجدنها فارغة فتقف أمام باب الحجرة الأخيرة التي كانت تشاركه فيها والتي شهدت اسوء لحظاتها.. ترفع يدها بشجاعة تمسك مقبض الباب وتدفعه.. فتجول بنظرها حول أركان الحجرة التي شهدت ألمها وتعذيبها.. لتقع عينيها على شيء ما ساقط أرضًا غير واضح بسبب الظلمة الجزئية بالحجرة، تقترب بخطوات متمهلة.. تتتسارع ضربات قلبها كأن سهمًا ضرب به وتجحظ عينيها بشدة مما شاهدته.. صرخة جرحت حنجرتها وقلبها.. صرخة باسمه عندما وجدته ملقى على جانبه الأيمن والدماء تخرج من فمه وأنفه.. كان مشهدًا يشل العقول.. لتجلس على ركبتيها بجواره تسحبه إلى أحضانها تحاول إفاقته متوسلة إياه أن يجيبها ويطمئنها.. تقول بصراخ:
– يوسف.. رد عليا.. رد ياحبيبي، أنا جيت أهو.. مش انت كنت عايزني أكون معاك.. قوم كلمني أرجوك.. متعملش فيا كدة يا يوسف.
فتشعر بيد يامن يسحبه من أحضانه وسط دموعه يناديه ويتحسس أوردته للتأكد من وجود نبض.. فتجده يسرع بسحب هاتفه من سرواله لطلب الإسعاف.
خلال فترة نقله أصرت الركوب بجواره.. تمسك كف يده لاتريد أن تفلته لتتفاجأ في بداية الأمر بضم قبضته على شيء ما بصرامة، فتحاول فك قبضته لتجد سلسالها اللامع الذي فقدته من مدة كبيرة، فترفعها أمام أعينها بتأثر فتنقل نظرها إليه.. توعده بأنها لن ترتديها إلا بيده.
وقف يامن يراقبها وهي جالسة أمامه تنظر للفراغ بشرود غريب وبثبات أغرب.. شيء ليرفع عينه على حجابها ومظهر ملابسها الغير مهندمة بداية من حجابها الذي ظهر من أسفله بعض
الخصلات البنية الهاربة منه ووجهًا الأبيض الحليبي المختلط ببعض الحمرة من شدة توترها رغم شحوبها وضعفها.. يخاف من سكونها وثباتها فهي لم تذرف دمعة واحدة كأنها تتحدى أعينها أن تضعف.. يقترب منها بهدوء ليجلس بجوارها ولكنها لم تهتز لاقترابه ثابتة كالتمثال الصخري ليجلي صوته:
– غزل! قعدتك هنا مش هتفيد.. قومي أوصلك عشان كمان بيسان.
عندما طال ثباتها وصمتها ظن أنها لن تجبه فيسمعها تقول:
– عايزني أمشي! أمشي واسيبه بعد اللي سمعناه من دكتوره؟ مش هسيب يوسف يا يامن.. كفاية.. كفاية بُعد مابقاش في وقت خلاص.
ليتنهد بألم لايستطع أخبارها بما قاله له الطبيب ليقول:
– يوسف هيطول هنا، ومش معقول هتفضلي بلبسك ده على طول.. حتى روحي غيري هدومك وأنا هنا.
– أنا عارفة كل حاجة يا يامن.. سمعت الدكتور وهو بيتكلم معاك.. عرفت أنه مصاب من مدة ورفض العلاج.. عارف رفض ليه يا يامن؟ عشان أنا السبب.. السبب إنه يرفض الحياة.. أنا قولتله انت ميت يا يوسف وفعلًا كان بيموت وانا غبية ماحستش بيه.
يامن بتأثر وحزن:
– هيبقى كويس صدقيني.. هو خد أول جلسة وهيبقى كويس.
– يارب.
…………
تجلس بجواره فوق الفراش تتأمل ملامحه الشاحبة وذقنه الغير حليقة تداعب خصلات شعره الطويلة السوداء.. أول مرة تدقق في ملامحه بهذا الشكل فتخفض نظرها لشفتاه لتلاحظ تشققهما وجفافهما الشديد.. لترفع أعينها مرة أخرى لوجهه لتجد عينان صقريتان ينظران إليها نظرة جديدة وغريبة لم تراها بهما من قبل.. نظرة خزي وانكسار.. نظرة ضعف وألم.. لتقول بسعادة لإفاقته:
– يوسف.. يوسف أخيرًا فوقت.. الحمد لله.
لتجد ظهور غلالة من الدموع المنحبسة مع احمرار طرأ على عينيه لتسقط دمعة من جانب عينيه بصمت.. فتسرع لمسحها بأناملها وتمسك وجهه بين كفيها تقول:
– أنا جنبك ومش هسيبك أبدًا، وإياك أشوفك ضعيف بالشكل ده.. يوسف الشافعي ما يكونش ضعيف أبدًا.. أنت فاهم؟
لتجد انفراج شفتاه الجافتان لينطق بأصعب الكلمات التى ألمتها:
– ربنا بياخدلك حقك مني.. ياترى دلوقتي سامحتيني.. وغفرتيلي؟
– أسكت.. أسكت.. انت مش فاهم حاجة.
قالتها بترجي بوجهه، ليقول :
– ربنا انتقملك من زمان من زمان أوي ياغزل.. انتقملك يوم ماحكم عليا بموت إبني من نانسي قبل ما احضنه وحرمني منه وحرمني من إني أشوف بنتي بتكبر قدام عيني.. انتقملك لما خلاني عاجز برجلي اللي ألمتك.. انتقملك وخلاكي شيفاني دلوقتي والمرض بياكل فيا.. ياترى بعد كل ده لسه مسامحتنيش؟!
تحارب دموعها لا تعلم ما أصابها هل ما زالت تحبه رغم ما صدر منه؟ ليكمل بإرهاق:
– انت قولتي انت عيشت حياتك.. لا ياغزل حياتي وقفت يوم مافقدتك.. أنا انفصلت عن نانسي بعدها بس حكمة ربنا إنه يعطيني إبن ما أفرحش بيه.
غزل في وسط دموعها:
– أسكت.. كفاية.. أنت مش فاهم حاجة.
ليغمض عينيه ويرفع كفه يحيط بكفها ليلامس خاتم خطبتها لتنتقل عيناها على أنامله التى تداعب خاتمها..
لتسمعه يقول بصوت هادئ:
– حددتوا ميعاد الفرح؟
لم تستطع إجابته.. أي فرح يسأل عنه؟ هل المرض أصاب قواه العقلية أيضًا؟ أيعقل أن تفكر في مثل هذه الأمور؟
لتقول متوسلة إليه:
– يوسف.. ارجوك تسمعني.. أنا وعامر حكايتنا مكتوبلها الفشل.. أنا هفسخ الـــ
ليقطع حديثها بصرامة كلمته:
– لا.. إياكِ تفكري في اللي عايزه تقوليه.. عامر مكتوبلك من زمان، من زمان أوي.. وبسببي وبسبب انانيتي فرقتكم عن بعض زمان.. لو ماعملتش كده كان زمان حياتك أحسن معاه.. الوحيد اللي يستحقك هو.. هو هيحافظ عليكي كويس وهيحب بيسان زي بنته من بعدي.
فتنظر لعينيه لعلها تستشعر الهزل بحديثه لتجد إصرارًا غريبًا مختلط بكثير من الحزن والحسرة.. تعلم أن كل ذلك نتاج حالته الصحية المتدهورة لذا لن تحادله في مثل هذه الأمور الآن.. فاكتفت بالصمت على حديثه لتتتكلم:
– بيسان بتسأل عليك من وقت ما اختفيت.. وكل يوم بتعيط وقت النوم عشان كنت بتنام جنبها من ورايا، بيسان ما تستحقش تحارب عشانها؟
ليجيبها بدون تفكير:
– بيسان ماتستحقش يكون في حياتها أب زيي.
لتهز رأسها بالرفض وتمسك وجهه بكفيها تقول بإصرار:
– انت أعظم أب وبيسان محتجاك.
– أنا أسوء أب! ولو فضلت في حياتها هتعيش تعيسة زي أمها معايا، أنا نقمة على كل اللي دخلت حياتهم.
– سواء أب سيء أو كويس هتفضل أبوها اللي لا يمكن تشيلوا من شهادة ميلادها.. رفضت هي أو رفضت أنت.
فيقطع حديثهما رنين هاتفها لتتركه لتجلب هاتفها فتتوتر عند رؤية إسم المتصل لتحوله لوضع الصامت ليقول مبتسمًا:
– عامر مش كده؟
رفضت أن تجيبه ليقول بثبات:
– ردي عليه، من حقه يطمن عليكي.
فيشير لها بعينيها لهاتفها مشجعًا إياها للرد.
ترفع هاتفها ببطء مع ثبات عينيها على المبتسم ابتسامة ألم تجيبه بخوف من مجهول منتظرهم…

يتبع..



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close