اخر الروايات

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم وسام الأشقر

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم وسام الأشقر




لايتذكر كيف خرج من عنده تاركًا طبيبًا متعجبًا من حالته وكيف ركب سيارته ويقود بسرعة جنونية كأنه يتوسل الموت بأن يلحقه ليخلصه من ذنبه ليجهش بكاء وصراخًا مناديًا باسمها ويدور ويدور باحثًا عنها بقلب متألم على روحه التي نزعت منه بقرارة نفسه ومحض إرادته.. ليراها أمامه بوجهها المكدوم وجروحها التي تملأ جسدها باكية أمام عينيه وتتلاشى الرؤية أمامه بسبب تصادمه بشي ما.. ليعلم بعدها أنه ظل بغيبوبته شهران كاملان مع خضوعه لخمس عمليات بساقه اليمنى التي كانت مهددة بالبتر نتيجة حادث التصادم بين سيارته وسيارة نقل للبضائع.
من يومها لم يصبح يوسف الشافعي كما هو.. تغير كل شيء من حوله وبه، ابتعد أقرب الناس إليه تركوه وحيدًا بأحزانه.. لم يواسيه أحد، الجميع حاكمه بالنبذ.. يتذكر أنه دخل بعدها بنوبات اكتئاب حاد بسبب حالته الصحية والنفسية.. إحساسه بالذنب يقتله، كل يوم يمر عليه يتزايد ذنبه، يكاد أن يجن.. أين هي الآن؟ كيف هربت منه؟! هل كان سيقدم على قتلها كما وعدها أم كان يهددها.. كيف اصبح ابنه؟! هل هو شبهها أم شبهه هو؟ يتمنى أن يجدها يقبل يدها وقدمها لعلها تعفو وتصفح.. يريد ضمها يستنشق عبيرها.. انه يموت.. يتعذب.. ليغمض عينيه لعله يستريح من أفكاره وربما تزوره بأحلامه تشبعه قبلات دافئة.
…………..

 


يجلس ثلاثتهم في الصباح بمطعم مطلًا على البحر وكل منهما أمامه المثلجات التي قام بطلبها لهما وطلب القهوة الخاصة به
ليقول يامن:
– ممكن تستمتعي بالجو مافيش حاجة تخوف ياغزل شايفة الناس حوالينا مستمتعين إزاي؟
لتقول بضيق:
– أنت عارف إن مش بحب اخرج مش عايزة اشوف حد بحس بتوتر.
يامن:
– مفيش حاجة تخوفك طول ما أنا جنبك ولا إيه يا آنسة بيسو؟
لتضحك بطفولة مع فمها الملطخ بالمثلجات ليربت على شعرها كعادته مع أمها.
ليصدح صوت رجولي من خلفهم
يقول:
– دكتور يامن مش كده؟
فتنكمش غزل على نفسها كعادتها، وتسمع يامن مرحبًا:
– اهلًا دكتور عامر..
ليقف يصافحه بحرارة متعجبًا:
– مش معقول.. أنا مكنتش متوقع إنك تكون متذكرني بعد السنين دي!
فيدعوه يامن للجلوس:
– اتفضل معانا.. أنا سعيد إن شوفتك.
عامر ونظره معلق على ظهر تلك المنكمشة:

 

– مش حابب ادايقكم.
وبعد إلحاح من يامن رضخ عامر لطلبه بكل سعادة.
يامن بمداعبة:
– شوفت ياسيدي أهي دي بيسو.. بيسان اللي حضرتك كنت السبب بعد ربنا انك تنقذها.
عامر:
– ربنا يبارك فيها.
وعينه مسلطة على تلك الجالسة أمامة يعلو ملامحها التوتر.. ويكمل يامن التعريف:
– اقدملك مراتي.. لما ولدتها ماجتش فرصة انكم تتعارفوا على بعض.
ليقول:
– ليا الشرف إني أتعرف عليكي.
لتقول بخجل:
– شكرًا.
فيعقد حاجبيه متعجبًا من ردها فيلاحظ يامن اندهاش عامر المفاجئ
ليقول:
– في حاجة يادكتور.. غزل قالت حاجة؟
ليتأكد عامر أكثر وأكثر من شكوكه.. في بداية الأمر عند إجراء القيصرية لها لم يرى وجهها.. ولكن عندما لمحها جالسة بحجابها الحديد عليها شك بان تكون ليست هي ولكن ها هو يامن يؤكد اسمها له.. غزل.. حبه الأول.. التي عاندته الظروف لعدم إتمام زواجه منها..
عامر بتبرير:
– إيه؟ لا ابدًا بس سرحت شوية.


 

وينظر مرة أخرى بها متعجبًا جفائها.. حتى لو كان كل ذلك بسبب زوجها.. لما يشعر أنها لم تتعرف عليه وتجهله؟
ليقول يامن:
– ثواني هرد على المستشفي وجاي.
عامر مراقبًا إياها وهي ممسكة بطرف المفرش وتقوم بتنيه وفرده بطريقة عصبية
ليقول محدثًا إياها:
– ماشاء الله بيسان شبهك ياغزل.
ترفع عينها بتوتر وتقول بصوت منخفض:
– أيوه يامن بيقول كده.
ليكمل حتي يطيل الحديث بينهما:
– وكمان لون شعرها نفس لون شعرك.
فتتراجع ملتصقة بالمقعد بتوتر مع صدمتها من حديثه لترفع بطريقة غير إرادية يدها فوق رأسها تتأكد من وجود غطاء رأسها حجابها الحديث عليها.. لتهتز حدقتها تحت أنظاره المسلطة مع ابتسامته الرقيقة لتقول:
– انت عرفت منين لون شعري! هو انت تعرفني؟
فيسألها بدوره:
– أنتِ مش عارفاني ياغزل؟ مش معقول!
فيشير إلى نفسه بسبابته وتتابع عينيها إصبعه بخوف:
– أنا عامر.. دكتور عامر.. أنا كنت خ… كنت.. ج.. جارك.
لتبتسم ابتسامة مهتزة:
– انت تعرفني بجد؟جاري فين؟!
يقطع إجابته يامن:
– بعتذر يا عامر جالي تليفون من المستشفى.. ها تحب تطلب إيه؟
– لا أنا يادوب الحق أرجع لأني مسافر كمان يوم اجازة.. وراجع.. اشوف وشكم بخير.
فينصرف تحت أنظار غزل الشاردة.. تتمني لو طال الحديث بينهما وتعرفت علي الجزء المفقود من حياتها ولكن ماتشعر به انه جزء غامض سئ غير مستحب للاطلاع عليه.
………………


 

يطرق باب الحمام بنفاذ صبر.. لقد أصبحت نوبات اضطرابها وبكائها تفقده آخر ذرة عقل به! فيجدها تفتح الباب وتطهر من خلفه بأعين منتفخة حمراء يظهر عليها الإجهاد أما هو يقف أمامها يديه في خصره منتظرًا تبريرًا واحدًا لحالتها المفاجئة.. فيراها تمر من أمامه مطرقة الرأس متجهة إلى فراشه لتستلقي عليه كأنه ملكها.
ليقول:
– أنتِ بتعملي إيه؟
لم تجيبه بل تسحب عليها الغطاء وتعطيه ظهرها.. يجلس بجوارها بهدوء
يقول:
– أنتِ هتنامي هنا ولا إيه؟ فتجيبه إجابه مختصرة بنعم.. فيجلي صوته يقول معترضًا:
– احم.. و.. وبيسان هتنام لوحدها؟ انتِ عارفة انها مش بتنام لوحدها.. أنا هروح أنام جنبها وخليكي مرتاحة.
ليجدها تنتفض من فوق الفراش صارخة:
– أنت مش هتنام في مكان تاني غير هنا فاهم؟
ليجد نوبة الصراخ تحولت لوصلة بكاء ونحيب.. يامن بتعاطف:
– طيب ممكن أعرف بتعيطي ليه طيب؟
غزل بتعب:
– أنا مبقتش فاهمة حاجة؟ أنا مراتك ولا مش مراتك يا يامن؟ ولو مراتك ليه مش بتنام جنبي! طيب حتى صارحني أنت بتكرهني مش بتحبني.. ليه بتتهرب مني ودايمًا في حاجز بينا.


 

فيحاول ضمها إليه فتعترض وتكمل:
– ولو أنت مش بتحبني مستمر ليه معايا؟ انا تعبت تعبت نفسي أفهم أنا ميين.. أنا حاسة إن مش عايشة حياة بتاعتي.. أنا نفسي أموت واستريح.
فيضمها بقوة رغم اعتراضها وضربها له إلا أنه كان مسيطرًا على وضعها
ليقول:
– ماتجبيش سيرة الموت.. أنا جوزك ياغزل أنا مش وريتك عقد جوازنا ومسجل في السفارة لما شكيتي قبل كده فيا؟ وأكيد بحبك في حد مش بيحب مراته أم بنته!
لتبتعد عنه تواجهه:
– مش يمكن مش بنتنا؟
يامن بغضب:
– إيه الكلام الفارغ ده؟
غزل بتوسل:
– قولي الحقيقة وصدقني مش هخاف ولا أتعب.
فيضمها مرة أخرى ليقول:
– هقول بس أنا عملت كده من خوفي عليكِ.
……..
تسند رأسها فوق صدره باعين ثابتة غير مهتزة مايشاهدها يظن انها فارقت الحياة يسود الصمت في الحجرة بعد ان قص عليها جزءًا لا يستهان مع اخفاء بعض الأحداث مراعاةً لحالتها.. ليسمعها تقول:
– انا كنت متجوزة حد تاني غيرك؟ وانت ابن عمي.. طيب بيسان بيسان بنت مين ؟!…مش بنتك !!…..ليه ما تقولش انك سترت علي بنت عمك من فضيحتها ..ليندفع ممسكا من ذراعها صارخا:


– افهمي.. انتِ اتظلمتي وهو راح لحالة وبيسان بنته مش بنت حرام …كل اللي عملته ده عشان انقذك منه لانه كان هيقتلك انتِ واللي في بطن في لحظة غباء …غزل تدفعا صارخة:وانت مين عشان تسيرنا علي مزاجك ؟..عشان تخطط وتعيشنا زي ما انت حابب ؟؟..ليه ماسبتنيش معاه مش يمكن كان حن لبنته …
يامن موضحا لها :
– غزل انا أنقذتك منه ..انتِ كنتي بتموتي ومكونتيش واعية للي حواليكي حتي بيسان الدكتور اضطر ينقذها وانتي في السابع بقيصرية ..وبعدها فضلتي مش واعية للي حواليكي سبع شهور بعدها …سنة كاملة وانتي كل حياتي ..مكنتيش بتعرفي تعملي حاجه الا انا اعملها بسبب حالتك النفسية وفقدانك لذاكرتك.. وجايه تسألي انا مين؟
غزل بتساؤل:
– طيب ليه اول ما فوقت سألت انت مين ؟جاوبتني إنك طليقي.. يبتعد عنها ناظرًا لعينيها ويبتلع غصة مؤلمة ويقول بعذاب:
– مش عارف احدد السبب ..يمكن عشان اول حاجة هتسألي عليها مين ابو بيسان؟ ويمكن عشان خوفت لترجعي ليه.
غزل :


 

– عشان كده طلبت مني نسرع في الجواز اول مافوقت! وتقدر طبعا تسجل بيسان باسمك.
غزل بتألم:
– عشان كده انت نافر مني مش بتقرب لي.. حقك !
يامن باعتراض:
– لا طبعًا مش حقيقي ..انا خايف.
غزل بسخرية:
– من إيه؟
يامن بتعب:
– خايف من اليوم اللي هترجعلك فيه الذاكرة.. ساعتها هتندمي علر كل لحظة عدت عليكي معايا وعلى أي حاجة بتحصل بينا.
غزل بجفاء:
– لك حق تخاف.. عن إذنك هنام مع بيسان اصلها ..هه. مايتعرفش تنام لوحدها.
……..
في الحي الشعبي
– وحشتيني ياست الكل قالها عامر بحبور لامه.
تربت على كف يده:
– أنا كان نفسي اشوفك أوي يابني.. كل دي غيبة؟


 

عامر:
– اعذريني يا أمي انتِ عارفة من وقت اللي حصل وانا قولت لنفسي انتبه لشغلي يمكن اقدر انسى.
– نصيب يابني.. أكيد ربنا شايلك الخير.
عامر:
– قولي شوفت مين قبل ما ارجع بيوم واحد!
– اللهم اجعله خير.. مين يابني؟
عامر:
– آخر إنسانة ممكن أتوقع اشوفها هناك ولا وايه تطلع مرات زميل ليا وولدت علي ايدي وانا ما أعرفش.
– شوقتني.. مين دي؟
عامر بحسرة:
– غزل.. شوفت غزل.
كأن دلو من الماء البارد سقط عليها لتشهق شهقة عالية وتضع كف يدها على صدرها.
فيزداد قلق عامر عليها ويتساءل:
– مالك يا أم عامر ..انتِ تعبانه ؟!
بعدم تصديق:
– انت بتقول شوفت مين؟!
ليبتسم عامر ظنا منه انها تريده الابتعاد عنها ليقول:
– ماتخافيش.. غزل مع جوزها واللي بتفكري فيه…

 

مقاطعة حديثه: جوزها ازاي؟ أنت متأكد أنك شوفتها.
عامر بتأكيد:
+ ايوه يا أمي.. هو أنا هتوه عن اللي كانت هتبقى مراتي.
ليزداد قلقه على امه:
– فهميني بس في ايه؟ لو على غزل كل واحد راح لحاله من زمان من ساعة مافسخت الخطوبة.
ليجد امه متأثرة لحديثه لتقول:
– ياريتني يا ابني مافرقت بينكم.. يمكن كان الحال غير الحال.
عامر بتساؤل:
– انا مش فاهم حاجة.. مين فرق مين؟
………….
بعد أن قصت له ماحدث بينها وبين غزل حتي تفك هذا الرابط وتبعدها عن ابنها وحيدها ظنًا منها ان ماتفعله هو الأفضل له.. وقصت عليه ماسمعته من منزل الشريف الدسوقي عن اختفاء غزل نهائيًا والبحث عنها عدة أشهر حتى فقدوا الأمل في العثور عليها.
عامر يفكر كيف حدث ذلك؟ وإذا كانت مختفية من زوجها.. من يكون يامن؟
……………………
يقف مراقبة لطريقة نومها بجوار ابنتها فبالنسبة له كانت اجمل لحظاته وقت مراقبة تصرفاتهما فبيسان نسخة مصغرة من امها حتي في طريقة الاستلقاء للنوم الاثنتان يحبان الاستلقاء علي البطن ووضع الذراعين أسفل الوسادة.. يعود بذاكرته لأصعب فترات حياته وحياتها يوم الإفاقة الاولي وهذه كانت بعد احتجازها بالمشفى بثلاث أيّام …يتذكر عندما استيقظت من غيبوبتها القصيرة ليكتشف عدم تفاعلها مع من حولها مجرد روحا بجسد ميت رغم سلامة أعضائها الحيوية ..كان يظن انها بعالمها

 

الخاص التي صنعت لنفسها ليكون حصنا مانعاً من الواقع الأليم ..ليظل يراقبها فيداستلقائها وفتح أعينها إلى تغمضهما قليل من الأوقات.. حاول كثيرًا التحدث معاها والإمساك بكف يدها.. لكن كل محاولاته تنتهي بالفشل.. حتى قرر بعدها بنقلها الي منزل خاص قام باستئجاره في منطقة بعيدة …والقيام بمراعتها بنفسه ولكن كان هناك بعض الأمور كان يصعب عليه فعلها كرجل غريب عنها كالاستحمام وتغيير ملابسها.. ليستعين بممرضة خاصة تساعده في هذه الأمور الحساسة.
ولم يدم الوقت حتى انفجر صارخا في وجهها بسبب تركها لغزل بملابسها المبتلة.. فيجد نفسه يصرفها.. ويعتمد على نفسه لفترة قصيرة حتي أرسل الله له يد العون.. احضر من تساعده.. تذكر أيضاً كيف كان يطعمها علي الأطفال وكيف داوم علي علاجها وتدريب اطرافها على الحركة تجنبا للتيبس الذي يحدث في حالاتها ..ليضحك يامن عندما تذكر كيف كان مستمرا بالثرثرة صباحا ومساء حتي نستجيب له ..فيفاجأ في يوم بضغط أناملها علي كف يده وهذه كانت اول استجابه منها له…تقول له انها معه تسمعه وتشعر به… وثاني استجابة منها عندما لاحظ تحرك حدقة أعينها مع تحركه بالحجرة ليقول لها:
– غزل! انتِ شيفاني صح.. ومنتبهه ليا.. أنا يامن.. اعملي أي حركة اعرف بيها انك سمعاني.
لتغمض أعينها ببطء وتعب وتفتحهما مرة اخري …فيسعد بتقدمها حتى لو كان بطيء.
ومع كل هذا كان حريص أن يجهز لها اوراقها للسفر معه بعد ان علم من المحامي الخاص بأخيه مافعله في بيع لنفسه الشركة وتطليق غزل رسميا ..كان ينتظر بفارغ الصبر انتهاء موعد عدتها لينقلها تحت بند العلاج بالخارج حتي يستطع اخرجها.
لايعلم إلى أي شيء ستصل الأمور بينهما.. هل يتنازل ويعتبر هذه حياته ويكمل بها لتكون له زوجة يكمل معها حياته القادمة؟! أم ينتظر حكم القدر ويبقي علي نفس وضعه معاها.
يعلم ان علاقتهما يشوبها الكثير من التساؤلات منها.. فكر كثيراً بالاقتراب منها فهي تحل له.. فيأتي ضميره يوقفه.. الا يستغلها ويستغل حالتها الصحية.. سيترك علاقتهما الأيام هي التي ستحكم يينهما.
……..

 

تجلس أرضًا تجهز ملابس اولادها فتداعب أعينها لونها وجمال تصميمها منذ ان أبلغها الطبيب بالحمل بالتوأم وهي منقبض قلبها خوفا رغم سعادتها وسعادة الجميع من حولها.. لقد أكرمها الله بزوجها الحنون وأسرته الرائعة لم تشعر يوما بانها غريبة بينهم من اول يوم متقاربين معها.. نعم هي تتمني كأي فتاة في سنها ان يكون لها منزلها الخاص.. وكان من الممكن ذلك بعد ان أتت لها الفرصة في الانتقال لمسكن مستقل في منزل الخالة صفا بعد وفاتها.. ولكن محمد اصر علي تركها كما هي حتي عودة المفقود غزل وترك الأثاث كما هو متمنيًا رجوعها مرة اخري.. لكن مايقلقها بالفعل تقى اخت زوجها تشعر بانها تخفي شيئا دائما لقد تغيرت كثيرا منذ سنوات.. أصبحت طباعها صارمة.. قليلة الحديث.. لا تقبل المناقشات.. لا تشعر بها كأنها ضيفا خفيفا.. لا تعلم حتى الآن لماذا رفضت العمل في الشركة الشافعي مع أخيها وجاء رفضها رفضا عنيفًا.. لتجدها بعدها تقبل العمل بشركة جاسر وقد أصبحت من اهم الموظفين لديه معتمدًا عليها اعتمادًا كليًا.
لتجد محمد يفتح الباب عليها بوجه مخطوف فتنظر بهاتفها لتتأكد من الوقت لتعلم انه ليس ميعاد عودته لتقول:
– ايه يامحمد! إيه اللي جابك من الشركة.. انت تعبان؟
محمد بذهول:
– في حاجة عرفتها ومش قادر أصدقها.
سوزان باهتمام تقترب منه:
– حاجة إيه؟ خير في حد حصله حاجة؟
محمد بتوتر:
– أنا عرفت مكان غزل ياسوزان.
سوزان بصدمة ممزوجة بسعادة:

 

– مش معقول.. غزل عايشة؟ الحمد لله يارب.. قولي بسرعة لقيتها فين؟
محمد:
– المشكله مش فين المشكله مع مين؟
…………
ظل مرابطًا أمام منزلها لايغمض له جفن منذ يومان وهو يراقبها في خروجها لحديقة المنزل الصغيرة تصحبها سيدة يدل علي ملابسها بانها خادمة المنزل.. شاردة دائمّا بها شيء مختلف.. كان يظن عندما علم بمكانها بطريقة غير مباشرة عندما استمع لحوار محمد وشادي عن العثور عليها كان يظن انه سيدخل البيت ويخطفها ويقتلها ثم يضمها ويقبلها علي مافعلته به.. سيعتذرلها عن أخطائه ولكنه وجد شجاعته ذهبت هباءا عند رؤيتها بجسدها الذي اصبح اكثر نضجًا عن ذي قبل وحجاب رأسها التي تتلفح به.. لقد صعب عليه التعرف عليها في بداية الأمر بسببه.. خلال اليومان علم بموعد خروج أخيه.. أخيه! نعم أخيه من طعنه وتركه يتعذب ببعدها يبحث عنها هنا وهناك.. وهي بالنهاية ببيته.. معه.. ولكن كيف لها أن تقبل ذلك؟ ليعود إليه مشهد رآه بالليلة السابقه فقد كانت ليلة ممطرة.. وأثناء مراقبته يجدها تخرج من باب المنزل جريا غاضبة باكية بملابس النوم وشعرها الذي استطال غير مغطي بشيء.. ولكن ليس هذا ماصدمه ماصدمه حقا خروج أخيه خلفها جريًا بصدر عاري ليمنعها من الوصول لباب حديقته الخارجي فيقوم بتثبيتها من الخلف ويحتضنها ليسقط بيها أرضا لتستسلم لاحضتانه لها بهذا الشكل المقزز.. فيشعر حينها بأن نارًا أشعلت بصدره ورأسه.. كيف يلامسها بهذا الشكل؟ ولما ترتدي مثل هذه الملابس امه ..وإذا كانت بحجابها لما لا ترتديه أمامه؟ عند هذه النقطه التي أشعلت النار برأسه.. وجد نفسه خارجا من السيارة المستأجرة ليتجه اللي باب المنزل ليدق جرسه لعل هذا الباب بداية حياته القادمة.
………

 

تنزل درجات السلم الفاصلة بتمهل بعد أن أخبرتها عائشة بوجود أحد الأشخاص يريد مقابلتها لتتوتر وتقوم بالاتصال بيامن إلا أنه لايجبها.. فتشجع نفسها كما كان يحثها يامن من قبل لتحارب رهابها من الغرباء.. لتلاحظ رجلًا من ظهره طويلة عريض المنكبين.. مستندًا على عصا بيده يتأمل جوانب المنزل باهتمام.. وعند اقترابها للغرفة الذي يستقر بها اشتمت رائحة نفاذة.. أشعرتها بالدوار للحظات فتمالكت نفسها مع ان هذه الرائحة قبضت قلبها ولكنها تغاضت عن هذه الشعور الوهمي.. ليشعر بحركة خفيفة من خلفه ويدور ببطء شديد وحرص ليواجه وجهها الأبيض وجسدها الذي زاد منحنياته مرتديه فستانا ابيض به زهور وردية يصل لكاحلها مع غطاء رأسها.. لم تفتها نظراته التي وتفحصتها بدقة لتجد صوتها:
– السلام عليكم.. حضرتك طلبت تقابلني؟
كان هائمًا بها في أرض أحلامه ويحث نفسه على الإقتراب منها وضمها لصدره حتى يخفيها بداخله.. إلا أن كلماتها البسيطة أرجعته لأرض الواقع ليتعجب من اسلوبها.. ويستمر الصمت.. ظنت انه يجهلها فقالت:
– حضرتك طلبت تقابل غزل.. أنا مدام غزل.. حضرتك مين؟
ليقف مصدومًا فهي تحدثه كأنها لا تعلمه.. اتتلاعب به؟ أهي خطة للانتقام!
ليقول:
– انتِ مش عارفاني؟
فتبتسم ابتسامة بسيطة مع فرك أناملها بهدوء:
– لا.. هو أنا قابلت حضرتك قبل كده؟ ممكن أكون شوفتك في اَي تجمع من التجمعات الأسرية بس انا آسفة.. ناسية حضرتك.
يوسف بصدمة؛

 

– حضرتك! تجمعات أسرية؟
لتقول غزل مستفهمة:
– حضرتك بتقول حاجة؟!
فتفلت أعصابه من الموقف ويصرخ:
– حضرتك؟ حضرتك إيه مافيش غيرها؟
فترتعب وتندم علي نزولها له لتجده يرفع يده معتذرًا:
– انا اسف انفعلت بس مش مصدق انك مش عارفاني.
تقول بتوتر:
– أنا أنا هتصل بيامن.
يوسف مندفعًا أمامها يحاول مسكها لتدفعه عنها بتوتر:
– استني ياغزل.. أنا يوسف.. يوسف الشافعي.. مش معقول نسيتني!
غزل محاولة الهروب منه:
– إبعد عني.. خليك بعيد ماتلمسنيش.. لوسمحت.. لو ما سبتنيش هتصل بالشرطة.. عائــشة!
لتستنجد بخادمتها.. يمسكها من ذارعيها يقول متوسلًا:
– اسمعيني طيب.. ارجوكي.. أنا عارف إني غلطت.. بس ماتعاقبنيش العقاب ده إنك تتجاهليني كده.. وتعملي نفسك مش عارفاني.. أنا يوسف..
فيحاول ضمها له مع محاربتها للتخلص منه ببكاء:
– أبعد عني أرجوك.
فتشعر بدوار يداهمها بسبب قربه وعطره النفاذ التي كانت ترفضه دواما.. فيشعر بثقل جسدها ليقول:
– غزل! غزل!

 

في هذه الأثناء قامت عائشة بالاتصال بهاتف يامن لتبلغه باسم الزائر واستنجاد غزل بها..
يدخل وعلى وجهه علامات القلق والتوتر والغضب مشاعر بتناقضه بداخله.. ليجد أجابه.. كيف علم بمكانهما؟ وهو كان حريص كل الحرص على الإبتعاد بها، أهذه النهاية؟
يدخل يجده يجلس علة كرسي من كراسي الحجرة متحفزًا للعراك مستندا على عصاه بكف يديه ناظرًا للمنكمشة أمامه التي تجلس ضامة قدمها لصدرها وتنتحب بصمت رعبًا من مراقبها.. لتقفز من مكانها لاحضانه متشبثة بذراعيها ليعلو صوت نحيبها كأنه أعطاها الأذن.. لم يشعر بنفسه إلا وهو يحتويها بذراعيه ضامًا لها بقوة ضاربًا بكل المبادئ الحائط متناسيًا من يجلس كالذئب المراقب لفريسته بغضب.. خوفًا من فقدها.. فيربت على ظهرها هامسا لها:
– اطلعي اوضتك واقفلي على نفسك.
فترفض أطاعته ليمسك وجهها بيديه متوسلًا:
– اسمعي الكلام ياغزل.. نفذي اللي بقولك عليه وفورًا.
لتجري من أمامه الي حجرتها تحتمي بها.. هي حصنها المنيع.
……..
يقف أمام أخيه الأكبر واضعاً يده بجيبه بنظرة انتصار ليسمعه يزئر بغضب:
– مراتي بتعمل ايه معاك يا يامن؟ واحنا قالبين عليها الدنيا سنين.. ليرفع يامن يده بسخرية:
– مراتك!
هي فين مراتك دي؟ هههه آه تقصد غزل.. أحب أصحح معلومة صغيرة.. إسمها طليقتك.. ودلوقت بقت مرات يامن الشافعي!
لينطلق يوسف ممسكًا بملابسه:
– انت كداب.. غزل هتفضل مراتي وأم ابني لحد اخر يوم فعمري.
يصفق يامن بكفيه برتابة:

 

– تصدق اتأثرت؟ انت نسيت انك طلقتها ومضيتهاعلي قسيمة طلاقها لما كنت حاجزها؟ ابقى اسأل المحامي الهمام اللي خلصلك ورق التوكيلات.. اصله مخلصوش اللي بتعمله وجري بلغني وساختك.. اما بقى إبنك فقول الله يرحمه.. اهو.. اترحم إن يكون ليه اب زيك.
ليصدم من حديثه ويترك ملابسه باعين دامعة:
– أنت أكيد بتقول كده عشان تحرق قلبي عليهم!
يامن بابتسامك باردة:
– انت اللي حرقت قلبك بإيدك.. عمومًا قسيمة الجواز موجوده لو حابب تشوفها.. ليفوق يوسف من صدمته ويندلع بقلبه نارًا وهو يتخيل ملامسة أخيه لزوجته وحبيبته فيلكمه لكمة قوية نزف يامن علي آثارها وتناوب عليه بالسباب واقذع الألفاظ واستمر العراك بينهما حتى سمعا صوتًا مدويًا اخترق سبابهما مع تهشم مزهرية كريستال خلفهما إلى قطع صغيرة.. فينظر يوسف الذي كان يعتلي أخيه مستعدًا لتسديد له اللكمات إليها بذهول مع رعب يامن ليدفع يوسف عنه بقوة فيسقط أرضا.. ويقف أمامها متوسلًا إياها وهي موجه فوهة السلاح اتجاه يوسف بايدي مرتعشة واعين زائغة.

يتبع..



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close