اخر الروايات

رواية خطايا بريئة الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم ميرا كريم

رواية خطايا بريئة الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم ميرا كريم


 حين يشتد التعب بالعين، تغلق على نفسها من تلقاء نفسها كذلك نحن، وكذلك القلب.

———————–

ضمت جسد صديقتها المتراخي المستقر بجانبها على مقعد السيارة الخلفي وهي تشهق شهقات متقطعة حزنًا على ما أصابها فهي إلى الآن لم تستعيد وعيها.

طالعها هو من مرآته الأمامية وقال وهو يتولى قيادة سيارة “يامن” الذي غادر دونها وكأنه تقصد ذلك كي يتم ايقالتها بها:

-“ميرال”…بطلي عياط… هتبقى كويسة


نفت برأسها وقالت بنهنهة:

-انا خايفة عليها يا “حمود” دي مبتنطقش لازم نروح المستشفى



تنهد “محمد” واخبرها بعقلانية شديدة لطالما كانت من شيمه:

-“ميرال” أنتِ شايفة حالتها عاملة أزاي واكيد في المستشفى هيبقى سين وجيم ومن مصلحتها ميحصلش شوشرة… هي مغمي عليها وهتفوق بإذن الله ومتقلقيش هبعت لدكتور معرفة يطمنا عليها…بس المهم دلوقتي هنروح على فين؟


هزت رأسها بإقتناع وردت حائرة وهي تكفكف دمعاتها:

-مش عارفة كنت عايزة اخدها على القصر عندي بس “دعاء” لو شافتها مش هتسكت وكمان مينفعش نوديها على بيته بعد ما طلقها ممكن يتهور ويأذيها وكمان مامته مينفعش تشوفها بالحالة دي


-هي ملهاش أهل؟



زفرت هي حانقة واخبرته:

-اللي اعرفه ان ليها في البلد بس معرفش حاجة عنهم كل اللي اعرفه وهي كانت قيلهولي زمان أن واحد فيهم كان في بينه وبين باباها مشاكل على ورث مامتها وكان طمعان فيها وعلشان كده جوزها “يامن” علشان يحميها…


تنهد “محمد” بقوة وقال وهو يشرع من جديد بالقيادة:

– طيب انا هتصرف…

——————-

يومين لم تستيقظ من غفوتها وكأن عقلها يرفض العودة من هروبه الاضطراري، فقد أكد الطبيب أنها لا تعاني من شيء عضوي سوى بعض الرضوض بجسدها أثر المقاومة وأن ما هي عليه هو حالة من السبات الذي افتعلها عقلها كي يتهرب من الضغط النفسي التي تعرضت له، فقد وصف لها العديد من المحاليل الوريدية البديلة للطعام التي كانت تعوض جسدها كي لا يصيبه الهزل أثناء سباتها…واتخذ كافة الاحتياطات الطبية لها و طمأنهم أنها سوف تستيقظ من تلقاء ذاتها عندما تواتيها الشجاعة اللازمة كي تواجه الأمر.



فكانت “ميرال” لا تفارقها بعدما احضرهم “محمد” لتلك الشقة التي تقبع بنفس البناية التي يقطن بها… وقد حمدت ربها كون ابيها خارج البلد ولم يتعب نفسه حتى بالسؤال عنها أما “دعاء” فقد تحججت لها كونها ستسافر لبضع أيام مع رفاقها كي تتخلص من ضغط الاختبارات التي كان تعاني منها في الآونة الأخيرة وأوصت مربيتها أن تتستر عليها أثناء غيابها وتخبرها بكل جديد…


-لسه مصحتش…


سؤال صدر من “شهد” التي كانت تحمل بيدها صنية عامرة بالطعام وتضعها على الطاولة التي تتوسط تلك الردهة الواسعة

بعد أن استقبلتها “ميرال” ولحقت بها بملامح كئيبة وصوت تملك منه اليأس قائلة:


-لأ يا “شهد” انا بجد خايفة عليها وبفكر ننقلها للمستشفى واللي يحصل… يحصل


-مستشفى ايه بس دي هتبقى زي الفل والدكتور بنفسه طمنا عليها…وبعدين بلاش شوشرة البِنَية مش ناقصة كفاية اللي حصلها


أومأت “ميرال” بينما استرسلت “شهد” بحسرة:


-قوليلي هو جوزها مسألش عليها


نفت “ميرال” بحزن:


-لأ من يوم اللي حصل ومسألش “حمود” راحله علشان يرجعله العربية بس ملقهوش في البيت لا هو ولا مامته ولغاية دلوقتي مفيش أي اخبار عنه


-لا حول ولا قوة إلا بالله…والله البت دي قطعت قلبي دي طول الليل تخرف بأسمه ولو صحت وملقتهوش هتعمل ايه؟



-ادعيلها يا “شهد” تقوم بالسلامة وتتخطى الأزمة دي على خير


-والله بدعيلها وبدعيلك أنتِ كمان ربنا يريحك بالك


ابتسمت “ميرال” وقالت بإمتنان:


-ربنا ما يحرمني منك يا “شهد”

أنا حاسة أن ربنا بيحبني أوي علشان رزقني بأخت زيك ورجعلي صاحبة عمري…


ربتت “شهد” على ظهرها بحنان واضافت بمكر تشاكسها:

-اه يا اختي ونسيتي “حمود” ولا ايه؟


اعتلى جانب فمها بسمة باهتة وقالت بيأس:

-“حمود”…ظلمني يا “شهد” ومرضاش حتى يسمعني وحتى بعد ما “نادين” حكتله إني مظلومة متكلمش معايا ولا هان عليه يريح قلبي بكلمة


زفرت” شهد” ولعنت عقلية شقيقها المتحجرة في سرها ثم قالت راجية:

-حقك عليا أنا… ومعلش هو اه دماغه ناشفة بس والله بيحبك وبكرة لما تعاشريه هتعرفي أن حنية الدنيا فيه بس هو اللي عقله مش مريحه ولا مريح اللي حواليه


تنهدت هي بإحباط واخبرتها بنبرة تملك منها اليأس بفضل تبلده معها:

-بيحبني بأمارة ايه…ده لغاية دلوقتي عقدة لسانه متفكتش وبصراحة حاسة إني بفرض نفسي عليه


شهقت “شهد “مستنكرة وقالت تطمئنها:

-بطلي الكلام البايخ ده والله بيحبك… وبعدين متنسيش الظروف اللي حصلت هو يمكن مستني وقت مناسب


أومأت لها “ميرال” وقالت بحيرة:

-يمكن…أنا كمان ورطته معايا بعد اللي حصل ل”نادين” وجابني هنا



-اخويا راجل وعنده نخوة ومستحيل كان هيشوف ولايه زيكم عايزين مساعدة وميساعدتش


أيدتها “ميرال” بحركة من رأسها ولكن كان سؤال أخير يؤرقها وتريد أن تحصل على إجابته لذلك همهمت بترقب:

-“شهد” هي دي شقة مين؟


أجابتها “شهد” ببسمة ماكرة ذات مغزى وهي تغادر من باب الشقة وتغلقه خلفها:


-شقة “حمود”….


شهقت “ميرال” بخفوت وتوترت بشدة وهي تتمعن بكل ارجاء الشقة وكأنها لم تكن تمكث بها أيام وتراها الآن لأول مرة فكانت شقة واسعة مجهزة بشكل مرتب للغاية غير متكلف مفعم بذوق مميز اعجبها ابتداءاً من لون الحوائط الهادئة التي تبعث الراحة للعين إلى فرشها البسيط للغاية واثاثها العصري الغير مبهرج.


حانت منها بسمة باهتة ساخرة من ذاتها قبل أي شيء أخر فماذا كانت تنتظر منه فهي بالنسبة له كالكتاب المفتوح الآن ولكن هو يحتفظ بكل شيء يخصه لذاته ويبخل أن يريح قلبها حتى بكلمة واحدة.

—————–

لانوم ولا طعام ولا حتى راحة، فذلك المنزل الذي كان يضج بالصخب الاُسري وينعم بالدفء. الآن أصبح جدرانه قاسية يلفحها الصقيع الذي يرجف الروح من وحشته وبرودته…وحتى نظافته السابقة ونظامه الذي كان لا يمدحه من قبل ولم يشغل باله حتى في أن يثني على مجهوداتها… الآن حقًا عرف الفرق

فكان يجلس على تلك الأريكة التي لطالما جاورته بها ويرمى رأسه على حجرها عندما يشعر بالضيق أو يشغله أمر ويصعب عليه حله فكانت هي تستقبله بربيع بسمتها المفعمة بالسلام و تتكفل بتمسيد جبهته وتمرر اناملها الحانية بين خصلاته إلى أن يهدأ ويستكين ضجيج رأسه ويشعر بعدها أنها منحته سلام العالم أجمع بين يديها ولكن الآن أين هي…فقد خسرها بفضل غبائه وسخطه الدائم فياليته أخضع كبريائه اللعين وتنازل عن سخطه وتغاضى عن تحريض تلك ال “منار” له وعبر عن ندمه واشتياقه لها بطريقة أخرى تليق بفداحة أفعاله فلو كان اعترف بصدق حينها بتوابع خطيئته كان ربما يتشفعله عندها و لا يداهمه ذلك الشعور المميت الذي يفتك به الآن.

هز رأسه يحاول أن ينفض ذلك الشعور عنه ثم جال ببنيتاه القاتمة محيط المكان بضيق شديد فهنا أطباق وبقايا طعام لم تنضب منذ عدة أيام وهنا ملابس متناثرة…وحتى الغبار يكسو الأرفف والأثاث وحتى المقتنيات بشكل يثير الاشمئزاز…أما في المطبخ الذي كان يضوي ضي بعهدها فهو الآن فوضوي للغاية يضج بالكثير من الأواني والأطباق المتسخة وتفوح منه رائحة منفرة تجعله يود أن يتقيأ من بشاعتها….

زفر حانقًا وهو يلعن ذاته ربما للمرة الألف بعد المائة على غبائه و انسياقه خلف رغباته اللعينة دون أن يحكم عقله فلولآ ظهور تلك المنار بحياته و إغوائها له بشتى الطرق ما كان وصل به الحال لهنا

نعم الأن يحملها هي أعباء كل شيء ويتقمص دور الضحية التي لطالما برع في تقمصه وكأنه أدرك كونه كان مغيب بفضلها ولكن بكل أسف أدرك تلك الحقيقة بعد فوات الآوان فقد خسر كل شيء…والسؤال هنا هل تستحق؟ هل أحبها لتلك الدرجة التي تجعله يخسر زوجته ويشتت ابنائه ويفقد عمله وامواله من اجلها؟ حقًا لا يملك اجابة لسؤاله كل ما يملكه هو الضياع والتشتت والندم بعد تطليقها فهو في أبعد كوابيسه المفزعة لم يتخيل كونه يتهور و ينطق بتلك الكلمة التي تفك حصارها.

مرر يده بخصلاته الفحمية بإرهاق تام وهو يحاول نفض تلك الأفكار التي تقتله بالبطيء ثم قرر أن يأخذ حمام دافئ كي يساعده على النوم وبالفعل نزع قميصه البيتي وتوجه لخزانته كي يخرج منها منشفة ولكن لم يجد ولا واحدة فيبدو أن جميعهم متسخين ولم تقم بغسل أي منهم ليلعنها بسره ويفتح خزانتها لعله يجد واحدة ولكن وهو يعبث بين الأرفف وجد شريط من الحبوب يعلمها تمام المعرفة وكيف لا؛ وهو من كان يجلبها بنفسه ل “رهف” ويصر عليها أن تواظب عليها بلا انقطاع ويفرض عليها عدم رغبته بالإنجاب مرة أخرى ولكن الآن قد انعكس الأمر وكأن الزمن يسخر منه ويرد له الصاع صاعين فقد اعتصره بين يده بأنفاس غاضبة وعيون زادت قتامتها وهو يتوعد لها بأشد الوعيد حين عودتها.

—————–

بينما هي كانت بعيدة كل البعد عن ما يشغله بل كانت تحيك لأمر آخر كي تعوض خسارتها وإهدارها للوقت مع ذلك الساخط اللعين الذي اختزل احلامها و وئد رغد عيشها

فقد مالت بِجسدها على صيدها الجديد ثم همست بنبرة تقطر بالخبث أمام وجهه:


-قولت ايه يا “حُوسو”


اعتلى جانب فم “حسام” وقال ببسمة متخابثة لا تقل شيء عن خبثها:


-لأ…


ضربت الأرض بكعب حذائها وحاولت اقناعه من جديد:


-ليه ما كل حاجة في ايدك وتقدر تعمل كده بسهولة؟


أجابها بمكر وهو يوليها ظهره بكل برود:


-أنا مقولتش مقدرش… وللأسف طلعتِ غبية ولسه مفهمتنيش


-طب فهمني عايز ايه واكيد هنتفق…


أجابها وهو يلتفت برأسه و يتفرس بكل إنش بها بطريقة وقحة اعجبتها وجعلتها تغتر بذاتها وبما تملكه من تأثير طاغي على معشرهم:


-عندي استعداد انفذ الاتفاق بس بشرط


تأهبت بنظراتها بينما هو قال وعينه يغزوها نظرة غامضة تجمع بين الرغبة وشيء أخر لم تتعرف عليه:

-عايزك تبقي ليا يا “منار ”

——————–

طرقات على باب الشقة جعلتها تهرول تفتح الباب دون تمهل وهي تعتقد أنها “شهد” ولكن خابت ظنونها عندما وجدته يقف أمامها بتلك الهالة الجدية للغاية لتتلعثم قائلة:

-“حمود”…

تلجم لسانه وهو يجول ببندقيتاه يطالع هيئتها المذهلة و يبتلع ريقه بصعوبة بالغة

فكانت ترتدي منامة وردية اللون قصيرة للغاية ذات فتحة من الأمام دائرية تظهر نحرها ببذخ مصحوبة بروب نفس لونها ولكن يمتد طوله إلى بعد ركبتيها تاركته مفتوح ومتهدل على ذراعيها يظهر حملات منامتها وانعكاسها على بشرتها جعل دمائه تدفق برأسه ويهدر بحمئه بعدما أشاح بنظره و استغفر بسره:

-أنت ازاي تفتحي الباب بالمنظر ده


طالعت هيئتها مستغربة وهدرت بعفوية:

-ماله منظري يا “حمود” انا…



قاطعها بعصبية شديدة نابعة من غيرته:

-أنتِ ايه اقفلي الزفت الروب واخر مرة تفتحي الباب بالمنظر ده…


لملمت مأزرها بخجل، واستغربت حمئته الغير مبررة والتي لم تتفهم المغزى منها لذلك لم تجادل رغم حنقها منه، فصديقتها برئتها وهي حاولت مرارًا وتكرارًا أن تفهمه وتجعله يستمع لها ولكن إلى الآن رأسه يابس كالحجر الصوان وحقًا في كل مرة هي من تبادر وتصرح بتمسكها به ولكن هو ولا مرة فعل…


-خدي الأكل…

انتشلها قوله وهو يزفر حانقًا ويدفع صينية الطعام جهتها كي تلتقطها لتتناولها من يده وتسير بضع خطوات وتضعها على الطاولة وإن تقدمت جهة الباب مرة أخرى وجدته مازال يقف لتشدد على مأزرها وتطالعه بنظرات حائرة حين تسأل:

-صاحبتك عاملة ايه دلوقتي


اجابته بإقتضاب:

-لسه مفقتش أنا اتصلت بدكتور تاني هيجي يشوفها


-يجي فين ومين اللي هيستقبله إن شاء الله أنتِ …


-ايوة وفيها ايه؟


-ويا ترى بقى بالروب!

قالها بغيظ وهو يكور يده بقوة ويشعر بنيران الغيرة تأكل قلبه

ولكنها لم تتفهم ذلك واجابته بتلقائية:

-الدكتور ده بتاع العيلة ومن سن بابي وبعدين كنت هقول ل “شهد” تطلع وقت ما يجي…


هز رأسه ولم يعجبه الأمر بالمرة فهو كان يرافق الطبيب الذي يجمعه معرفة مسبقة به بنفسه ويتحجج كي يظل ولكن أن تأتي هي بطبيب وتستقبله بذاتها لا هذا غير محتمل بالنسبة له لذلك هدر بكامل صوته الأجش دون حتى أن يجليه قليلًا فصدر قويًا افزعها:

-تبلغيني أنا قبل ما يجي لازم يكون في راجل معاكم


تعلقت فيروزتاها به لثوانِ تشعر بالحيرة من حديثه وقبل حتى أن تجد جواب مناسب له

كان يفوت للداخل ويديرها بتلقائية ويغلق باب الشقة بسرعة متناهية… شهقت هي وسندت ظهرها على الباب المغلق وهي تدعم ذاتها بحركة عفوية تتمسك بأحد ذراعيه وهو يقف بمواجهتها، ليبرر هو بصوت خفيض للغاية وهو ينظر من العين السحرية للباب:

-ششششش في حد نازل من على السلم وعيب يشوفوني واقف على الباب مش عايز حد يتكلم كلام ملوش لازمة


تنهدت بيأس وحاولت أن لا تتأثر بقربه منها ولكن قلبها دفعها دفع حتى تميل على ذراعه وتسند وجنتها عليه دون حديث ولكن بداخلها كان يصرخ اشتقت لك معذبي ارحم قلب اضناه الوحدة وسئم الفراق ..اتوسلك بكل عزيز أن ترأف بي وتزحزح قناعاتك الراسخة التي تعيق قربنا فلا طاقة لي على جفاك.


بينما هو كان مرتبك بشده يعتصر عينه ويتحاشى ملامستها بأي شكل من الأشكال، مشتت لايعلم ماذا يفعل كل ما كان متأكد منه حينها أنه ايضًا اشتاقها ولكن يصعب عليه التعبير، فقد تعالت وتيرة أنفاسه وزلزل قاع قلبه ككل مرة تكون بذلك القرب منه، ليمنح عقله الذي يؤرقه هُدنة رادعة، ومع سكونها تهدلت ملامحه براحة واقترب برأسه يتناول نفس عميق من رائحتها المسكرة التي تنفذ لحواسه تخدرها تاجج



بداخله تلك المشاعر المستترة التي لطالما كبحها ولم يصرح بها


وعند تلك النقطة دق ناقوس الخطر واستفاق عقله من غفوته لينتفض كالملسوع ويبتعد عن حيزها وهو يستغفر الله بسره لعدة مرات ويلعن ذلك الشيطان اللعين الذي جعله يقدم على ذلك، لتطالع هي بتوجس مستغربة ردة فعله في حين هو صمت لبرهة ثم قال بعدما أجلى صوته الأجش بحمحمة قوية:


-مكنش لازم أطلع اصلًا ولولآ أن “شهد” حماتها تعبت وكانت مستعجلة تروحلها هي و”طمطم” مكنتش سمعت كلامها ولا حطيت نفسي في موقف زي ده…


نظرت نظرة حائرة مفعمة بخيبة الأمل في صميم بندقيتاه ثم تساءلت وهي تلملم خصلاتها خلف اذنها بغيظ:

-خايف على سمعتك للدرجة دي!


اجابها بعقلانية وهو يفتح باب الشقة وينوي المغادرة:

-عليكم مش عليا…


حانت منها بسمة باهتة بعيون اندثر بها لمعتها وقالت وهي تبتعد عن الباب كي تفسح المجال له:

-على العموم شكرًا وقول ل “شهد” بلاش تتعب نفسها بعد كده أحنا تقلنا عليكم اوي…انا اول ما “نادين” تبقى كويسة هنمشي ومش هضايقكم تاني


زفر هو حانقًا ولعن غبائه ومنعها من الابتعاد متمسك برسغها معتذر لها اخيرًا:


-“ميرال” انا اسف علشان مسمعتكيش…بس غصب عني مقدرتش اتحمل أنك كدبتي عليا…


احتل الحزن عيناها حين صرحت بذلك العتاب الذي يثقل قلبها:

-بس انا مكذبتش عليك…انا خبيت علشان مخسركش لكن لما أنت عرفت صارحتك ومأنكرتش وفهمتك انا ليه عملت كده…انا مقولتش إني صح…ومقولتش كمان إني مش غلطانة ولا مظلومة اه “نادين” افترت عليا وألفت قصص وحكايات عني بس ده ميمنعش أن جزء بسيط من كلامها صح وانا عمري ما أنكرته بالعكس أنا بعترف غلطت ولما انت عرفتني مكنتش ملاك و كنت ضايعة وعمري ما انكرت ده أنا صريحة معاك من أول يوم يا “حمود”…وكنت بعبر عن مشاعري وعن احتياجي ليك بكل الطرق بس أنت دماغك ناشفة و عمرك ما كنت صريح حتى مع نفسك ولا معايا…ولا حسستني انك متمسك بيا …ومن أول غلطة اتخليت عني


عجز عن الرد حتى انها لاحظت نفور عروق يده التي تدل على تلك الحرب الضارية التي تقام بداخله لذلك حاولت أن تخترق دفعات عقله قائلة:

-أنا اللي أسفة…إني فرضت نفسي ومشاعري عليك…أنت مش مجبر تصدق كلام “نادين” ولا مجبر تصدق كلامي…والقرار بأيدك…

قالت أخر جملة بكبرياء وهي تجذب باب الشقة حتى تفتحه على مصراعيه مما جعل لسانه يتلجم ينظر لها نظرات عاجزة ذات ألف مغزى ولكن تبًا لعقله وقناعاته التي سيطرت عليه وجعلته يفر هاربًا من أمامها وكأنه يؤكد ظنونها لذلك قررت أنها لن تبادر بعد الآن فإن حقًا يحبها ويتمسك بها فهو يعلم ما يتوجب عليه فعله من اجلها.

——————–

أما عن تلك الطامعة التي اغشى الجشع عيناها فكانت تستشيط غيظًا فإلى الآن لم يريح ذلك الغبي قلبها ولم ينفذ ما اُوكلته به…لا وما يغيظها أكثر أن التوقيت مناسب بشدة فهي تعتقد أن “ميرال” كما اخبرتها خارج البلد ترفه عن ذاتها ومن الجيد أنها غائبة حتى لا تتأثر وتنهار بعد تلقين ذلك المتعجرف درسًا قاسيًا كي يبتعد عنها…

ولكن أين الغبي الذي وكلته بذلك فمنذ أن حاكته واتفقت معه وانقطعت كافة أخباره مما جعلها تكاد تصاب بالجنون فإهدار الوقت ليس لصالحها

وها هو يجيبها بعدما هاتفته ربما للمرة الألف بعد المائة و وجدت هاتفه خارج النطاق:

-تحت أمرك يا هانم


-أنت فين يا غبي وليه منفذتش لغاية دلوقتي؟


اجابها هو بلا مبالاة وبنبرة تقطر بالإجرام:

-لمؤاخذة كده اعدلي أنا مش غبي …ومنفذتش علشان كنت محبوس…ولسه خارج بعد ما اتورطت في خناقة واتطسيت حكم…يظهر أن قدمك قدم الشوم عليا يا هانم ومن ساعتها وأنا حالي واقف


تأففت هي بنفاذ صبر:

-افففف اخلص هتنفذ امتى؟


اجابها بخبث مقيت وبثقة مجرم مخضرم بالإجرام:

-قبل ما انفذ لازم تعرفي الجديد المحروسة بت جوزك قاعدة معاه في بيته


اتسعت عين “دعاء” وأكدت عليه وهي تلعن تلك الكاذبة بصوت جهوري وصل صداه لتلك التي كانت تسترق السمع من خلف الباب.

——————

-يااااااااااااامن



صرخت بأسمه بعدما راودها كابوس مفزع رأت به حالها تقف على حافة الهاوية وهو يفلت يدها تاركها كي تلقي مصيرها المحتوم من غيره…وبالطبع الأمر كان بمثابة نزع روحها من جسدها حين شهقت بقوة ونهضت جالسة تجول المكان بعيناها برعب وبأنفاس متعالية.


انتفضت “ميرال” على أثر صرختها وهرولت إليها تربت على ظهرها وقالت بسعادة متناهية:


-“نادين” حمد الله على سلامتك انتِ كويسة متقلقيش


-يااااااااامن


همست بأسمه بضياع وبنبرة لاهثة متلهفة جعلت “ميرال” تعجز عن الرد، لتكرر “نادين”:


-انا فين… ومين اللي جابني هنا و”يامن”….”يامن” فين؟


-انا و”حمود” اللي جبناكِ هنا بعد اللي حصل


لم تعير حديثها اهمية وقالت وهي تهب من الفراش بعدما نزعت تلك الابرة الوريدية من يدها غير عابئة بتقطر دمائها:

-يا خبر ماما “ثريا” زمانها قلقانة عليا أنا لازم أروح…


ضغطت “ميرال” على شفتها السفلية بقوة تمنع ذاتها من البكاء لوهلة ثم نطقت بحرص شديد وهي تقترب منها:

-“نادين” أنتِ مش فاكرة اللي حصل؟


نفت برأسها وهدرت بحماس ظهر جلي على وجهها الذابل دون أن تستخدم عقلها ودون أن ترهق ذاتها بإيجاد سبب مقنع لثغرات ذاكرتها :


-انا لازم ارجع البيت زمان “يامن ” قلقان عليا هو قالي أنه راجع أصل لازم نحضر للفرح يا “ميرال” هو وعدني أنه هيقدمه ومفيش وقت لازم أحضر نفسي


لتضرب جبهتها وتضيف:

-تخيلي لسه ما اشترتش فستان الفرح…ياااه أنا نفسي اجيب فستان منفوش بذيل طويل وكمان “يامن” لازم أختار بدلته بنفسي هختارهاله بيضا أنا بحب اللون الأبيض اوي عليه علشان بيشبه لون قلبه ياااااه وحشني اوي…اوي يا “ميرال”


كانت تتحدث بعدم اتزان ودفعة واحدة وهي تبتسم بسمة مريبة وتدور حول نفسها بطريقة غير متزنة بالمرة جعلت “ميرال” تكتم شهقاتها بكف يدها متحسرة على حالها ولكن الآخرى كانت بالفعل على حافة الجنون حين صاحت:

-“ميرال” فين هدومي انا عايزة ارجع بيتنا “يامن” وحشني أوي وماما “ثريا ”

حاوطت “ميرال “ذراعيها وقالت تحاول أن تعيدها لرشدها:

-“نادين” كفاية وفوقي …أنتِ ازاي مش فاكرة اللي حصل…


جمدت نظراتها لوهلة ودار بؤبؤ عيناها ثم أنكرت وهي تنزل يدها:

-مفيش حاجة حصلت…مفيش … مفيش…


ألقت حديثها بملل بوجهها وتركتها واتجهت لتلك الخزانة تفتحها على مصراعيها تبحث بها عن ملابسها ولكن لم تتعرف على شيء يخصها لذلك كانت ترتدي أول شيء طالته يدها لتلمح سترة جلدية قاتمة تعلم صاحبها معلقة داخلها لتتناولها بأيدي مرتعشة وتتمعن بها و ومضات خاطفة ظلت تترأى أمام عيناها وحين توقف عقلها عند تلك الصرخة الحارقة بأسمه شهقت شهقة ممزقة لأبعد حد وخارت كافة قواها ساقطة على ركبتيها وتلك الكلمات القاتلة تتردد بداخل عقلها تهلكه اكثر وترغمه أن يتخلى عن إنكاره المؤقت ( أنتِ طالق) (من اليوم أنتِ بره حياتي يا نادين يا راوي)

وهنا صرخت صرخة مدوية واخذت تهز رأسها بقوة لعلها تسقط كل ما فيها ولكن هيهات

كان يتردد صدى الكلمات و يتردد ويتردد وكأنها تأمرت مع الجميع كي تقضي عليها


جثت “ميرال” تؤازرها بدمعاتها قائلة :

-“نادين” اهدي…علشان خاطري اهدي


صرخت هي بقهر من بين شهقاتها التي تقطع نياط القلب:

-“يامن”…طلقني وصدق “طارق”

أنا لازم أروحله وافهمه انا لازم اقوله وهو اكيد هيصدقني


اجابتها “ميرال” بقلة حيلة:

-دورنا عليه في كل حتة وملقنهوش

قبضت هي على منكبين “ميرال” وصرخت بها بجنون وبنبرة هستيرية وهي تهزها تستنكر ما تفوهت به:

-كدب كدب هو مستحيل يسبني هو عارف أني مقدرش اعيش من غيره هو عارف إني مليش غيره ومستحيل يعمل فيا كده أنا لازم اروحله… لتتركها وتضم ركبتيها لصدرها وتتأرجح للأمام والخلف بعدم اتزان متمتمة:

-ايوة أنا لازم اقابله واقوله الحقيقة وهو اكيد هيصدقني هو بيحبني يا “ميرال “وهيسامحني هو علطول بيسامحني…


ضمتها “ميرال” لها تحاول أن توقف اهتزازها وقالت بحزن من بين شهقاتها :

-هنلاقيه وهنقوله على كل حاجة وإن شاء الله هيصدق…بس اهدي علشان خاطري وكل حاجة هتبقى كويسة


نفت برأسها وصاحت بإلحاح غريب:

-عايزة ارجع بيتنا…عايزة ارجع بيتنا وديني ل ماما “ثريا” هي هتصدقني وهتقنعه


– مش هناك والله بس هوديكِ وهريحك بس اهدي علشان خاطري


اومأت لها بهوان وترجتها وهي تتحامل على ذاتها و تنهض ترتدي سترته وتضم بها ذاتها وكأنها تستجدي قربه:

-دلوقتي يا “ميرال”…


انصاعت “ميرال” لها دون معارضة ولبت رغبتها في سبيل أن تجعلها تستوعب الأمر بذاتها.

—————–

-كنتِ فين يا هانم


قالها بغضب شديد وهو ينقض يقبض على ذراعيها مما جعلها تتلعثم قائلة:

-كنت…كنت في النادي قاعدة مع صحابي في ايه مالك متعصب ليه كده…


-في ده يا هانم …


قالها وهو يرفع الحبوب أمام نظراتها التي زاغت لتوها حين تخلصت من قبضته و جذبته من يده متبجحة:


-انت بتفتش في حاجتي ليه!


-نعم انت هتستهبلي…أنا عايز أعرف بتاخديه ليه من ورايا


أجابته وهي تلوح بيدها ساخطة:

-يوووه بقى أنت بقيت لا تطاق بجد انا زهقت


-تعالي هنا وجاوبيني…

قالها بسخط عظيم لطالما تشاركاه وهو يقبض على ذراعيها بقوة جعلتها تهدر بوجهه دون أي خضوع وبثقة عارمة:


-عايز تعرف ليه علشان مش عايزة اجيب ولاد من واحد زيك…عايزهم يجوا ليه علشان يشوفوا فقر ابوهم وقلة حيلته عايزني اجيب ولاد علشان تعيشهم كده…


قالت جملتها وهي تنفضه عنها وتؤشر على محيط المكان بإزدراء:


-هو ده اللي وعدتني بيه يا “سُونة” هي دي العيشة اللي قعدت توصفهالي وتمدحلي فيها…انت ضيعت كل احلامي بغبائك وسبت واحدة غبية زيك تاخد فلوسك و وقفت تتفرج…


استفزه حديثها بشده لذلك كعادته جَبن عن تحمل الأخطاء وألقاها على عاتق غيره متقمص دور الضحية:

-أنتِ السبب…أنتِ اللي خسرتيني كل حاجة


حانت منها بسمة هازئة وقالت بإحتقار:

-غبائك هو السبب مترميش عليا


ليؤكد هو بإنفعال والندم يتأكل قلبه:

-أنتِ اللي خلتيني خسرتها وخسرت معاها كل حاجة أنتِ اللي اقنعتيني أنها مش ضحية وانها لئيمة وقليلة الأصل وخلتيني بكل غباء أروح اساومها على حريتها…


أجابته بنبرة مستفزة للغاية وهي تلوح بيدها:

-وحتى دي معرفتش تعملها وروحت طلقتها بكل سهولة وخلصتها منك…ودلوقتي قاعد تندب حظك زي الولايه وبصراحة بقيت مثير للشفقة


ثارت ثائرته وصرخ بها:

-أنتِ ايه شيطان…أنا أزاي كنت مخدوع فيكِ كده


اجابته بكل برود وثقة وكأن ما تقوله هو المنطق بحد ذاته:


-وانا كمان اتخدعت فيك واظن كده نبقى خالصين و اللي بينا لازم ينتهي اكرم ليا وليك


جعد حاجبيه وتساءل بتوجس:


-يعني ايه؟


-يعني أنا مبقتش طيقاك وكرهت حياتي معاك ومش مجبرة اتحمل فقرك…طلقني وياريت بالذوق احسن ما اجرجرك في المحاكم وأخلعك…


ذلك آخر ما تفوهت به قبل أن تدخل لغرفتها وتغلق بابها في وجهه تاركته مصدوم…بل مشدوه يشعر أنه يكاد يصيبه ذبحة صدرية من حديثها… فنعم أيها الساخط كل شيء ذهب هباءً.


فقد أكرمك الله بالعَقـل ولكنك لم تستخدمه، وأهنت نفسك بأفعَالك…

—————

عند وصولهم هرولت من السيارة ما أن توقفت أمام بوابة المنزل الخارجية لتجدها مغلقة لتطرق على الباب الحديدي بكل عزمها وهي تزعق بأسمه بنبرة راجية ممزقة:

-يامن….ياااااااامن…ماما ثرياااااااااا….ياااااااااامن افتح الباب واسمعني …..يااااااااااامن


لم يأتيها رد سوى من الحارس الذي فتح البوابة وقال بتفاجئ:

-ست “نادين” …البيه والست “ثريا” مش موجودين …سافروا


قبضت على مقدمة جلبابه وصرخت بجنون:

-أنت بتقول ايه هما فين…مستحيل يسبوني ويسافروا أنت كداب هما جوه صح وهو اللي قالك تقولي كده …صح قول أنه صح….أنطـــــــــــــــــــق


كانت تتحدث بنبرة هستيرية ودمعاتها الحارقة تنهل من عيناها دون هوادة، ليؤكد الحارس بقلة حيلة وبتعاطف:

-والله يا ست هانم ده اللي صار وهما مشيوا وسابوا البيت وحتى سابوا شنط ليك فيها حاجتك والبيه بلغني أول ما تيجي اسلمهالك


نفت برأسها بحركة غير مستوعبة وكأنه لم تستمع لحديثه من الأساس واندفعت بقوة إلى الباب الداخلي للمنزل واخذت تطرق عليه تارة وتضغط على جرس الباب تارة أخرى وهي تصرخ بقهر راجية بنبرة ممزقة تعدت الألم بمراحل:

-ياااااااااامن …انا مليش غيرك…يااااامن افتح أنت مستحيل تسبني ….يااااااامن….ماما ثريا…انا مليش غيركم …مليش غيركم هروح لمين …هروح لمين…متسبونيش لوحدي ….ياااااااامن….افتح…

متسبنيش لوحدي…متسبنيش لوحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدي

قالت أخر جملة وجسدها يتهدل يفترش الأرض بأنهيار تام جعل “ميرال” تحتضنها قائلة بمؤازرة:

-كفاية مفيش حد جوة يا “نادين”…


-ازاي هونت عليهم…سابوني…أنا مليش غيرهم أزاي سابوني ومشوا أزاي

شددت “ميرال” على عناقها وواستها ودمعاتها تنهمر تضامن معها:

-هندور عليهم…

لتتسأل بضعف وبنبرة مرتعشة تحمل قهر العالم أجمع:

-وهيصدقني …هيسامحني…

هيرجعلي…هيرجعلي يا “ميرال”


هزت “ميرال” برأسها وحاولت بشتى الطرق أن تهون عنها وتؤزرها ولكن هي أصرت ان تذهب لأي مكان من الممكن أن يتواجد به ولكن بلا فائدة وكأن ذلك ال”يامن” تبخر ولم يعد له وجود…لذلك عادوا سويًا لتلك المنطقة الشعبية قاصدين تلك الشقة التي مكثوا بها الأيام السابقة ولكن ما أن تدلت من السيارة بمساعدة “ميرال” اتسعت عيناها الذابلة وتعالت دقات قلبها حين وجدت آخر شخص توقعت أن تجده بانتظارها….


يتبع…




الثلاثون من هنا

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close