recent
روايات مكتبة حواء

رواية وصية والد الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم علي اليوسفي

رواية وصية والد الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم علي اليوسفي

 (( الفصل الثالث والعشرين ))

....................................
ياسالباً راحتي ذرني وذكرياتي ، علّني وأقول علّني ، أجدُ فيها مايغفر لك مااقترفته في قلبي من دمار.
............................
ازدرعت ريما الرواق جيئة وذهاباً أمام غرفة العمليات التي غابت خلفها إيمان برفقة آماليا ، تضرب كفها المكوّر بالآخر ، و حيرة عظيمة سيطرت عليها ولم تعِ بعد ماحدث، مازالت صرخة إيمان تتغلل داخل ثنايا عقلها لتبعثه على الجنون..
أخرجها صوت الباب الذي فُتِح من شرودها، التفتت بلهفة ووجهٍ شاحب ناحية آماليا التي كانت تخلع كمامتها الطبية، قطعت الخطوات القليلة بينهما لتمسك كفها هاتفة بلوعة: أرجوك حضرة الطبيبة أخبريني ، مالذي جرى؟؟ وكيف حال إيمان ؟؟
رمقتها آماليا بنظرة جامدة بداية ، لكنها ابتسمت على لهفتها ، أجابتها بنبرة هادئة : لا تقلقي مدام ريما فإيمان بخير، لكن للأسف لم نستطع إنقاذ الجنين.
شهقة مرتاعة خرجت من جوفها واضعة يدها على فمها ، ارتسم الألم على ملامحها لتلك الحقيقة المرة ، ازدردت ريقها بحزن وهي تطالع وجه آماليا بعسليتين غائمتين، رفرفت بأهدابها لتهطل قطرة ألماسية من عينيها لم تقاومها ، استغربت آماليا أمرها وقد بدى لها - بحكم خبرتها الطبية- أن ريما على وشك الانهيار ، فوضعت كفها على كتف ريما تسألها بحذر: هل أنت بخير مدام ريما ؟؟
لا لم تكن بخير، حركت رأسها للجانبين بحركة خفيفة وهي تطالع الباب خلف آماليا ، وقد اعتقدت أنها المتسببة في قتل الجنين ، شعرت آماليا بالقلق عليها لتهتف تسألها من جديد: مدام ريما حادثيني ، هل تشعرين بشيء ......؟؟
لم تكد تكمل سؤالها حتى تفاجأت بريما تكاد تسقط أرضا ، واضعة يدها على رأسها فأسندتها آماليا بحركة سريعة، لتحثها على المشي ناحية أحد المقاعد الموجودة في الرواق، اجلستها هناك لتنادي على إحدى الممرضات بجلب كأس من الماء لريما، أسرعت الممرضة بتنفيذ ما طُلِبَ إليها فيما آماليا تفحصت ضغط الأخرى التي داهمها الدوار ، لتكتشف أن ضغطها قد تهاوى بسبب الخبر الأليم ، ولأول مرة طالعتها آماليا بمشاعر مختلفة عن العادة، وشعور الإعجاب كان أبرزها ، كم هي رقيقة وحساسة !!!
حضرت الممرضة لتناول آماليا كوب الماء الذي احضرته، فجثت الأخرى على ركبتيها لتناوله لريما التي كانت تذرف دموعها متأملةً الأرضية بارتجافة طفيفة ، رفعت الكوب إليها فرشفت منه ريما بضع قطرات ، تأملت آماليا بتلات خديها الندية، فسألتها باهتمام: ما الأمر ؟؟ لمَ تبكين؟؟
ارتجفت شفتاها قبل أن تجيب بصوتٍ مبحوح متأثر: لقد أجهضت بسببي.
شبح ابتسامة لاح على ثغر آماليا لتعقب على كلماتها: لا ، لا ذنب لك أنت ، فإيمان نفسها لم تكن تعلم بأمر حملها.
حملقت فيها ريما بذهول لتؤكد لها بإيماءةٍ خفيفة من رأسها مضيفة: نعم ، فالحمل لم يتعدى الثلاثة أسابيع ، وإيمان لم تكن تعلم.
رفرفت بعينيها متسائلةً باستغراب وحاجبين مقطبين: لكنها صرخت أنها تجهض ؟؟ أي أنها تعلم بحملها؟؟
لم تبرح ابتسامتها الهادئة ثغرها وهي تجيب: إيمان أجهضت مرتين قبلا، لذا هي تعرف علامات الإجهاض وألمه.
حركت رأسها بتفهم، تنفست بعمق لترسم ابتسامة باهتة على شفتيها هامسة : شكرا لك حضرة الطبيبة.
بادلتها آماليا بسمتها قائلة وهي تعتدل في وقفتها وتضع يديها في جيبي معطفها الطبي: لا داع لشكري، ثم أن اسمي آماليا.
أشارت لها موافقة لتردف بنبرة ذات مغزى: وانا أدعى ريما، فلا داع للرسميات فيما بيننا.
ابتسامتها الهادئة زينت ثغرها لتوافقها بإيماءةٍ من رأسها لتضيف قبل أن تتجه عائدة إلى غرفة العمليات: ستخرج إيمان بعد قليل .
راقبتها ريما حتى اختفت خلف الباب الأخضر ، تنهدت بتأثر لخسارة صديقتها ، وماأشنعها من خسارة !!!.
..............................................
طالع أدهم هبوط الليل بردائه الأسود بعينين تقدحان غضباً، طالع ساعة معصمه ليكتشف أن الوقت تعدى التاسعة دون عودة ريما إلى المنزل، وآلاف من الأفكار الغريبة عليه تداهم عقله المتعب.
لقد ذهب وقت الظهيرة إلى المحل ليدعوها إلى الغداء فيعتذر منها على إساءته ، لكنه تفاجأ بالمحل مغلقا ، ظنّ أنها عادت إلى المنزل لكنها لم تكن هناك أيضا ، مما ضاعف الشعور بالريبة داخله.
بدأ ذهنه يتخيل أسوء الممكن ، ربما فعلته الخرقاء معها جعلتها تمقته؟؟ ماذا لو أن ريما قررت التخلي عنه وعن مجد وأرادت الهرب؟؟
لكن ليست ريما من تفكر بهذه الطريقة ، وعن أي هرب يتحدث ؟ فهي خرجت صباحا إلى محلها كالمعتاد ، ثم أنها لم تأخذ ثيابا ولا حتى جواز السفر ، لكن أين هي الآن ؟؟
مسح أدهم على وجهه نافخاً بضيق هامساً لنفسه بغيظ، بحق الله ماهذه الأفكار ؟؟؟
انتفضت خلايا جسده دفعة واحدة كما عقله عندما مرّت على ذهنه خاطرة مريبة: هل تكون مع أيمن إلى الآن ؟؟ وفي منزله ؟؟
لا ، لن يرضاها لها لو كان مايفكر فيه صحيح ، إنها بهذا تخطئ بحق نفسها أولا قبل أي أحد، تسارعت أنفاسه بغيرة على عرض وليست غيرة على حبيبة ،فهي بمنزلة شقيقته ، ربما هو السبب وأوجعها بغلطته ، لكنه كان مغيباً، ولا يحق لها أن تلقي بنفسها في الهاوية انتقاما منه !!
صوت إغلاق الباب الخارجي للمنزل أيقظه من أمواج أفكاره العاتية ، والعجيبة في بعضها، ليطالع وجهها المتعب بملامح جامدة ، ارتجفت ريما تلقائيا حينما وقعت عيناها عليه ، ازدردت ريقها بوجل وهي تراه يقف من مكانه متقدماً نحوها بخطوات متمهلة ، وعيناه الرمادية قد ثارت فيهما زوابع ترابية، زاغت عيناها بتشتت تبحث عن تواجد أحد سواه في المنزل لكن الخيبة كانت من نصيبها.
وقف أمامها مباشرة ليسألها بجدية وهدوء مريب: أين كنتِ؟؟
ابتلعت ريقها مجددا لتشعر بجفاف حلقها، كادت تجيبه لكنه كان الأسرع ، حيث قبض على ذراعها يعتصره بقسوة آلمتها ، لكنها لم تكن كألم روحها عندما هتف بها بنبرة ارعبتها: إياكي والكذب عليّ ريما واخبريني الصدق، هل كنتِ برفقة أيمن ؟؟
اتسعت عيناها بصدمة على إثر اتهامه الموارب لها، مع ذلك حاولت تجاوز صدمتها لتهمس له بدموع تحجرت على طرف عينيها: أنت تؤلمني أدهم ، اترك يدي .
رغماً عنه استجاب لدموعها ، فحرر ذراعها على مهل ليقف منتظراً إجابتها ، فركت عضدها لتجيب وهي تحاول إخراج نبرتها طبيعية: لقد كنتُ مع إيمان في المستشفى.
اهتزت حدقتاه إثر حديثها ، فيما تابعت وقد رفعت رأسها لتقابل رماديتيه: لقد أجهضت ، وهي الآن في منزلها وحيدة .
شعر أدهم بالخزي يداهم أعماقه لظنه السيء بها، ووخزات ضميره أتعبته ، فيما لم ترغب ريما بإحراجه اكثر، خاصة أنه تهرب من مدى نظراتها ، فأردفت بشبح ابتسامة وهي تضمن جوابه: سأبدل ثيابي وانت تأهب لتوصيلي.
سكتت لثانية لتردف بمكر: فأماليا ستتواجد هناك خلال دقائق.
ألقت كلماتها الموحية لتسير مبتعدةً عنه متجهة إلى غرفتها، أما أدهم فقد بقي متصنماً مكانه يحاول استيعاب كلماتها، رغم كل شيء هي ريما الرقيقة ، تفكر في غيرها أكثر مما تفكر بنفسها، تنهد بشوق وشبح ابتسامة طفيفة لاحت على ثغره، ربما هناك امل في لقاء الحبيبة !!!
.....................
مذ غادر أيمن منزله بعد مشاركته شقيقته وابنته طعام الغداء لم يعد، ثم اتصل بإيناس ليخبرها بضرورة بقائها عند ريما الصغيرة بسبب تأخره في العمل ليلا ، مما أعطى الفرصة لإيناس بتفحص غرفة شقيقها ، بعد نيتها المبيتة مسبقا بتنظيفها ، وبعد أن أنهت ترتيب الغرفة وتنظيف غبارها، اتجهت صوب الحمام ، كانت تنظف علبة الإسعافات أعلى الخزانة المعلقة على حائط الحمام ، عندما وقعت يدها بالصدفة على الصورة العائلية التي تجمعه مع زوجته الراحلة وابنته، وتلك الصورة نفسها سبق وافتقدتها عن حائط الصالة.
استغربت وجودها هنا ولماذا قام أيمن باقتلاعها من مكانها؟
رفعت الصورة الكبيرة نصب عينيها لتحدق في وجه نتالي، لتكتشف مدى الشبه الكبير بينها وبين تلك السيدة الغريبة التي قابلتها مرتين للآن ، لا تستطيع التصديق أن الأمر مجرد صدفة ، محال أن تشابه تلك الصديقة المفترضة زوجة أيمن بل وتحمل نفس اسم ابنته وهذا كله يكون من قبيل الصدفة !!!
زفرت من أنفها وهي تعيد وضع الصورة مكانها أعلى الخزانة بغيظ ، خرجت بعد انتهائها ، لتوجه نظرها إلى صورة أخرى تخص نتالي وحدها مسنودة على الطاولة الصغيرة بجانب سرير أيمن ، همست إيناس كأنها تحادث نتالي التي لم تقابلها أبدا: لم أعد أفهم شيئا ، فهل تعرفين أنت ؟؟
زمّت فمها بتفكير وقد ضيقت عينيها وشردت في نقطة في الفراغ ، طرقت بسبابتها على طرف ذقنها تستذكر اسمها: ريما الدهان؟ لا لا ، ريما ماذا ياايناس تذكري ، اسمها ريما ، ريما.....
اتسعت عيناها بسعادة وابتسامة انتصار عرفت طريقها إلى ثغرها وهي تهتف بتذكر: ريما الرسام ، نعم هذا اسمها.
حثّت إيناس خطاها إلى الصالة حيث تركت هاتفها، حملته لتفتح على تطبيق محرك البحث ( غوغل ) ، ثم كتبت اسم ريما الرسام في خانة البحث، ماهي إلا ثوان معدودة حتى ظهرت صفحة طويلة تحمل العديد من الأخبار حول ريما، وأغلبها كان عن معرضها الأخير ، فتحت إيناس صفحة إحدى المجلات لتقرأ فحوى المقابلة التي سبق وأن أجرتها ريما معهم ، كما رأت صورة تجمعها وأدهم .
أغلقت خضراوتيها المشابهة لمقلتي أيمن ، وإحساس مقيت بالخداع يسري في شرايينها ، لا رابط يجمع بين تاجر ومصممة أزياء ، إذاً فقد صدق حدسها وهناك أسرار خطيرة في حياة شقيقها ، أغلقت الهاتف ومسّدت بأصبعيها جبينها ، فكرت أن تسأل الصغيرة لكنها تراجعت ، يبدو ان ايمن يحاول جعلها تبدو حمقاء امام نفسها ، وهو الان يلعب لعبة غير محسوبة النتائج، حسناً فليكن ، ستلعب بنفس أسلوبه.
شقت ثغرها ابتسامة ماكرة وقد راق لها ماخطر في ذهنها للتو !!
...........................................
وصلت سيارة أدهم إلى الحيّ الذي يقبع به منزل أيمن وجارته إيمان ، لاحت من ريما نظرة صوب مكان سيارة أيمن فلم تجدها، فتنفست الصعداء لغيابه، ذلك خير من رؤيته لها برفقة أدهم ، تأهبت لتترجل من السيارة فاستبقها القابع بجانبها يتفحص الطريق: هل أنت متأكدة من قدوم آماليا ؟؟ فأنا لا أرى سيارتها هنا !!
التفتت صوبه ببسمتها المنمقة مجيبة بصوت رخيم: بالطبع، فهي من أخبرني بقدومها لتعطي ايمان حقنة الدواء ، فهيثم مسافر ولا أحد معها في المنزل.
حرك رأسه بتفهم ثم ترجل بدوره ليتبعها ، حيث سارت باتجاه منزل إيمان، حاملة في يدها بعض الصناديق متوسطة الحجم لحفظ الطعام.
د.....................
ثنت إيمان ساعدها بعدما اعطتها آماليا الحقنة الطبية ، ابتسمت لها بشحوب متمتمة بصوت خفيض متعب: شكرا لك حضرة الطبيبة ، لقد اتعبتكِ معي.
ربتت آماليا على كتفها لتهديها بسمة بسيطة مجيبة: لا داع لشكري على واجبي إيمان ، فأنت وخديجة بمثابة شقيقتيّ.
تنهدت الأخرى بامتنان مستذكرة شقيقتها التي خضعت مؤخرا لعملية تلقيح صناعي على يد آماليا ، فلم يخبرها أحدهم بماحدث مع إيمان خوفا عليها، ومع سفر هيثم إلى مدينة أخرى لأجل عمله فلم يبقَ لايمان أحد ، خلا إحدى الجارات التي تطوعت لأخذ الأطفال إلى منزلها هذه الليلة.
كانت آماليا توضب الأدوية داخل حقيبتها الطبية ذات اللون البني، كتفت يديها بعد انتهائها لتخبر إيمان بجدية: يجب أن تتناولي شيئاً قبل أن تنامي، سأحضر لك حساء الخضار.
كادت تتحرك من مكانها حينما قاطعتها إيمان هاتفة بسرعة: لا تتعبي نفسك حضرة الطبيبة ، فقد تكفلت ريما بجلب العشاء.
التفتت صوبها بحركة مباغتة ، ورغماً عنها سرت في بدنها قشعريرة غريبة حينما ذكرت اسمها، ربما لارتباطه باسم أدهم دوما، فهمت من حديث إيمان أن ريما في الطريق ، لذا فقد أثرت الهرب ، تصنعت الابتسام لتسير ناحية حقيبتها محدثة إيمان ببعض التوتر الذي نجحت في إخفائه: إذا يجب عليّ الذهاب الآن.
لكنها وقبل أن تصل يدها للحقيبة سمعت صوت جرس الباب ، دمدمت لاعنة حظها من تحت أسنانها فيما هتفت إيمان: لقد وصلت ريما.
حملت الحقيبة واتجهت إلى باب المنزل لتفتحه ، طامعة في الهرب ، لكن أملها تبدّد حالما فُتح الباب لتكون عينا أدهم العاشقة أول مايطالعها ، ازدردت ريقها بوجل وهي تحول انظارها صوب ريما التي هتفت بحماس:إذا فأنتِ هنا آماليا ؟
أضافت بنبرة ذات مغزى مشيرة إلى أدهم: لقد بحثنا أنا وأدهم عن سيارتك فظننا أنكِ لم تحضري بعد.
ابتسامة باهتة تلك التي القتها ناحية ريما مجيبة بنبرة هادئة لكنها تخفي خلفها قلقها: في الحقيقة لقد أتيتُ بسيارة أجرة ولم آتي في سيارتي.
تنحت للجانب مضيفة وهي تبعد عينيها عن رماديتين متلهفتين: تفضلا وادخلا، فإيمان بانتظار حضورك.
ضيقت ريما عينيها لتلقي نظرة ذات معنى ناحية أدهم عندما استوعب كلاهما أنها على وشك المغادرة ، فهتفت ببسمتها الحانية وهي ترفع صناديق الطعام في وجهها: حسنا، وبما أنكِ هنا فلتشاركينا العشاء .
كادت أن تعتذر لكن ريما استبقتها وهي تدلف إلى الداخل لتقابلها ، هاتفة بإصرار: لن أقبل بأية أعذار ، والآن تفضلي أمامي لو سمحتِ.
ضغطت على شفتيها بحرج فلم تعرف كيف ستتهرب، فيما تحركت ريما ناحية الطاولة لتضع الصناديق عليها، ثم إدّعت انشغالها بإفراغ محتوياتها في أطباق جلبتها من المطبخ، تاركة الآخر هائم في وجه محبوبته التي تجمدت قدماها أرضا، كأنما ترفضان الانصياع لأوامر عقلها الذي يطالبها بالهرب.
تحرك أدهم أخيرا ليدلف ويغلق الباب، ليقابل بجسده آماليا التي رفعت رأسها إليه ، قرأت داخل تلك الرماديتان مشاعراً يختصها بها وحدها، إنها مشاعر الحب الصادق الذي لم تدنسه الأيام، انتبهت هي إلى موقعهما إثر صوت الأطباق الزجاجية ، لتنسحب من أمامه نحو ريما التي ابتسمت بلطافتها المعهودة مخاطبةً آماليا: صدقيني لن تتناولي يوما طعاما أشهى من طعام أم ميسر ، فهي طاهية بارعة.
اختلقت آماليا بسمة لم تصل إلى عينيها وهي تومئ لها بالإيجاب ، كأنها فهمت حديثها الذي لم تسمع منه حرفا ، ساعدتها في توزيع الأطباق أمام أربع من الكراسي المتقابلة، انتهت ريما لتحمل الصناديق متجهة إلى المطبخ، لكنها توقفت لتحادث أدهم مشيرة له بإشارة فهمها: تعال عزيزي أدهم واجلس مكانك.
كانت آماليا تسحب الكرسي لتجلس عندما سمعت جملتها ، صوبت انظارها نحوها لتراه يتقدم نحو المائدة فهمست بخفوت: سأذهب لأغسل يديّ.
بهتت ملامح أدهم ولاحقها بنظراته حتى اصطدمت بنظرات ريما ، التي ابتسمت له بتشجيع و أشارت له بألا ييأس .
.....................................
خرجت ريما تسند إيمان من خاصرتها، لم تكن بهذا التعب الشديد لكن ريما قد أصرت أن توصلها بنفسها حتى دخلتا الصالة، لتجد أدهم مازال على جلسته وحيدا، زفرت ريما من أنفها فيبدو أن آماليا أعند من أدهم ، ابتسمت بتهكم وهي تحرك رأسها للجانبين بحركة خفيفة ، حسنا هما يليقان ببعضهما !!!
كانت الأخرى ماتزال في الحمام الملحق بالصالة، فتحت صنبور المياه فقط ليسمع صوت تدفق المياه من بالخارج، لكنها في الحقيقة كانت تغمض عينيها وتضغط بيدها على الحوض الرخامي تستدعي ثباتها الانفعالي ، لا يجب أن تضعف، ليس هنا وليس أمامها ، رغم أنها لم تفعل لها شيئا مسيئا لكنها لا تستطيع أن تحب ريما غريمتها ، رغم أنها تستحق أكثر من ذلك، لكن ماذا تفعل بغيرة الأنثى ؟؟؟
انتبهت لقضائها وقتاً أكثر من اللازم في دورة المياه، اقفلت الصنبور لتخرج بعد نفس عميق ، اصطنعت بسمتها المزيفة والتي اختفت ماان رأت جلستهم، حيث كانت ريما تجلس بجانب إيمان ، فيما بقي الكرسي بجانب أدهم شاغراً، وكم أسعده هذا الترتيب الذي كان بتخطيط مسبق من ريما.
أجبرت قدماها على التحرك حينما التفتت ريما نحوها لتحثها على القدوم: هيا آماليا ، فنحن بانتظارك.
تقدمت لتجلس على كرسيها بتردد ، حملت ملعقتها لتجاري البقية الذي بدأوا في تناول طعامهم بشهية مفتوحة، كانت ريما تطعم إيمان بيدها مرفوقة ببسمتها الحنون، وأدهم الذي كان يلقي نظرات عابرة ناحية آماليا الجالسة بقربه، ولا ينكر أن فؤاده يرقص طربا بجوارها ، كأنه مراهق في الثامنة عشر من عمره ،ينتظر محبوبته لترفع رأسها إليه ليتوه في قسماته البريئة .
بضع لقيمات هي كل مااستطاعت إقحامها جبرا في فمها، فيما معدتها تعتصر قلقا وجزعاً ، ولا تعرف حقا لمَ؟ لكن رائحة عطره النفاذة زكمت أنفها ، فلم تعد تستلذ بأي رائحة أخرى.
استقامت ريما لتتجه مع إيمان إلى الحمام، ليستغلّ أدهم لحظة انفراده بها، توجهت أنظاره إلى آماليا التي كادت تتبعهن ، لولا حديثه الهامس: كيف حالك؟
رغما عنها غاصت في مقعدها، ازدردت ريقها بتوتر مجيبة باقتضاب و بنبرة مهتزة دون النظر نحوه: بخير.
تنهد بحنين يحدثها بدفء توسمته: يجب أن نتحدث آماليا ، أرجوك اعطني فرصة ؟؟
ابتسمت بتهكم لتردف بهمس وهي تشير بذقنها إلى الرواق الذي اختفت فيه ريما ورفيقتها : زوجتك هنا سيد أدهم ، ألا تخشى أن تراك؟؟
امتدت يده ليمسك كفها بحنان معقبا بنبرة عاشقة: لا يهمني سواك آماليا .
قطبت جبينها من حركته التي اعتبرتها وقاحة، التفتت إليه تريد توبيخه، لكن لسانها سكن داخل فمها عندما تلاقى البحر بالتراب، داخل مقلتيه عشق فائض عن المعروف ، وللمسته على يدها تأثير السحرة ، تعطل عقلها من إعطاء أوامر التمرد لها، ليتوه معها في تفاصيل وجه لطالما عشقه، وكلمات اغنيه سمعتها ذات يوم تتردد في الخلفية:
عيناه والروح سواء..........عهد العاشقين وفاء.
يا أصماً عن النداء............ والوعد رياء.
عيناه والروح سواء.........عهد حب فيه وقار
قلبٌ أُصِمَّ عن الهوى .......والبعد شاء.
إذا نسيت عهود القلب تذكر..... أنك من أساء.
قد جاء إليَّ معتذراً........ ولكن بعد ماذا جاء؟
تنهدت بأسى وكأن الشاعر قد كتبها لحالها المتناقض خصيصاً:
عاشقٌ قد خان الهوى....وحبيب وعد وغدر.
إلى أين ياقلب أجبْ....... إلى متى سنبقى ننتظر.
حالنا حال الغريب..........حقائب همٍ ووهمُ السفر.
نخفي نار الشوق فينا...... ونبكي ذكريات صور.
جميعنا في البداية رائع....وفي الختام الكل انكسر.
ألا هل من حبيبٍ هنا.... سقط القناع والحب اندثر.
تلألأت الدموع داخل زرقاوتيها حالما دقت الكلمات الأخيرة ذهنها، أحقاً سقط القناع واندثر الحب؟؟ أم أنها العمياء منذ البداية ؟؟
ارتجفت شفتها السفلى فيما تطالع عينا أدهم ، والتي كانت كفيلة بإخبارها عن حجم غرامه وحبه الذي لم تغيره السنين ، لكن ضحكة ريما الرنانة نزعتها من متاهتها نزعاً، ضغطت على شفتيها وهي تسحب يدها من كفه بنزق، حبست دموعها وهي تستقيم هاربة من أمامه ، أصابه الذهول لتبدلها ، سرعان مااستوعب فتحها للباب ، انتفض فؤاده يريد اللحاق بها لكنه أجبر جسده على الصمود مع خروج إيمان وريما ، تساءلت إيمان باستغراب: أين الطبيبة ؟؟
ازدرد ريقه محاولا الابتسام مجيبا بنبرة مبحوحة: لقد طرأ لديها عمل مستعجل.
رمقته ريما بنظرة متسائلة ، ليشير لها بالنفي برأسه بخفة ، تنهدت بخيبة وهي تجزم أن عناد آماليا ، يفوق تخيلها.
لو أنها فقط تعطيه الفرصة وتسمعه، لو !!!
............................
أسندت رأسها على زجاج نافذة سيارة الأجرة التي استقلتها ، ولم تستطع منع دموعها من الهطول ، وتنهيدات الوجع تخترق روحها لتخرج مع شهقات بكائها، انتبه الرجل الاربعيني إلى بكاء تلك الصبية الجميلة ، قطب جبينه باستغراب ، ثم تحدث بصوت عالٍ ليجذب انتباهها: الحياة معقدة للغاية.
انتبهت هي إلى نبرة الرجل العجوز ، عدلت رأسها وهي تنظر إلى مرآته حيث تلتقي بعيناه البنية ، ليضيف الرجل بنبرة جعلت آماليا تعلم أنها المقصودة: تمضي أعمارنا وتضيع بحثا عن السعادة؛ ولا نعلم أننا نملك مفاتيحها ، الأمر يحتاج لأن نفتح انظارنا فقط.
تنهدت وهي تمسح دموعها ، ثم أجابت بصوت متأثر: وماذا نفعل بجراح الماضي الذي يرفض تركنا؟؟
ابتسم الرجل مجيبا ببساطة وهو ينقل ابصاره بين الطريق والمرآة التي ارتسمت صورة آماليا عليها: فلنتركه نحن إذا ، فلندرْ ظهورنا له ولن يتجرأ على القفز من فوقنا والظهور أمامنا مجددا.
رمشت عدة مرات قبل أن تتسائل بهدوء: وماذا نفعل بقلوبنا الحمقاء ؟؟ والحب الذي لم يزل يسكنها ؟؟
سكت الرجل لثوان حتى ظنته لم يسمعها، فيما هو كان يفكر في إجابة منطقية يريح قلب تلك الملتاعة، تحدث أخيرا بنبرة ودودة : ماكُتبَ لكِ يا ابنتي لن يكون لغيرك مهما طال الزمن ، وماليس مكتوبا لك فلن تملكيه مهما حدث ، فأريحي قلبك الصغير.
تنهدت بتعب وقد مسّتها تلك الكلمات بشكل جعل خافقها المجنون يهدأ قليلا ويرتاح، استندت برأسها من جديد على الزجاج ، تراقب الطقس الماطر في الخارج بعيون جديدة، هذه المرة لا تراجع، فلتعيشي الحياة كما ينبغي ، فالحزن لا يليق بك سيدتي.
............................................................................

google-playkhamsatmostaqltradent