recent
روايات مكتبة حواء

رواية وصية والد الفصل الثاني عشر 12 بقلم علي اليوسفي

رواية وصية والد الفصل الثاني عشر 12 بقلم علي اليوسفي

فصل الثاني عشر ))


...................

(( لاتصدق شيئاً مما تسمعه، وصدّق نصف ما تراه))
إنها حكمة انكليزية، لكن على مايبدو فإنّ أماليا لم تسمع بها مطلقاً ،فقد قضت ليلتها في تفكير عقيم، محوره أدهم وعلاقته بريما، كلّ ماكان يشغلها هو معرفة تاريخهما سوياً ، بناءً على حديث ريما للمجلة فمعرفتهما ببعض تسبق معرفتها هي به ، لكن أين وكيف ومتى؟؟

تكاد تُجنّ وتفقد عقلها في محاولةٍ يائسة لإيجاد إجابة عن هذا السؤال.

......................

لم يكن الوقت بالمتأخر جداً عندما عادت عائلتها بسيارتهم الخاصة، تتبعها سيارة أخرى حملت أمينة وباقي العاملات في المنزل.

ترجلت عليا من السيارة التي كان يقودها سائق خاص، عقدت حاجبيها بريبة عندما رأت سيارة أماليا مركونةً في مرآب المنزل، رفعت رأسها الى الأعلى فلم ترَ أيّ إضاءةٍ في غرفتها، لمَ تشعر بأن أماليا تتصرف بغرابة أحيانا.؟؟؟

جفلت بخفة على لمسة عمار الخفيفة على كتفها متسائلاً: مالأمر عزيزتي؟؟
ابتسمت بزيف ثم أجابته بارتباك طفيف: لا شيء عزيزي، فقط أتأكد من أمر ما، ادخل أنت إلى المنزل.

تقدمت نور التي كانت تراقب بتعب فتحدثت وهي تتأبط ذراع أبيها: أبي تعال لندخل، لقد تعبتَ هذه الليله كثيراً.

سار عمار مع ابنته باتجاه للمنزل وهو يحادثها بتسلية وانتظرتهما عليا حتى دخلاه، ثم توجهت إلى سيارة أماليا، تلمست غطاءها الأمامي فوجدته بارداً، إذاً فالسيارة هنا منذ وقتٍ ليس بقصير !!

وقفت لثوان تفكر قبل أن تدخل هي الأخرى، استغلت انشغال عمار بممازحة نور في الصالة وغياب الخدم مع أمينة داخلاً لتصعد إلى الأعلى.

شعرت أماليا بخطوات تقترب من غرفتها فأدارت ظهرها للباب، لحظات قليلة حتى ظهرت عليا من خلفه، قطبت جبينها ثم صاحت عليها بجمود: أماليا؟؟

أغمضت الأخيرة عينيها بقوة وهي تعضّ على شفتها، لقد عادت عائلتها أبكر مما كانت تظنّ، تنفست بانتظام حتى تصدق عليا بأنها نائمة حقاً، فلم يكن بها من الجلد مايؤهلها للحديث معها وهي بهذا القدر من الارتباك والتوتر.

وقفت عليا تطالع ظهر ابنتها بتفكر، ثلاث أو ربما أربع ساعات فقط هي التي غابتها أماليا، وهذا ليس الوقت الكافي أبداً لولادة مريضتها والاطمئنان عليها وعلى وليدها، ثم العودة إلى المنزل والغطّ في النوم العميق هكذا.

أمالت رأسها للجانب وهي تضع يدها على خصرها وتضغط على شفتيها بقوة، ربما هي لاتعرف سر تصرفات أماليا المريبة ،لكنها متأكدة من أن ماتخفيه امرٌ لا يطمئن بالمرة.

اعتدلت في رقدتها بعد مغادرة والدتها، نفخت بسأم ووضعت يديها على وجهها، لم تتوقع أن ينتهي الحفل باكرا هكذا وتعود عائلتها إلى المنزل، كذلك لم تحسب حساب أن ينتبه أحدهم إلى سيارتها المركونة في المرآب، وأيضاً لم يتوارد إلى ذهنها أن تشكك والدتها بها أبداً لاعتقادها أن خدعتها قد انطلت عليها حالها حال الجميع.

تلقائياً وجدت تفكيرها يتوجه مجددا إليه، لم تعرف كم بقيت على هذه الحال من التفكير الأجوف، شعرت بتثاقل أجفانها فغطت في نومٍ قَلِقْ ،تشوبه معظم الذكريات بمرّها وحلوها.

.....................................................

استيقظت ريما باكراً كعادتها لعلمها بأن أدهم سيذهب إلى عمله، تعمدت أن تتحرك في الغرفة وتثير جلبة خفيفة كإشارة منها بأنها مستيقظة.
كان أدهم مستيقظاً هو الآخر ، رغم تأخره في النوم إلى الفجر مفكراً في حقيقة مشاعر أماليا نحوه، وقليل من السعادة تجتاح خلاياه للاستنتاج الذي توصلت إليه ريما بالأمس ، لكنه استيقظ مبكراً بعد قراره بأن يخبرها بشأن أيمن، لتتجنب لقاؤه لو طلب مجد هذا.

طرق على باب غرفته من الداخل ،قبل أن يفتحه بحذر، ليرى ريما مستفيقة تتحرك في أرجاء الغرفة وهي تلبس منامةً حريرية وأغلقت سترتها بالخيط المخصص، ابتسم بخفه ليصدح صوته: صباح الخير؟؟

وقفت عما كانت تفعله لتهديه ابتسامة رقيقة على محياها لتنطق : صباح النور أدهم، هيا لتغتسل حتى ننزل إلى الأسفل سوياً.

تحركت لترتب سريرها لكنه بقي واقفاً ، التفتت صوبه بجبين مقطب لتسأله: مابك أدهم؟؟
مشى نحوها حتى وقف أمامها، أمسك بيدها ليسحبها بخفة إلى الأريكة القريبة ،أجلسها ثم جلس بجانبها ثم تحدث بتردد: اسمعي ريما، هناك أمرٌ هام يجب أن تعرفيه.

أولته كلّ اهتمامها فيما أشارت له بالإيجاب بانتظار أن يواصل حديثه، أخذ نفسا مطوّلاً زفره دفعةً واحدة ليقول جملته المقتضبة، لكنها أثارت زوابعاً داخلها: أيمن عاد.

تجمدت حدقتاه في عينيه وكأنها تلتمس أن يكون مخطئاً، أو ربما سمعت منه خطأً ،مرّت ثوانٍ لتتأكد أنه ما قال إلا الصدق ، اشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تزدرد ريقها بتوتر ثم تحدثت بصوت طغى عليه القلق وإن ادّعت ثباتها: وإن يكن؟؟ ليس هناك مايربطنا به لنقلق بشأنه صحيح؟؟

رفعت كوب الماء الزجاجي الموضوع على الطاولة أمامها لترتشف منه بضعة قطرات تبلل بها ريقها الجاف، لاحظت هدوء أدهم المريب فتطلعت إليه وضيّقت عينيها بتفرس وهي تسأله: كيف عرفت أنت بعودته؟؟

ازدرد ريقه بارتباك ليجيبها ببسمةٍ صغيرة: لقد رأيته وتعاملت معه.
اتسعت عيناها بفزع وهي تحرك شفتيها تريد قول شيءٍ ما لكنها فشلت، فيما تابع هو حديثه بحذر: وكذلك عرض على مجد أن يشاركه في المكتب التجاري الذي افتتحه مؤخراً.

صدمت بحديثه فحركت رأسها بإنكار كأنها تخشى سماع جملته الاخيرة: وقد وافق مجد.
دفنت وجهها بين يديها وهي تتأوه بجزع، مسحت عليه ثم فركت جبينها بارتباك وقلق، نظرت إلى أدهم القابع بجانبها لتمسك بيده قائلة بتوسل: أرجوك أدهم، لا تسمح لمجد بمشاركته وإدخاله إلى حياتنا، اتوسل إليك.

بلل شفتيه وهو يطالعها بإشفاق، ثم أخبرها بقلة حيلة: للأسف ريما، لقد حاولتُ مع مجد لكنه رفض ولم أستطع الضغط عليه.
مرّرت يدها على رأسها حتى وصلت لمنتصفه فشدّت خصلاتها ،ثم تحدثت بهمس كمن يحدث نفسه : لا يجب أن يعرف مجد بهوية أيمن الحقيقية ، ولا يجب أن يعرف أيمن من يكون مجد.

ربت على كتفها بمواساة فرفعت عينيها الدامعة إليه، فيما كان يخبرها: اطمئني، فأنتِ تعلمين أن أيمن لا يعرف بأسمائنا ولا من نكون بالنسبة لك، وكذلك مجد لا يعرف بأمره، لذا لا تقلقي.
سكت لثوان ثم أضاف: لكن المهم الآن أن تحاولي ألا تجتمعي بمجد خارج المنزل، لأنه سيكون معه أغلب الأحيان.

أماءت له موافقةً بشرود ثم عادت لتفرك جبينها بتوتر، أشفق أدهم عليها فأمسك بكفها بين يديه قائلاً: لا تقلقي ريما، لن أسمح بأن يجدكِ أيمن أبداً، أعدك بهذا.

ابتسمت بضعف وهي تشير له بامتنان ،فيما أردف بمرح مصطنع: والآن حضرة المديرة، تجهزي فالبدء بمقابلة الفتيات المتقدمات للعمل يبدأ في الساعة الثانية ظهراً.

ربتت على كفه القابض على يدها الأخرى لتتحدث بصدق: شكرا لك أدهم، حقاً لم أكن لأتمنى شقيقاً أفضل منك.
قبض على أرنبة أنفها يشدها برفق قائلاً: وأنا لم أتمنى شقيقة ألطف ولا أطيب منك عزيزتي.

ربما ادّعت الابتسام وحاولت أن تجاريه في مزاحه كعادتهما، لكنه شعر بقلقها وتوترها، وهي محقةٌ على أية حال.
عندما يعود ماضيك ليقتحم حياتك مجددا رغماً عنك، فتأكد أنك ستغرق في وحله مالم تقاومه وتردعه.

.............................................................................

تأخرت في نومها رغماً عنها، ولحسن الحظ أنها في إجازة إجبارية بسبب حفلة شقيقتها.
نزلت الدرجات لتجد أفراد عائلتها مستيقظين جميعا، كانت نور تجلس في منتصف الأريكة، وعلى يمينها قبع عمار وعليا على يسارها، حاولت الإبتسام وهي تتجه نحوهم هاتفة بصوتٍ ناعس: صباح الخير.

ردّد الجميع تحية الصباح فيما هم ينظرون إلى حاسوب نور القابع على حجرها ، منحتها عليا نظرة لم تفطن لمغزاها بل تجاهلتها وهي تتسائل: ماذا تشاهدون؟؟

رفعت نور رأسها لثانية ثم أخفضته مجدداً مجيبة: أنها صور من الحفلة أمس، تعالي وشاهديها.
التفت حتى وقفت خلف نور ،مرّرت الأخيرة إصبعها على لوحة المفاتيح لتحرك الصور، تابعتهم أماليا ببسمة صغيرة اختفت عندما رأت صورة ما تجمع عمار وقاسم وهما يتبادلان المزاح.

لم تشغلها الصورة قدر ما شغلها هؤلاء الذين ظهروا في الخلفية، كان كلاً من أدهم وريما يتهامسان في امرِ ما ثم يضحكان .
هل يتذكران حفل خطبتهما أم زفافهما؟؟
امتعضت قسماتها وعادت للخلف، ثم تحدثت بصوت خفيض: سأصعد إلى غرفتي.

استغربت عليا تقلبها فهتفت بتعجب: ما الأمر عزيزتي؟؟
اختلقت بسمة صغيرة لم تصل عينيها مجيبة: لا شيء أمي، انا فقط ماأزال أشعر بالنعاس.
استدارت لتغادر قبل أن تسألها سؤال آخر ، ضيقت عليا عينيها تنقل بنظرها بين الحاسوب وبين أماليا التي صعدت بهرولة، لفت انتباهها وجود أدهم وزوجته في الخلفية ، فلم تمنع الشك من الدخول لقلبها.

ألقت ثقلها على السرير لتغرق في نوبة بكاء كتمته وسادتها، صرخت بأسى ليتلقف السرير صراخها ويمنع أحدا من سماعه، لماذا؟؟ لمَ ماتزال تشعر بذات الشعور، بحرقةٍ في احشائها كلّما رأتهما سويا؟؟

ذاك النذل الخائن، إنه سعيد بمنزل الزوجية الذي بناه على أنقاض قلبها وأشلاء نفسها المنهزمة.

...........................................................................

حاولت اصطناع النوم مرات عديدة علها تغرق في هوة سوداء لا تحتويه لكنها فشلت، جربت كل الطرق المتاحة لديها للإلهاء، من هاتف ومجلات طبية وكتب، إلا أن ذلك كله لم ينفع معها فما زالت تشعر بالملل والضجر، ولم ترغب بالنزول إلى عائلتها لئلا تسمع شيئا عن حفلة أمس.

أصبح الوقت بعيد الظهيرة بقليل ،عيادتها مغلقه بعطلة عادية اليوم، لذا قررت الرحيل إلى المشفى، لحسن الحظ أن الصالة فارغة، فلم يلحظها أحدهم وهي تنسلُّ هاربة بهدوء.

كانت تمشي في أروقة المشفى وهي تنفخ بتعب ،حينما مرت بالقرب من قسم ( القلبية ) حيث رأت الطبيب عبد الرحمن، وهو المسؤول عن حالة والدها.
استوقفته بابتسامة رسمية ثم تحدثت: حضرة الطبيب كنت أودّ سؤالك عن حالة والدي، فحسب آخر مرة قدم والدي بها إلى هنا لم تكن مطمئناً، حاولت أن أحدثك لكنني لم أستطع الوصول إليك.

يعلم عبد الرحمن، الشاب الذي اقترب من حافة الأربعين، أن أماليا طبيبة ومتفهمة إضافةً إلى وعيها، قرر مصارحتها فلا فائدة من إخفاء الأمر عنها على أية حال، وضع كلتا يديه في جيوب رداءه الطبي، ثم أخبرها ماسيجعلها في صدمة حقيقية.

.................................................................. .....

تمّت مقابلات العمل بنجاح، كان من ضمن المتقدمات للعمل إيمان شقيقة خديجة وواحدة ممن يتابعن مع أماليا.

تم قبول إيمان مع فتاة أخرى للعمل في محل الثياب، وبضعة فتيات أخر للعمل في المشغل، باشرت ريما العمل فوراً، بعد وصول ماتبقى من مجموعتها ولم يتم بيعه بعد العرض الناجح، ولم يقتصر محلها على بيع تصاميمها الخاصة فقط، بل أيضا تعاملت مع عدد من المصممين داخل البلاد لعرض تصاميمهم لديها.

بدأت بتجهيز آلات الخياطة في مشغلها، بعد أن كان أدهم قد استورد الآلات لها مسبقاً والذي لم يتركها خلال مدة التجهيز أبداً ،وهكذا تمّ تجهيز المحل للافتتاح خلال مدة لم تتجاوز أسبوعاً ،وبقي فقط بضعة لمسات أخيرة.

تقاربت أيمان وريما كثيرا ،فقد كانت الأولى خفيفة الدم سهلة المعشر كريما تماماً .
غير أن انشغالها بالمحل لم يُنسِها قلقها من وجود أيمن حول مجد وبرفقته لفترات طويلة، خاصة بعد أن تمّ توقيع عقد الشراكة بينهما،وانتقال مجد للعمل في المكتب، لذا صارت تتحاشى التواجد مع مجد او الالتقاء به خارج المنزل.

..................................................................

(( قبل الموعد المقرر للافتتاح بيومين))

استفاق أدهم باكراً هذا اليوم لعلمه بأن ريما ستذهب مبكرا إلى المحل، خرج لينام في غرفة أخرى لئلا يسبب لها إحراجاً ، عقب رحيل مجد هو الآخر باعتبار أن لديه اجتماعاً مستعجلاً مع شريكه الجديد.

ارتدت ريما ملابسها وهمّت بإغلاق الخزانة، قبل أن تقع عينها على مجموعة حقائب اليد التي تمتلكها، لم تفتح هذه المجموعة منذ فترة ،أخرجت إحداهن وتأملتها، رغم قِدمِ تصميمها لكنها ماتزال جديدة، تبسمت ريما بحنين عندما تذكرت أن هذه الحقيبة هي أول شيءٍ تشتريه بمالها الخاص، عقب نجاحها في مسابقة مدرسية لتصميم زي موحد للمسرحية المقامة آنذاك في مسرح المدرسة الإنكليزية، حيث تابعت دراستها بعد السفر.

مسحت الغبارعنها ببعض المحارم المبلّلة، لكنها لاحظت ثقلها ففتحتها لتتفاجأ بما وجدته، كانت كرةً بلوريّة بحجم كفّ اليد، مليئة بالماء وفي أسفلها يقبع كوخٌ خشبي تقليدي، تناولتها ريما بأصابع مرتجفة وحركتها قليلاً ،فتحركت معها حبات فليّن صغيرة ،زُعم أنها حبات ثلج تهطل فوق ذلك المنزل.

بسمة موجوعة ارتسمت على محياها عندما استذكرت حين أهداها أيمن تلك الكرة، كانت بمناسبة انتهاء الامتحانات في المدرسة وقتها، وقد أخبرها بأنه سيسترجعها منها في بداية العام الدراسي الجديد .

تنهدت بألم الذكريات وهي تضمّ الكرة إلى صدرها، عودي إلى واقعك ريما، ما مضى قد انتهى وقُضي الأمر.
أعادت الحقيبة مكانها، لكنها أخذت الكرة لتضعها في حقيبتها التي علقتها على كتفها، تناولت مفاتيحها ثم خرجت إلى منزل إيمان.

..........................................

لم يكن الحيّ الذي تقيم فيه إيمان بعيداً عن منزلها هي، أخبرت إيمان منذ الأمس بأنها ستعرج عليها باكراً لتأخذها بسيارتها و تفتحا المحل وتتمما على النواقص تحهيزاً لليلة الافتتاح الموعودة.

جلست ريما في سيارتها تضرب على مقود السيارة برؤوس أصابعها وهي تدندن ألحان أغنية أجنبية تحفظها، لم يتجاوز الوقت الآن السابعة والنصف صباحا بقليل، وهو وقت دوام المدارس.

لاحت منها نظرة ناحية سيدة ما تقود طفلة صغيرة بيدها، كانت الطفلة ذات الخصلات الشقراء عبارة عن ملاكٍ خالص ربما لم تتجاوز الخمس سنوات بعد، بدت المرأة التي كانت برفقتها غاضبة وهي تتفحص حقيبة الطفلة، تمتمت ببضع كلمات بتزمّت قبل أن تتحرك تاركةً الصغيرة لتجلس على حافة الرصيف، فيما اتجهت مربيتها إلى أحد المباني، خرجت إيمان من المبنى المجاور له ، ووقفت لثوانٍ حتى تعدل من هيئة بنطالها الجينز حيث مسحت عليه كأنها تتخلص من بعض الغبار.

أشفقت ريما على منظر الطفلة خاصة أنها زمّت فمها وبدت كمن يوشك على البكاء، فترجلت من سيارتها متجهةً إليها، اعتقدت إيمان في البداية أن ريما قادمة اليها، رفعت يدها وكادت أن تشير إليها، لكنها فوجئت عندما اتجهت ريما إلى طفلة جارها أيمن.

وقفت ريما قريباً منها لتراها تكفكف دموعها الألماسية بأصابعها الصغيرة بعد أن وبختها مربيتها،
حدّثتها بصوتها الرقيق: مرحبا؟؟

رفعت ريما الصغيرة رأسها إلى مُحدّثتها فأجابتها بتهذيب شابته غصة البكاء: مرحبا سيدتي.
لاحظت ريما أن لغة الطفلة عربية غير سليمة، شعرت بخفقة قوية تضربها حينما رأت عينا الطفلة الخضراء، تلك العينان؟؟؟ تشعر بأنها قد رأتهما من قبل لكنها لا تذكر أين بالضبط؟

انتبهت لنفسها فرسمت ابتسامة جذابة على ثغرها وهي تجلس إلى جانب الصغيرة على الرصيف، ثم قالت برقة: هل لي أن أعرف لمَ تبكي هذه الأميرة الصغيرة؟؟

زمت الصغيرة شفتيها بطفولية وهي تتمتم: لا يجب أن أتحدث معك، فأبي أخبرني ألا أتحدث مع الغرباء.
تبسمت الأخرى على حديثها ،فقامت من مكانها لتتجه إلى سيارتها القريبة ، أخرجت حقيبتها من الكرسي الخلفي ثم عادت إلى جوار ريما الصغيرة ، أخرجت بطاقتها الشخصية لترفعها أمام الطفلة لتقول: انا لستُ بغريبة أترين؟؟ اسمي ريما الرسام.

تطلعت الطفلة إلى بطاقة الهوية واستطاعت تهجئة أحرف الاسم بصعوبة، ابتسمت بلطافة وهي تجيبها: وأنا اسمي ريما أيضا.

رفعت حاجبيها بدهشة وهي تضحك بخفوت، ولم تنتبه لإيمان التي كانت تراقب مايحدث بعين الفضول، تعلم أن ريما لم ترزق بأطفال رغم أنها تزوجت منذ زمن طويل، إلا أنها لا تعلم السبب،بقيت تقف في الزاوية بانتظار ما يحدث بين تلكم الغزالتين.

....................................................... ...............

كان أيمن قد وصل إلى مكتبه باكراً جدا بسبب اجتماع طارئ مع شريكه الجديد، لبث في المكتب قليلا حتى قدم مجد ،جلس الأخير على الكرسي بعد أن حيّاه ليتسائل: إذاً أيمن، ماسبب اجتماعنا اليوم باكرا هكذا؟؟؟

تحدث أيمن فيما هو يبحث عن شيءٍ ما بين اوراقه: ستصل اليوم أولى شحنات المعلبات التي ابتعناها منذ ثلاثة ايام وستقسم على دفعتين، ساتولى الاشراف على احداها، فيما ستستلم انت أمر الأخرى .

ضرب سطح مكتبخ بخفة وهو يمتم بأمر ما لم تتبينه ، عقد حاجبيه بتفكر في محاولة تذكر أين وضع أوراق تخليص الشحنة القادمة مساء.

سأله مجد حين توسم الغرابة في تصرفاته؛ ماالأمر أي هل اضعت شيئا ما؟؟؟.
ابتسم أيمن بتوتر مجيبا: إنها أوراق الشحنة....
بتر حديثه عندما تذكر فصاح مسرعاً: نعم تذكرت، لقد.اخذتها معي أمس إلى المنزل ولربما نسيتها هناك.

وقف من فوره ليحدث شريكه ،بينما يده تلملم متعلقاته من مفاتيح : اسمع مجد سأذهب لإحضارها، لن أتأخر.

خرج بعدها مسرعا باتجاه منزله، دون التفكير فيما سيجده هناك.

.................................

في هذه الاثناء كانت الريمتان قد اندمجتا في حديث ودي هادئ، نظراً لطباع كلتيهماا الهادئة، بينما إيمان تراقب مايحدث بينهما بشخوص مذهول ، تشعر بالشفقة على ريما ،ترى ماسبب عدم إنجابها إلى حد الآن؟؟؟؟

سؤال طرحه عقلها وكانت تبحث عن إجابة له ،وهي ترى طريقة تعاملها اللطيفة مع ابنة جارها أيمن.

سألت ريما: ماذا تريدين أن تصبحي في المستقبل؟؟؟
اجابتها الصغيرة بنبرة بريئة: انا أحب الرسم، واود ان اصبح مصممة ازياء .
اتسعت ابتسامتها عندما سمعت جوابها فأضافت: أتعلمين أنني مصممة أزياء انا ايضا.

صفقت الطفلة بيديها بكل براءة وهي تضحك بطفولية محببة، مدّت ريما يدها لتخرج من حقيبتها بضعة رسومات لتصاميم لها، قدمتها إلى الصغيرة متحدثة بنعومة: هذه التصاميم كنت قد رسمتها انا سابقا، بإمكانك أن تتعلمي منها لو أحببتِ.

أخذتها الطفلة بلهفة، ابتسمت ريما لفرا وكادت أن تغلق حقيبتها،حينما وقعت عيناها على الكرة البلورية، اخرجتها بتردد ثم اعطتها هي الأخرى لريما الصغيرة ،مضيفة بنبرة شابها الحزن: وهذه هدية لك.

تطلعت إليها الصغيرة بتردد ،لكن ريما أومأت لها بابتسامة مشجعة فأخذتها الصغيرة ،و بدأت تقلبها بين يديها ليتحرك الثلج فوق الكوخ الخشبي فتضحك بسعادة، وريما تطالعها وشعور تولّد داخلها، أو ربما هو موجود منذ الأزل داخل كل امرأة، إحساس بالامومة.

...............................................

نزلت المربية السمينة الخاصة بالطفلة ريما وقد أحضرت معها صندوق الغداء الذي سبق وحضرته ، لكنها نسيت أن تضعه في حقيبة الصغيرة.

شاهدتها تجلس مع إحداهن فعقدت حاحبيها بتساؤل، كادت أن تحثّ الخطى إليها لكن صباح إيمان بخفوت أوقفها عما انتوت فعله، اقتربت منها الأخيرة لتخبرها بأن تلك السيدة هي مديرتها في العمل، شعرت ببعض الاطمئنان ثم توقفت لتتجاذب أطراف الحديث معها، حول رعاية طفلة بلا والدة ومصاعب ذلك ، خاصة وأن الصغيرة لم تتقن العربية بشكل جيد.

تزامن ذلك كله مع وصول ايمن إلى الحي، قطب جبينه وهو يترجل من السيارة ،شاهد ابنته ترتدي ملابس المدرسة وتجلس على الرصيف بانتظار الباص المدرسي المتأخر أصلا.

حاول أيمن معرفة تلك السيدة التي تجلس ىبجزار الطفلة لكنه لم يتبين ملامحها جيدا ،فقد كانت توليه ظهرها.

تقدم بضع خطوات لكنه توقف فجأة، أنبأه خافقه بأمر مريب اتجاه تلك السيدة، شعر أنه يراها ويعرفها، لكنه لم يعرف أنها أقرب إليه من حبل الوريد.

تمالك نفسه ليصدح صوته منادياً على ريما ابنته: ريما،،،؟
أمالت الطفلة جسدها لتنظر إلى أبيها من خلف جسد الأخرى ثم صاحت بسعادة: دادي؟؟

هل توقف فؤادها؟؟

أم أن الزمن من توقف؟؟؟

أو ربما هي الحياة نفسها قد انتهت أخيراً؟؟؟؟

أي من تلك الاحتمالات كان ليكون أهون ألف مرة عليها من الاحتمال الرابع، والذي هي متأكدة منه حدّ اليقين، ذلك الصوت وتلك النبرة المميزة عندما كان ينادي باسمها ،لن تستطيع نسيانها ولو عاشت ألف مرة.

تجمدت عيناها على عيني الطفلة الصغيرة لتكتشف أنها كانت طول الوقت تنظر إلى عينيّ أيمن ذاتهما، صعد صدرها وهبط باضطراب جلي وهي تراقب شفتي ريما الصغيرة دون أن تسمع من حديثها حرفاً، ترى هل فقدت حاسة السمع فجأة؟؟ ياليتها تفعل !!! لأهون عليها من أن تسمع منه حرفاً.

استدارت ببطء حتى تلاقت نظراتهما، عقد حاجبيه وتوسعت عيناه ،تسارعت أنفاسه بغضب ممزوج بدهشة، لقد كانت هي !!
معذبته وسبب جحيمه الأبدي الذي يرقد فيه ، رغم فراق اثنا عشر عاما لكن ملامحها لم تتغير كثيراً، ربما كبرت هي لكن تقاسيم وجهها لم تكبر إلا جمالاً وجلالاً !!!

تلك العينان؟؟
لن يخطئهما أبداً ،وهو الذي لطالما كان غارقاً في نهري عسلها، مشاعر متضاربة ضربت ضلوعه ، حقد ،غضب، كراهية و ..........حب؟؟؟
قطب جبينه أكثر عندما ضربت عقله الكلمة الأخيرة، لا مستحيل، فهو لم يعد ذاك المراهق المغفل المخدوع.

أعادت نظرها إلى الصغيرة من جديد، بللت شفتيها وازدردت ريقها الناشف بجزع ،حاولت ضبط تنفسها ثم اختلقت بسمة فاترة وهي تستقيم من مكانها بهدوء، وقعت عيناها على إيمان التي انتبهت لتوها لقدوم أيمن، فودعت المربية وهرولت ناحية مديرتها ، كذلك المربية تتبعتها لتصل إلى الطفلة بدورها.

تنفست ريما بعمق وأجبرت قدماها على الاستدارة والتحرك لتصل لسيارتها، حاولت ألا تنظر نحوه لكنّ مقلتيها المشتاقة لم تطعها، تلاقت عسليتيها بخضراوتيه فقرأت الشرر واضحاً فيهما، تمنت لحظتها لو أنها عُميت قبل أن ترى نظراته تلك !!!

حاولت رغم هذا كله رسمت اللامبالاة وجهها وقد نجحت بمشقة، سارت بخطوات ثابتة تُحسد عليها حتى وصلت إلى سيارتها فاستقلتها، كانت إيمان وقتها تمرّ بجانب أيمن وهي تلقي عليه التحية ، لكنه ظلّ واجماً دون ردّ ،يطالع سراب ريما الجالس بجانب ابنته على الرصيف ، كوّر قبضته وضغط عليها بقسوة حتى نفرت عروقه من جانبي رقبته.

ماإن استقلت إيمان بجانبها حتى أدارت محركها ، لاحت منها نظرة أخيرة نحوه ،رغم أنها لم تكن ترى ملامحه في الحقيقة ،لكنها تجزم الآن ،أنها تحمل كل الكراهية في العالم في طياتها.

.......................................................................

يتبع.


google-playkhamsatmostaqltradent