recent
روايات مكتبة حواء

رواية ذئب يوسف الفصل العاشر 10 بقلم زكية محمد

رواية ذئب يوسف الفصل العاشر 10 بقلم زكية محمد 

 ذئب يوسف

الفصل العاشر
بقلم زكية محمد
ظل طيلة الوقت الغافية فيه يراقب كل تفصيلة فيها دون كلل ، تلك الغائبة التي ستعوضه رحيل الأخرى و ستدخل الفرح لجدران قلبه المعتمة .
شعر بها تتململ دليل على استيقاظها فأخذ يطالعها بحماس ، وهو يرتب كلماته التي سيخبرها إياها .
فتحت عينيها بضعف ، و أخذت تجول بأنظارها في المكان ، فوجدت نفسها بغرفة عصرية حديثة ، أخذت تطالعها بإنبهار شديد ، فجلست نصف جلسة ، تدرس كل تفصيلة بها ، غافلة تماماً عن ذلك الذي يود زرعها بين أضلعه ولا يتركها أبداً .
بدأت تتساءل بداخلها عن هوية ذلك المكان ، ومن قام باحضارها إلى هنا ؟!
وقع بصرها على والدها الممدد بجوارها ، فأطلقت صرخة عالية ، و قفزت من مكانها بذعر قائلة بخوف و تلعثم :- أنت.... أنت مين ؟
ابتسم لها بوجع قائلاً :- مش عرفاني يا حبيبتي !مش فكراني ؟!
هزت رأسها بنفي قائلة بذعر :- لا أنا مش عرفاك .... أنا... أنا عاوزة أروح ..روحوني.. أنتوا عاوزين مني إيه ؟
أردف بحنو و دموع علقت بعينيه :- أنا باباكي يا رحيق ، باباكي يا حبيبتي ، تعالي قربي مني نفسي أحضنك و أشبع منك .
نظرت له بصدمة قائلة :- أنت .... أنت أبويا ؟
أومأ بتأكيد قائلاً بلهفة :- أيوة يا قلبي أنا أبوكي يا رحيق ، أبوكي اللي هيموت عليكي كل السنين اللي فاتت كلها و يشوفك .
نظرت له بتهكم قائلة :- والله ! كنت فين السنين دي كلها و أمي بتموت ، وأنا اللي الدنيا بتلطش فيا ، دلوقتي جاي تقولي أبوكي ! أنا عاوزة أمشي، مش هقعد هنا أبداً ، أنت فاهم ؟
وما إن همت لتغادر الغرفة ، أردف بوجع و توسل :- يا بنتي تعالي بس كلميني ربنا يهديكي أنا مش قادر أقوم .
أردفت بتهكم قاس :- ليه مش قادر تقوم ؟! رجليك منملة !
هز رأسه قائلاً بوجع :- لا علشان مشلول يا بنتي ، أنا لو بقدر أمشي كنت قومت حضنتك و مخلتكيش تفارقيني أبداً .
أردفت بتلعثم :- ممشلول!
هز رأسه قائلاً بابتسامة عريضة :- أيوة يا بنتي مشلول ، قربي مني بلاش تتعبيني .
رق قلبها له حينما رأت نظراته المتوسلة لها ، و سارت بخطوات مرتجفة ناحيته ، و جلست على استحياء بالقرب منه ، فابتسم لها بحب قائلاً :- بتبصي للأرض ليه ، مش عاوزة تشوفيني ولا تحضنيني ؟! تعرفي أنا بقالي ثلاث ساعات ببص عليكي وأنتِ نايمة بحفظ ملامحك جوة قلبي ، و أنا طاير من السعادة إني أخيراً لقيتك .
ثم فتح ذراعيه لها قائلاً برجاء :- ممكن أحضنك يا بنتي ؟
شعرت بالذنب ينهش أعماقها من ترجي والدها لها بهذه الطريقة ، فأومأت برأسها بسرعة ، و اندفعت نحوه كالقذيفة لتستقر بين ذراعيه ، احتضنته بقوة وكم شعرت بالدفئ ، وكأنها تملك العالم وحدها ، و سرعان ما شقت دموعها مجراها .
أخذ يقبل رأسها بلهفة و ندم قائلاً :- سامحيني يا بنتي، سامحيني . ليكي حق تكرهيني بس والله دورت عليكم كتير ملقتكمش ..
قاطعته قائلة بلهفة :- أنا... أنا مش بكرهك يا بابا .
ابتسم لها بحب قائلاً بحنين :- يااااه من زمان ما سمعتهاش منك يا نور عيني ، آخر مرة شوفتك فيها كنتي عيلة بضفاير أربع سنين قبل ما تختفوا أنتِ و مامتك .
قطبت جبينها بتعجب قائلة :- نختفي ! أنا مش فاهمة حاجة خالص .
أردف بحيرة هو الآخر :- ولا أنا يا بنتي ! في حلقة ضايعة في النص ، بس مش مهم أهم حاجة إنك معايا و جنبي من تاني ، أنا مش هسيبك أبداً و هعوضك عن كل حاجة ، بس أنتِ سامحيني و أديني فرصة .
أردفت بابتسامة عريضة :- بس أنا مسمحاك يا بابا ! بس متضايقة منك إزاي تنسى ماما و تتجوز عليها و تخلف ، أنا افتكر إنها كانت بتحبك أوي و فاكرة كلامها ليا ، هي ما تستاهلش أبداً كدة !
سحب نفساً طويلاً قائلاً :- دة موضوع طويل مش وقته ، خليني أشبع منك الأول .
أردفت برجاء :- لا قولي دلوقتي .
تنهد بعمق قائلاً :- ماشي يا ستي ، أولاً أنا اتجوزت أم شادي الأول مش العكس .
شهقت بصدمة قائلة :- ها ! يعني ماما مراتك التانية ؟
أومأ بتأكيد :- أيوة ، بس لولا الظروف كانت هتبقى هي الأولى و الأخيرة . زمان يا بنتي أتحديت أبويا و أمي والكل علشان أتجوزها بس هما وقفوا في طريقي ، أمي طبعاً كانت مختارة ليا عروسة من الوسط المخملي تشرفها قدام الهوانم بتوعها ، ولما عارضتهم مش قادر أوصفلك عملوا إيه علشان يمنعوني .
نظرت له بفضول قائلة :- عملوا إيه ؟
ابتسم بخفوت عليها قائلاً بوجع :- بلاش أقولك أنتِ أبرأ من إني أقولك حاجة زي دي ، المهم اضطريت أتجوزها و بعدها بمدة خلفت شادي ، مكنتش عايش من غيرها جسم من غيرها روح ، مقدرتش أعيش من غيرها روحت أتجوزتها وسكنت معاها في شقة لوحدنا بعدما أترجيت أبوها يوافق ، عشت معاها أجمل خمس سنين في عمري كله ، راحت ومش هلاقي زيها تاني لحد ما في مرة روحت لقيتها اختفت بيكي من غير ما أعرف ليه !
ومن وقتها وأنا بدور عليكم زي المجنون ، و مرت سنة ورا سنة وأنا ما اعرفش عنكم حاجة ، لحد ما في مرة كنت سايق ومش واخد بالي فعملت حادثة و اتشليت بسببها زي ما أنتِ شايفة .
أدمعت عيناها بحزن عليه قائلة :- أنا آسفة يا بابا والله ما كنت أعرف .
مسح عبراتها بحنان قائلاً :- ما تتأسفيش يا حبيبة بابا ، أنتِ مش عارفة دلوقتي أنا فرحان قد إيه ، حاسس بجزء من روحي رجعتلي تاني ، و دة كفاية عليا أعيش بيه اللي باقيلي .
قبلت يده بحب قائلة :- بعد الشر يا بابا ، دة أنا ما صدقت ما بقالي أب ، بس يا بابا هو مين جابني هنا ؟! أنا آخر حاجة فكراها إني كنت ماشية في الشارع وفجأة حسيت بحد بيكممني بمنديل و أغمى عليا بعدها .
ضحك بصخب على ذلك الأبله قائلاً :- دة واحد مجنون أعذريه ، شادي أخوكي ..
جعدت أنفها بضيق قائلة :- البارد قليل الأدب ! ثم أردفت بتدارك :- قصدي يعني في الأول مكنتش فاكرة أنه أخويا وكدة .
ابتسم بحنو قائلاً :- دة بيحبك أوي وكان بيجي معايا ساعات ويشوفك ويلعب معاكي ، بش شكلك كدة فقدتي الذاكرة .
أردفت بحرج :- شكله كدة لأن مش فاكرة ، يمكن علشان كنت صغيرة وقتها ، بس دة ما يمنعش أنه مجنون في حد يعمل كدة !
ضحك بخفوت قائلاً :- لا دة طاقة منه ، بس وقت الجد بيبقى راجل و يعتمد عليه ، دة لما عرف إنك لسة عايشة كان هيموت من الفرحة ، أحلى حاجة فيه أنه واخد مني مش من والدته .
أردفت بود :- طيب و أختي ؟ هو قالي أن عندي أخت برده .
ربت على يدها بحنان قائلاً :- أيوة أختك شيري هي أصغر منك بسنة لسة في الجامعة بتدرس ..
صمت قليلاً ليردف بحذر :- رحيق ! في شوية حجات عاوزك تعرفيها هنا ، و مش عاوزك تقلقي أنا هقف معاكي وفي ضهرك .
أردفت بقلق :- حجات إيه دي يا بابا ؟
ضيق عينيه قائلاً بحذر شديد :- بصي هنا هتلاقي البلد مقسومة نصين ، بمعنى أوضح في ناس هتتقبلك وناس لا ، الناس اللي هتتقبلك هما عمك ومراته و مراد عادي الأمر سيان بالنسباله و ضيفي عليهم شادي كمان أما بالنسبة للباقي ..
قاطعته قائلة :- مش مرحبين بوجودي ومش طايقني ، مش كدة ؟
هز رأسه بأسف ، بينما استرسلت هي بهدوء :- بس أنا أقدر أعيش مع مدام سندس ، و هبقى أجي أشوفك كل يوم ، مش عاوزة أسبب لحضرتك مشاكل ، ولا حتى للموجودين هنا .
أردف بعتاب :- تعيشي في مكان تاني و أبوكي لسة على وش الدنيا ! اسمعي يا رحيق مش بعد ما لقيتك تقوليلي إيه ومش عارف إيه ، أنتِ هتقعدي هنا غصب عن الكل ، و لو حد ضايقك أنا اللي هقفله .
أردفت باعتراض :- بس يا بابا ...
قاطعها بصرامة قائلاً :- مفيش بس ، كلامي بس اللي يتسمع ، مفهوم ؟
هزت كتفيها باستسلام قائلة :- حاضر يا بابا ..ثم تابعت بشراسة :- بس مش هسكت لحد يهيني هنا علشان تبقى عارف .
ضحك بصخب قائلاً :- أيوة هو دة اللي عاوزه منك ، عاوزك قوية علشان تقدري تواجهيهم كلهم ، تعالي بقى أحكيلي عنك طول السنين دي بالتفصيل الممل ، مش عاوزك تفوتي حاجة مهما كانت تافهة .
_______\\\\\\\\\\\ بقلم زكية محمد//////////////____
بعد أسبوع كانت تضع الأطباق على الطاولة بعنف و غيظ شديدين ، بينما أخذ هو يتابعها بابتسامة مكبوتة ، و يتمعن بدقة لوجنتيها اللتان اصطبغتا بلون الدماء ، و شرد في ما حدث منذ أسبوع .
عودة للزمن للخلف ، أصابته الصدمة حينما رأى جسدها متراخي بين يديه فأردف بتذمر وهو يتطلع للصغير الذي يتابعهم ببراءة :- على النعمة أمك دي ما تنفع ياض يا ميدو طبت من أول كلمة وهبلة ما شاء الله بتصدق كل حاجة ! ثم أخذ يضربها برفق على وجنتيها قائلاً :- مريم ...مريم فوقي الله يخربيت اللي يهزر معاكي .
وبعد عدة محاولات فتحت عينيها ، وما إن وجدته قريب منها بهذا الشكل زجته بخجل شديد ، و سرعان ما أدمعت عيناها قائلة بخفوت :- أنت بتضحك عليا صح ؟ قولي اه بالله عليك ، أنا.... أنا معملتش كدة ..
أردف بضحك :- طبعاً مش صح ، أنا بس بشتغلك .
اتسعت عيناها بذهول ، و سرعان ما فارت الدماء بعروقها ، و انهالت عليه تضربه في صدره بكل ما أوتيت من قوة متناسبة لكل شئ ، وهي تردف ببكاء :- يا بارد ..يا تنح.... أنت معندكش دم ..
احكم قبضتيها بقبضتيه القوية قائلاً بضحك :- بس يا هبلة ..بس يا بابا .
صرخت بتذمر :- أنا مش هبلة وسيب أيدي يا بارد .
هتف الصغير بعدائية مدافعاً عن والدته :- ثيب ماما يا إثلام ، أنت وحش و هقول لجدي موثى .
رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- ابن أمك بصحيح ! كدة يا ميدو تبيع عمك بردو ! أنا بلعب مع ماما يا حبيبي زي ما بلعب معاك ، يلا روح استخبى علشان الدور الجاي عليك .
ركض الصغير ينفذ طلب عمه ، بينما هتفت هي بتذمر وهي تحاول الفكاك من صغاره :- سيبني بقى الله !
تركها و رفع يديه باستسلام:- خلاص أهو بس أهدي .
أردفت بانفعال :- يا برودك هو بعد كلامك دة عاوزني أهدى !
ضيق عينيه قائلاً بخبث :- أنتِ اللي ساذجة و بتصدقي أي حاجة ، و بعدين رد فعلك كانت بتدل على حاجة واحدة بس ...
صمت قليلاً ليغمز لها بعينه قائلاً بعبث :- إنك خايفة لتفضحي اللي جواكي قدامي .
دق قلبها بعنف قائلة بتلعثم :-أاا.... أنت بتقول إيه ؟ لا طبعاً دة متهيألك ..
ثم استرسلت بغضب لتخفي ذلك الاضطراب بداخلها :- وبعدين يا ريت تلتزم بإتفاقك وتطلع برة .
أردف بفحيح :؛ مش معنى إني ساكتلك من الصبح تقومي تعلي صوتك عليا ، للمرة الأخيرة هحذرك ، وهطلع برة قال يعني طالع من الجنة !
ثم أردف بتهكم قاصداً منه أن يضع حداً بينهم ، حتى لا تأخذه جوارحه إلى منعطف لا يريد أن يصل إليه بتاتاً :- أوعي تفكري إني نسيت اللي حصل وهتعامل معاكي عادي ، فياريت أنتِ اللي متتخطيش حدودك و تخلي عقلك يصورلك حجات مش هتحصل أصلاً.
ألقى بكلماته و غادر ، ولم يعبأ بالشرخ الذي أحدثه بداخلها . لمعت دموعها سريعاً بعينيها سرعان ما محتهم بعنف قائلة بغضب وقهر :- لا ...لا مش هعيط تاني كفاية ...كفاية .. أنا و الوجع بقينا صحاب يعني لا جديد علينا يزود جرح ولا ينقصه ، أيوة مش هعيط
ثم أردفت بوعيد :- ماشي يا إسلام أنا هوريك و هندمك على اللي قلته دة كويس أوي
عودة للوقت الحالي و منذ ذلك الوقت وهي تحاول أن تتجنب الحديث معه ، و تتعامل معه في أضيق الحدود ، و هذا ما زاده غيظاً، ولكن هي محقة في ذلك بالأخير .
هتف بمرح وهو يرى ألسنة اللهب تتصاعد منها :- يا ساتر يارب على النار اللي طالعة دي ! عاوزين خرطوم يا ميدو ونطفي الحريقة .
هتف الصغير ببراءة :- فينها يا إثلام ؟
أردف بعبث :- طالعة من ماما حتى شوف .
ضيقت عينيها وهي تصوب له سهاماً حارقة تكاد تفتك به ، بينما أردف الصغير بتعجب :- فين النار يا إثلام ؟ أنت مش بتشوف !
انفلتت منها ضحكة صاخبة على كلمات الصغير وهتفت بتأكيد :- أيوة يا ميدو ما بيشوفش نبقى نوديه للدكتور و نكسب فيه ثواب .
أردف بغيظ :- اتفقتوا عليا يعني ! طيب هاتي العيش دة خليني أكل لقمة و أقوم أنزل الشغل .
أردف أحمد بلهفة :- وأنا يا عمو إثلام عاوز أروح معاك .
ضحك بصخب قائلاً :- بتبقى مؤدب أوي عند مصلحتك ، ماشي يا حبيب عمو ، يلا خلص فطارك الأول.
بعد تناولهم لوجبة الإفطار ، نهض إسلام قائلاً بهدوء :- يلا يا ميدو ، بس استنى الأول عاوزين نصالح ماما أصلها زعلانة مني .
فكر قليلاً ثم أردف ببراءة :- جبلها حلاوة كتير و بوثة هنا .
قال جملته الأخيرة وهو يشير لوجنته ، بينما اتسعت عينا مريم بصدمة ، فأردف إسلام بخبث :- ماشي يا ميدو دلوقتي مفيش حلاوة نجيب لما ننزل ، بس البوسة مقدور عليها .
قالها وهو يغمز لها بعبث ، بينما أخذت تطالعه بذهول وكأن على رأسها الطير ، و تحول وجهها لمحصول فراولة شهي يذهب بالعقول .
شهقت بقوة ، و تراجعت للخلف عندما وجدته يميل ناحيتها فأردف بعبث :- إيه أثبتي أنا بنفذ نصيحة ابنك .
خرجت حروفها المتقطعة بصعوبة :- أااا... أنت هتعمل ايه ؟ أبعد يا قليل الأدب !
طبع قبلة سريعة على وجنتها ، خطفت أنفاسها، و شعرت بدوار عنيف أجتاحها بضراوة ، وبدأت تتنفس بثقل .
أردف بقلق :- إيه ؟ هتفيصي تاني ولا إيه ؟ لا أهدي كدة واتنفسي واحدة واحدة ...
بدأت تنفذ تعليماته حتى عادت أنفاسها لطبيعتها ، وانصرفت للداخل تختبئ من تلك المشاعر حتى لا تظهر أمامه و يفتضح أمرها ..
_____________________________________
ليلاً تجلس على إحدى الأرائك بالحديقة الشاسعة المساحة الخاصة بالقصر ، متخذة مكان بمفردها بعيداً عن هؤلاء الذين تشعر بالغربة معهم ، على الرغم من أنهم جزء منها وهي كذلك .
أتذرف الدموع و تنعي حظها العثر ؟ لا لا هذا ليس خياراً متواجداً في قاموسها .
زفرت بضيق بسبب كومة الأوراق التي أمامها ، و التي تخطط فيها ببعض الكلمات . أخذت تبعثر في الأوراق بشكل عشوائي قائلة بتذمر :- و بعدين بقى هتصرف مع شوية الحوش دول لوحدي إزاي ؟
ثم مسكت ورقة لتقرأ ما بداخلها قائلة :- الحرباية ناريمان هتصرف معاها إزاي ! والحجة اللي مش عاوزة تكبر دي بردو ؟ البت شيري مقدور عليها ، إنما دول عاوزين تكنيك عالي نحطهم على جنب و ناجي للي اسمه جدي دة اللي كل ما يشوفني ضغطه بيعلى .
ضحكت بخفة قائلة بإطراء لذاتها :- بس كويس من يومي حرقاهم يا بت رحيق . ثم صرخت بحماس قائلة :- اه لقيتها أنا عرفت هعمل إيه ، أنا هطفشهم هخليهم يقولوا حقي برقبتي ، ماشي استنوا عليا بس .
ثم أردفت بتذمر :- مطلعتوش للست السكرة مرات عمي دي ليه ، ولا عمي ربنا يباركلهم ، اللي غايظني البارد عليه برود يطفش قارة بحالها ، اه يا عيلة بنت تيت بصحيح .
ثم راحت تتأمل ذلك الفناء الواسع قائلة بغل :- و قاعدين في الهلمة دي كلها يا كفرة والناس قاعدة فوق بعض في الحارة ، هتروحوا من ربنا فين يا ظلمة ؟!
- الله يحرقك ! وأنا أقول ليه من الصبح كل حاجة مش مظبوطة أتاري سيادتك بتنقي علينا !
صرخت بفزع قائلة بحدة :- إيه الهمجية دي ؟! مش تكح ولا تقول احم ولا دستور !
قطب جبينه قائلاً بعدم فهم :- يعني إيه اللي قولتيه دة ؟
مطت شفتيها بسخرية قائلة :- دي حجات صعب عليكم يا بتوع دادي و مامي تفهموها .
ضربها برفق على مؤخرة رأسها قائلاً بضحك :- يا بت لمي لسانك و احترمي أخوكي اللي أكبر منك .
أردفت بتذمر :- إيدك تقيلة يا شادي الله !
أردف بضحك :- حقك عليا يا ستي ، ها بتعملي إيه وقاعدة تقري ليه ؟ بتحسدينا يا رورو !
أردفت بحرج :- أنت سمعت !
ضحك بصخب قائلاً :- كله ...كله ..
شهقت بصدمة قائلة :- ها ! طيب استر عليا ربنا يستر عليك .
جعد أنفه بتعجب قائلاً :- أستر عليكي ! هو أنا قافشك في شقة مفروشة ! أنتِ هبلة يا بت !
زمت شفتيها بضيق قائلة :- يا عم يعني داري عليا و متقولش لحد .
غمز بمكر قائلاً :- متقلقيش سرك في بير يا كبيرة ، وايه الورق دة ؟
أخذ ينظر فيه بدقة قائلاً بدهشة :- يا شيطانة بتخططي لإيه ، لا أنا كدة هخاف منك .
أردفت بابتسامة بلهاء :- لا متقلقش أنت برة القايمة .
تنهد براحة قائلاً :- الحمد لله، يعني أنا براها !
أطلق ضحكاته العالية حينما قرأ ما تلقب به كل شخصية قائلاً :- حرباية ، أم قويق ، الحجة سلوى ، أبو شنب مترين ، الفريزر ! هههههه اه لو سمعك الفريزر يبقى أقري على روحك الفاتحة ، الأحسن تولعي في الورق دة كله .
أردفت باعتراض :- لا دة تعبي من اول ما قعدت ، أنت عاوز تضيع تعبي على فشوش ، أنا هطلع بيه فوق و أحطه في أوضتي ولا من شاف ولا من دري.
ابتسم لها بحب قائلاً :- قاعدة لوحدك ليه ؟
تنهدت بثقل قائلة :- كدة مرتاحة أكتر ، مش عاوزة اسمع حاجة منهم توجعني ، أنا قاعدة هنا علشان بابا و علشان ما اكسرش بخاطره .
عارف يا شادي ! أنا لو أبويا كان واحد عادي ساكن في حارة و في حب و دفى في البيت صدقني أحسن بكتير من هنا ، هنا في مظاهر و استعراض مين الأحسن ، بس الدفى و الرضا مكانهم مش هنا ، مكانهم وسط قلوب ناس طيبة مش جواها شر ولا غل وعلى إيه ما إحنا كلنا هنمشي في الآخر ، فقير غني كله هيدخل بورة ضيقة ومش هياخد حاجة معاه ، لازمتها إيه أكره ، أخطط علشان أذي غيري ، والله مش مستاهلة أبداً .
نظر لها قائلاً بإعجاب من طريقة تفكيرها ، و بشئ من المرح لكي يخفف عنها :- إيه دة أنتِ طلع عندك مخ و بتقولي كلام حكم أهو .
ضيقت عينيها قائلة بغيظ :- تقصد إيه إن مش عندي عقل ؟
هز رأسه قائلاً بمرح :- أيوة مفيش عقل خالص .
ضيقت عينيها بوعيد وهي تشمر ساعديها قائلة بغل :- ماشي يبقى أنا مجنونة ، أنت اللي جبته لنفسك ..
قالت كلماتها الأخيرة ، ثم انقضت عليه تضربه بغضب ، و حينما وجدته يضحك وأن قبضتها لم تؤثر فيه ، قامت بدفعه فسقط أرضاً بعدما اختل توازنه ، ولم تعطيه الفرصة حينما غرست أسنانها الحادة بذراعه ، فأطلق صيحة متألمة قائلاً :- بس خلاص يا زفتة ، أبو اللي يهزر معاكي يا شيخة ، يا بت كفاية مش عاوز أزعلك .
تركت ذراعه قائلة بشراسة :- لا زعلني أنا عاوزاك تزعلني !
هز رأسه بوعيد قائلاً :- كدة ! يبقى أنتِ اللي جبتيه لنفسك . لم تستوعب كلماته ، إذ قام بقلب الوضع لتصبح هي مطروحة أرضاً ، ثم انهال عليها يدغدغ بطنها ، و هي تتلوى وتطلق ضحكاتها الرنانة وبعض الصرخات الحادة تنهره فيها بأن يتوقف .
- إيه اللي بيحصل هنا دة ؟!
توقف الإثنان فوراً عند سماعهم لهذا الصوت الجامد ، فاعتدلت هي على الفور بحرج ، و هتفت بغيظ بداخلها :- وايه اللي جاب الفريزر دة عندنا ؟!
نهض شادي قائلاً بمرح :- زي ما أنت شايف أخ وأخت بيهزروا مع بعض .
رفع حاجبه قائلاً بجمود :- أظن البيت دة محترم وانتوا مش صغيرين على حركات الأطفال دي !
هتفت باندفاع :- تقصد إيه يا جدع أنت؟ يعني ايه البيت محترم ، هو أنت شايفنا بنشرب منكر !
لم يعطيها اهتمام ، و أردف ببرود :- يا ريت يا شادي تعلم أختك قواعد البيت و أصوله ، و ياريت إن أمكن تجبلها خبيرة أتيكيت تعلمها الكلام كويس .
قال ذلك ثم انصرف للداخل ، بينما صاحت هي بصوت مسموع :- مين دي يا عمر اللي تعلمها الكلام كويس ؟ كلمني هنا أما إنك فريزر بصحيح ، خد ياض....اممممممم
لم تكمل حديثها عندما كمم شادي ثغرها قائلاً بضحك خافت :- خلاص الله يحرقك بدل ما يورينا الوش التاني .
أبعدت يده قائلة بضيق وحنق :- هو فاكر نفسه مين يعني ؟ دة أنا رحيق اللي علمت على شباب الحارة هيجي دة يستقل بيا ! لا وألف لا .
أردف بمهاودة :- بقولك إيه ما تيجي ندخل جوة وتروحي أوضتك و تخططي في الورق بتاعك !
هزت رأسها بتذكر قائلة :- اه صح فكرتني ، ماشي هروح علشان أقعد أمخمخ مع نفسي .
لملمت أوراقها ودلفت للداخل ، بينما ضحك هو عليها قائلاً :- والله مجنونة ! بقلم زكية محمد
_____________________________________
في صبيحة اليوم التالي نزل لمحل عمله كعادته ، بينما شعرت هي بالضجر ، فمنذ تلك الواقعة وهي حبيسة المنزل ولو خرجت للخارج سيتم قتلها هذه المرة .
عبست ملامحها الجميلة بحزن لمقاطعة والدها و شقيقها إياها، وعلام ؟ على من لا يستحق ! .
ابتسمت بوجع على سذاجتها ، وأنها أوقعت نفسها في مشكلة عويصة ، يا ليتها ما ذهبت ، ولكن مهما ندمت فلن ينفع الندم بعد ذلة القدم .
تنهدت بوجع و قررت أن تصعد لوالدتها في الأعلى، نعم ستتعرض للحديث اللاذع الذي سمعته بالأمس ، ولكنها لن تعطي للأمر أهمية .
نزلت درجات السلم بحذر ، وهي تخشى أن تقابل أحداً يقوم بمضايقتها ، ولكن تسري الرياح بما لا تشتهي السفن ، إذ قابلت تلك المدعوة أسماء التي أظهرت لها وجهاً آخر لم تتوقع يوماً رؤيته ، جزت على أسنانها بغضب تلك المرة فهي لا تضمن نفسها وما ستفعله إن تحدثت عنها بالسوء .
كانت برفقة أحدى السيدات التي كانت تواسيها عندما هتفت :- معلش يا حبيبتي بكرة يجيلك سيد سيده هي الرجالة خلصت ولا أنتِ وحشة ! دة أنتِ قمر وألف مين يتمناكي ..
ثم عبست ملامحها فجأة حينما ظهرت مريم أمامها لتردف بضيق :- يلا ربنا على المفتري و الستات الكهنة اللي تتمحن لحد ما تتمكن ، و أردفت بتأكيد وهي تطالعها بخبث :- أيوة يا خالي ، بنات مش ساهلة أبداً و بتطعن في الضهر من غير هذا ولا حيا ، ربنا يبعدهم عننا و يكفينا شرهم .
نفخت بضيق ، ولم تعيرهن أي اهتمام و أكملت طريقها ، مما أثار غيظ أسماء التي تُلقى عليها بالكلمات السامة حتى تثير غضبها ، ولكن ما تراه يعكس توقعاتها لتردف مجدداً :- أنا مش عارفة ليها عين تمشي وسط الخلق إزاي بعد عملتها دي ! ضحكت عليه و خلته زي الطرطور ماشي وراها.
إلى هنا وكفى ، فلكل شخص طاقة تحمل ، وهي تحملت ما فاق الجبال ، إذ التفت لها فجأة، وقامت بسحبها بقوة صارخة بوجهها بحدة :- سكتالك من الصبح وأنتِ بكل بجاحة عمالة تغلطي فيا ، وأنتِ الغلط راكبك من ساسك لراسك ، حطي في بوقك جزمة قديمة و اسكتي أحسنلك ، سامعة ؟
أردفت الأخرى بغضب وهي تحاول التملص منها :- ابعدي إيديكي دي عني ، واه بتكلم عليكي يا خطافة الرجالة .
اتسعت عيناها بذهول فأردفت بصدمة :- خطافة مين يا عيون طنط ؟ أنتِ ملكيش دعوة عيلة في بعضينا أنتِ مالك ، إيه اللي حشرك بينا ، واه خطفته أرتحتي ؟
أردفت بصوت عال تجمهر عليه بعض السيدات و الفتيات بالعمارة :- شوفوا يا ناس أهو بتعترف بغلطها أهو ، صحيح بجحة و أهلك معرفوش يربوكي .
أحمرت عيناها بغضب حارق قائلة بوعيد :- طيب و ربنا لأوديكي علقة مخدهاش حرامي غسيل علشان تحرمي تقفي تاني في طريقي .
أنهت كلماتها ، و انهالت عليها بالضرب ، و تشد شعرها ، و سقطتا أرضاً سوياً ، وكانت الأخرى تدافع عن نفسها ، و تضربها و تشدها من شعرها الذي سقط عنه الوشاح بفعل الشد و الجذب بينهما ، كأي عراك بين إثنتين .
خرجت سامية والبقية ، لتهتف بصدمة ما إن تبينت وجهها :- يا نهار مش فايت ! دي البت مريم ، طول عمرها عاقلة ايه اللي خلاها تعمل كدة بس !
هتفت توحيدة بضيق :- أكيد اللي ما تتسمى لقحت عليها كلام ، بالله عليكي لتتصلي بإسلام ولا أخوها يجوا يحوشوا الخناقة دي على ما أشوفها .
أومأت بموافقة و توجهت للداخل ، بينما هتفت عواطف بضيق :- ولسة يا ابن بطني ولسة ، أنا مش عارفة إيه الشبكة السودة دى !
بعد دقائق طوى درجات السلم سريعاً للوصول للأعلى ، ثم عبر بصعوبة وسط هذا التجمهر من النسوة ، وهتف بصدمة حينما رأى ما يحدث :- إيه دة ؟! بقلم زكية محمد
ثم صاح بصوته الجهوري :- مرررررررررررررريم ...

google-playkhamsatmostaqltradent