recent
روايات مكتبة حواء

رواية اترصد عشقك كاملة بقلم ميار عبدالله

رواية اترصد عشقك كاملة بقلم ميار عبدالله



فصل الأول


سألوني عن الحياة

فقلت أسفًا على الدنيا التي شوهته بوحشية

فما ذنب المرأة لتقع في حب رجل جاحد

وما ذنب الرجل ليقع فى عشق من طرف واحد

وما ذنب الفتاة أن تشعر باليتم

وما ذنب الصغير أن يشعر بالنبذ

سألوني عن المكر والخداع

فقلت أن الرجل تلميذ نجيب والمرأة هي الأستاذة

والشيطان يقف فى المنتصف يصفق لمن يرد طعنة الغدر بألم طاعن لا يبرأ .

وحينما سألوني العشق

تنهدت بحرارة لتقف الكلمات عند شفتي

وظللت لفترة أفكر هل أقولها أنا أم أتنحى جانبًا وادعهم يحكون عما يجيش في صدورهم .. الشوق حفزني لكي أضع كلمة واحدة تلخص الحكاية

الترصد

ليضعوا بينهم وبين العشق ألف باب .

العشق لم يتخذه دربا ، والحب لم يكن من اهتماماته

لم يتنهد متحسرا حينما يرى زوجين من الكناري أمامه يتبادلان كلمات عشق مبتذلة ، مبتذلة .... لدرجة تصيبه بالهذيان

هو ابدا .. ابدا لم يجرب شعور الحب ، الخفقة الهاربة حينما يشعر بوجود نصفه الآخر بجواره .. اممم ماذا ايضا ؟!

النيران الهائجة التى تندلع من جوفه إذا رآها تتدلل لغيره، الزلزال المدمر للنفس اذا أبصرها تتقدم نحوه بفتنة انفلت على اثرها عقال قلبه ،وكل الكوارث النفسية التى تبعثر القلب وتجعل العقل على وشك الانجراف للجنون لم يشعر به اطلاقا .. بل ابدا .

زفر وسيم بحدة وهو يرى صور جارته " جيهان " المنتشرة بكثرة على صفحتها الشخصية بثياب يفضل ان يقول انها مجرد قماش لستر الجسد بخداع ، الغزالة الصغيرة أحبت أن تتحدى ذئاب الوادي ، مرر بانامله على خصلات شعره يكاد ينتزعها نزعا وهو يري انها لا تجيب على اتصالاته ، هل تقوم الان بدور سيدة الأعمال عليه ؟!! ... كل ذلك بسبب غباءوه وعدم دراسة موضوعها بجدية ونواحي مختلفة.

هو من أدخلها ذلك المجال الفاشل ، الاضواء والشهرة والعالم البراق الخادع كل ذلك لن تتحمله تلك الصغيرة ، كيف وافق ؟ بالله هل خدرته وجعلته يجلبها لصديق له ليحول اليرقة الى فراشة مبهرة الشكل .. آسرة العيون .. خاطفة الانفاس

أغمض جفنيه وهو يعصر الهاتف من بين يده بعنف شديد ، كيف استحوذت على تفكيره لتلك الدرجة ؟! لقد رباها بل وكان يعتبرها طفلته أقرب لأخته ، هى دونا عن الفتيات فى حيه وشقيقتها .. روحها المثابرة ولمعة عينيها التى تلقى سهام الحياة جعله يساق خلفها مبهورا وآخذا من شذى عبيرها لحياتها .. الفتاة يجب أن يلجمها ويحد من تصرفاتها الطائشة ... يجب عليه فعلها .

انتبه على صوت المخرج الذى ينادى اسمه مرارا عبر المكبر الصوتى يخرجه من شرود ليس وقته ... اسبل اهدابه وهو يمرر أنامله على خصلاته الداكنة وعيناه الزرقاء مظلمة .. مخيفة .. مما جعل المخرج يعبس وهو يشير بيده من خلف الغرفة الزجاجية يتسائل عما عكر مزاج مذيعه اللامع ..

نفى وسيم برأسه وهو يشير بإصبعه انه بخير ، اجلى حلقه وهو ينتبه أن هناك أقل من دقيقة ليصبح على الهواء مباشرة ليتحدث بصوته الأسر الذى خلب جميع الفتيات المراهقة وأصبحن ينتظرن برنامجه الإذاعي على الراديو كل ليلة خميس ...

مع إطلاق الضوء الأحمر والمخرج الذى كان يعد بأصابعه العد التنازلى ، ابتسم وسيم بجاذبية وهو يرمى كل شيء خلف ظهره ويعطى ساعة من الأهتمام لمتابعاته .. يعلم أن الابتسامة لن يراها سوى المخرج ومهندس الصوت لكن شعور .. بل شيء من اليقين ان الفتيات تشعرن بابتسامته ليبتسمن بعده كنوع من العدوى يطلقها هو فقط ويلتقطنها الفتيات

- مساء الخير ، غيبت كتير عنكم للأسف .. اعذرونى الموسم الجديد كان لازم نبدأه بموضوع ناس كتير شوهته

أطلق ضحكة خافتة وهو يتابع بنبرة رخيمة

- الحب النقى ، الحب بكل أنواعه .. بعيد جدا عن الحب المشوه .. بعيد عن علاقة تحت مسمي "اسم الحب " وفى النهاية بتكون مجرد مصلحة من الطرف عكس التانى

ليأتى أحد ويعطيه جائزة أفضل ممثل على وجه الأرض ، يكاد ينفجر ضاحكا بسخرية .. هل هذا ما يريده المخرج ؟ .. يضحك بعقول فتيات صغيرات وينسج لهن عالم منزهة عن كل الأخطاء .. عالم يوجد به الحب ، والحب ، والكثير من الحب ، ليتحدث هو الأفضل عن الرغبات الجسدية ، الشهوة ، الغريزة الشهوانية التى بسببها تقتل كل شيء ..

عباراته الناعمة تطرب أذن مستمعاته اللاتى يكدن يقفزن شوقا وتحمسا له ، صنعوه فى عالمه رجل قديس منزه عن كل الاخطاء

المبتعد عن كل متاع الحياة الدنيا

وهو فى منزلة بعيدة كل البعد عن هذا

هو بالنهاية رجل ، يضعف أحيانا .. يستسلم احيانا اخرى لدعوات مغرية غير قابلة للرفض ..

توقف لثانية فقط يلتقط أنفاسه ليبدأ فتح برنامجه وهو يقول بنبرة خلابة يعلم تأثيرها جيدا للحالمات اللاتى تسمعنه

- كتير بيسألنى على صفحة البرنامج ليه منتكلمش الموسم ده عن الحب بأنواعه ، وقررت مع معدين البرنامج ان احنا نرتب حلقات الموسم دا وكل حلقة هنستقبل اتصالاتكم ، حتى لو موصلناش لحل جذرى لكن زي ما بيقولوا الكلام بيحل نص المشكلة ،هنسمع اغنيه لعشاق القيصر ونرجع تانى ونستقبل أول مكالمة

خلع سماعات الاذن وهو يبتعد عن الميكرفون حينما اشار المخرج بفاصل صغير .. ارخى رأسه على ظهر مقعده ينعم ببعض الراحة ولا يعلم لما هناك شعور يساوره أن الليلة لن تنتهي على خير !!!!

.......

رمشت جيهان بـ أهدابها عدة مرات .. الماجن سيتحدث عن الحب ؟!! هل جن هو أم ماذا ؟! أى مخرج مخبول جعله يضعه في مكان مقدس ليدنسه ذلك الحقير

رفعت عيناها تنظر نحو شقيقتها شادية التى تستمع إلى برنامجه بكل هدوء شديد وهى تقلب بيدها فى إحدى مجلات الموضة ، ألقت هاتفها جانبا وهى ترهف السمع إلى صوته الجذاب

- متسألش حد حبيتها او حبيتيه ازاي ؟ ، لان ده بيحصل من غير ما يحس .. ساعات تعود وساعات بتكون أول مرة ، مش هنختلف على المدة ، هنحكى عن التأثير .. التأثير لما تشوف الشريك التانى اللى قلبك اختاره بيقلب كيانك

استقامت من مجلسها على الفور والغضب يندفع فى أوردتها .. الغضب يكاد يعمي بصيرتها .. وعقلها على وشك أن يفقد رشده ، شرست ملامح وجهها وهى تصيح بسخرية

- عاش وشوفت زير الستات بيتكلم عن الحب

توقفت شادية عن تقليب المجلة لترد بلا مبالاة

- جيجي اهدي ، مش مستاهلة تقلبيها دراما

والكلمة كانت بمثابة اضافة الحطب فى النيران المتأججة بداخلها

انفجرت صارخة فى وجهها

- دراما .. بزمتك انتى مصدقة النحنحة اللى بيقولها دي ، قلبه ده من حجر .. لا وكل شهر مع واحدة شكل اشى شقرا وسمرا وحمرا وبيتنقل من امريكي لاروبي لاسيوي .. وآخر الليل يتكلم عن الحب

رفعت شادية حاجبها الايسر بتعجب لتقول بنوع من الاهتمام وهى تراها تمسك بهاتفها تتصل بشخص ما

- بتعملى ايه يا جيهان ؟

غمغمت بشراسة وعيناها تلمعان بمكر

- هكلمه يا شادية

ذلك الماجن أعلن الحرب

وهى كانت تنتظر ثغرة واحدة فقط لهدم قلعته المحصنة

لم تكن تعلم أنه قدم لها ثغرته على طبق من فضة .

.....

شبح صورتها العارية لا يغادر مخيلته وهو يتحدث مع متابعاته، حمم لاهبة تجري فى أوردته .. تلك يجب أن يصفعها على وجهها علها تفيق من عالم البراق الخادع ... نبرته اصبحت منفعلة رغما عنه جعل المخرج الذى يراقب كل خلجة من تعبيرات وجهه المكفهرة أو نبرات صوته الاجشة التى خرجت عن مسارها الهادئ

- مشاعر زي دي بتدى طاقة للإنسان عشان يسعد الشخص اللي حواليه ، سواء الطرف التاني قبل التضحية أو لأ .. لكن خلونى اقولكم القلب بيحب مرة واحدة بس ، نقدر نقول على اللى فات انجذاب .. حب مراهقة .. مجرد عاطفة لمرحلة مؤقتة وراحت

اغمض وسيم جفنيه وصمت ولم يقدر على التحدث ... ما الذى يتفوه به ؟ أى هراء هذا الذى يقوله وللعجب يشعر نفسه وكأنه عاشق مخلص لمحبوبته منذ الأذل ؟!!

هل من حبيبه ؟ ... لنقل حبيبات كثر

وهل هو عاشق ؟ ... بل ماجن ، زير نساء

عقله أوشك على أن يفقد سيطرته ويخرج عن مدار هدوءه ورزانته ليستمع الى المخرج وهو يخبره بوجود مكالمة هاتفية ، فتح مقلتيه لينظر بتيه شديد

الوقت يمر .. لكن عقارب الساعة عنده توقفت وهو يحاول أن يفكر ما الذي حل به ؟ ، ما الذي يفكر فيه تحديدا وهو على الهواء مباشرة ، تمتم بنبرة باردة على غير المعتاد

-عندنا اتصال ونقول الو

ابتسمت جيهان وهى تنظر الى حاسوبها تتأكد ان صوتها متغير والرقم لن يقدر على الوصول إليه حينما قررت فضحه أمام متابعاته الحالمات الصغيرات

- مساء الخير يا وسيم

وسقط قلبها بين قدميها وهى تنتظر رده ، تنظر الى شاشة الحاسوب والى باب غرفتها المغلق ، لا تريد أحد أن يقطعها عما انتوته ... صمته أقلقها .. بل جعلها تشعر انها متحفزة ، كلصة مبتدئة تخشى أن يقبض عليها الشرطى ، جاءه رده الهاديء وهو يقول

- مساء النور نتعرف بيكي ؟

لوت شفتيها بملل وهى تعبث بخصلات شعرها الوردية ، قالت بجفاء

- تقدر تقول انسه م

تلك المرة رد عليها ونبرة الاهتمام جالية على صوته

- اتفضلي احكي يا انسه

تنهدت وهى تتجول فى غرفتها لتقول بجفاء

- عارف فيه نوع كدا من الناس اسمها الحرباية، تعرفهم ؟

ناكس رأسه للاسفل وهو يتلقى خامس مكالمة ، لا يصدق ما يفعله بنفسه .. ولا تلك الكلمات المنمقة المليئة بالشغف والحب التى بدأ يتفوه بها ؟ ، توقع ذلك الاتصال ممل كسابقه ... لكن شم رائحة الخطر،

جرس الانذارات في عقله يخبره انهى المكالمة قبل أن تبدأ

لكن غروره الذكوري دفعه ليستمعها وللنهاية ، ارتفع حاجبه لاعلى حينما سمعها تتابع ببرود

- ناس كتير ماسكة مناصب مهمة وبوشين .. يعني الصبح يبقي داعية وبليل تلاقيه بيسكر ... نوع الراجل تبص عليه تقول عليه يعرف ربنا وبيصلي وتلاقيه من تحت الترابيزة يقبل الرشاوى وكله بالحب

رفع عيناه لينظر نحو المخرج الذى خلع سماعته ويشير له بقطع المكالمة ، هل شعر المخرج اخيرا بالخطر ؟!!

بكل برودة اعصاب تعلمها ، وضبط النفس الذى تعلمه لسنين أجاب

- يا انسه احنا ...

قاطعته بوقاحة شديدة ، وبدأ مفرقعات العيد تلون السماء الصافية

- وانت من النوع اللي اسمه الحرباية ، بيتلون مع كل حالة وكل مكان ، طب مش عيب على واحد زيك يخلوه يقدم برنامج بيحكي عن الحب وانت ولا مؤاخذه سمعتك مش اللى هى

بدأ مهرجان الإحتفال ، احتقن أذنيه وهو يحاول أن يجد رد على تلك الوقحة .. يأمر بعينيه بعدم قطع اتصالها ، ليس بجبان كى لا يستطيع ان يجد مخرج من تلك المصيبة ، اعصابه تلفت بالفعل وقست ملامح وجهه لكن نبرته الهادئة تسربت الى المتصلة

- اتخذلتى يا انسه م من الحب؟

انفجرت جيهان تضحك بهستيرية ، لا تصدق ان يسألها بكل برود هل شعرت بالخذلان

نعم شعرت بالخذلان والخداع

قلبها خذلها لأنها حينما أحبت ، أحبت ماجن

لا يراها ابدا كأنثى

ما زال يراها طفلة صغيرة بجديلتين ، ألا يوجد خلاص من هذا الحب ؟

عقد وسيم حاجبيه وهو ينتظر انتهاء تلك المجنونة من الضحك ، هل هى مختلة ؟ هل يجب أن يتصل بالمشفى ليضعوها فى مصحة نفسية ؟

كاد ان يقطع الاتصال الى أن نبرتها كبلته

صوتها به عذاب ... لا يعلم لما يشعر بوجود شيء مريب بتلك المتصلة

كأنه يعلمها !!

- اتدمرت من واحد اعتبرته كل حياتي ، تعرف فيه واحد اوهمنى انه بيحبنى وكان بتاع بنات .. عشان كدا بقول للي بنات متصدقش كلامك لانك واحد مش حاسس بكل كلمة بتقولها مجرد منافق

تنهد وسيم زافرا بحنق ، الا يكفي ما يعانيه لتأتيه تلك سليطة اللسان ... أجاب بنبرة باردة

- مين قالك انى مش عارف الحب ؟ .. دايما بنشوف الحب والكمالية اللي بتحصل فى الافلام لكن الواقع مختلف ، نقدر نقول عليه اول صدمة للانسان لما يكون بنى اعتقاده على الخيال

رفع عيناه يقرأ ما يدور بخلد المخرج الذى سكنت ملامحه حينما استمع الى نبرة المتصلة الشرسة

- ومنقولش ليه ان الراجل بيستغل الست ومعتقداتها الكمالية زي ما بتقول ويصر على انه يجرحها

هل يعجبه المخرج المأزق الذى وضع به ؟ ... يحاول تصفية ذهنه كى لا يفقد تهوره فى أى لحظة .. تلك المتصلة جاءت تلفح فى جمرات ظن أنه اخمدها ، تدخل يرد بهجوم

- كلامك بيقول ان الراجل دايما غلط وكأن الست مش بتشارك بالجريمة نفسها

لوت جيهان شفتيها بنزق وهى تجيب ببرود

- معظم حالات الانتحار للمراهقات بسبب حب شاب اوهمها بيه واللي زيك بردو اللي بيوصف الحب بالكمالية ، تقدر تقول ان ده كمان غلط

المتصلة تجره إلى أمواج هادرة وبحالته تلك سيغرق وستبدأ الفضيحة تنتشر فى كافة وسائل الإعلام ، زرقاويه تهدر بجنون كحالة البحر فى أوجه الغضب ليجز على أسنانه وهو يرد

- لكل قاعدة شواذ مش كدا ولا ايه ؟ ، زى ما مخلين الراجل عدم الأمان ليكم ، احنا نحس ازاي بالاستقرار الأسري

لثانى مرة تضحك

تسخر وتستهزئ منه

وهو حتى غير قادر على الرد سوى بلباقة وإنهاء المحادثة

- بجد ضحكتنى فى عز وانا مليش نفس ، انت واستقرار أسري فى جملة لا مش مصدقة

زفر متنهدا وهو يقول

- بعدنا عن الموضوع الاساسي

لم تتأخر بالرد عليه

- لانك مش هتقدر تخليني اتقبلك للاسف ، عايز تقدم برامج ارجع لفقرات المشاهير لان الكلام العميق للاسف مقدرش اتقبله منك

بلغ الصبر منتهاه ، أشار للمخرج ان يقطع المكالمة ليجيب بحدة

- ببساطة لطاما رافضاني تقفلي الراديو ومتسمعيش مني تاني لاني مش هجبرك ، شكرا على مكالمتك ونقدر نرجع تاني لحلقتنا

اتسعت عينا جيهان وهى تنظر الى الهاتف ، هل اغلق المكالمة فى وجهها وما زالت تحمل في جعبتها الكثير ؟!

- الحيوااان قفل في وشي

******

الساعة لا تمر

كأن عقارب الساعة تتحداه أن يصدر اعتراضا على طول المدة التي يخضعها لاختبار التحكم فى غضبه

اعصابه اتلفت تماما بمكالمة تلك ال .... ، سبها وهو ينتظر رقم هاتفها على أحر من الجمر ، يقسم أنها لو كانت امامه لما رحمها .. سيدك عنقها

تلك الحركة الدنيئة لا يحبها ، لطالما كره شيئ واحد فى النساء وهو عدم الصراحة ... عدم المواجهة المباشرة

يخترن أن يلقين اشارات وعلامات بدلا من التحدث مباشرة

بالله ماذا سيحدث ان تحدثن مباشرة ؟

هل سيسقط نيزك على الأرض ؟! .. هل سيصبن بالعمى والخرس ؟!

لا يريد ان يفكر برد فعل جمهوره على الحلقة .. عاد وضع السماعة على هاتفه بعد الفاصل ليقول بهدوء

- ونستقبل آخر اتصال ونقول مساء الخير

جاء صوت انثوى مرتبك

مرتبك لدرجة يشعر أنها ارتدت رداء الشجاعة لتتجرأ على طرح سؤالها

- مش هطول معاك كتير .. لكن محتاجة تفكير راجل فى علاقتى ..هل لما الست بتدى كل حياتها للراجل يخلى الراجل يستقل بيها .. يستقل بحبها .. يكون واثق فى حبها ليه انها مش هتقدر تبعد عنه

دلك جبينه بارهاق ... الحلقة استنزفت منه ما تبقى له من طاقة ، أجاب بصراحة شديدة دون تزييف

- اه .. صدمتك للاسف .. كراجل اقولك لما اطمن انى معايا ست هتفضل جنبي بيجي فترة ويقول مجربش ليه حاجه جديدة أو ممكن هى دى طريقته واسلوبه مش كدا ؟

شعرت بالاختناق وهى تهمس بقلة حيلة

- للاسف

يقسم ما ان ينتهى من موسم البرنامج سيتوقف عن التطرق لذلك الأمر المربك ، المثير للإعجاب للسيدات والمثير للريبة للرجال .. النساء كيف تردن تلك العلاقة المسماة بالحب .. بل كيف لا يخشون منها ؟! الامر يكون مرتبط معهن منذ ان ولدن من رحم امهن وما يساعد على زيادة حالميتهن .. تلك الافلام الكرتون للاميرات .. وعندما يصلن لمرحلة المراهقة المسلسلات التركية والاجنبية عن الحب يزدهن شغفا بل تهورا للبحث عن المسمى بالحب الذى أصبح لا يمت للواقع بصلة ، من كثرة الاشياء السيئة طغى على الجيد

أنهى مكالمته مع المتصلة وهو يغمغم بهدوء

- عشان نغير من طبعنا صعب ويكاد يكون شبه مستحيل لكن لو هو عايز يتغير هيتغير ، اشكرك على المكالمة ، حلقة برنامجنا النهاردة انتهت نسمع اغنية نجمة الموسم الجديدة ونتقابل فى ميعادنا الجاي ، تصبحوا على خير

ازال السماعة من رأسه فورا ليهب من مقعده خارجا من الغرفة ليقول بنفاذ صبر

- عرفتها ؟

هز المخرج رأسه بنفي تام وبكل برودة أعصاب قال بعملية

- لا الرقم برايفيت

تلون الشرر فى مقلتيه ليخبط بيده على سطح المكتب وهو يصيح بحدة

- يعني ايه برايفت يا سامر

نظر مهندس الصوت اليهما ، تفحص ملامح وسيم الذى نادرا ما يخرج عن طور هدوءه والمخرج الذى ينظر اليه بكل برود وعلى وجهه ابتسامة باردة .. مستفزة

وكأنه يشاهد صراع بين الماء والنار

لا يعلم أيهما سيؤثر على الآخر

هل الماء ستقدر على اخماد الحريق

أو النار التي ستأكل ما يقابل طريقها ولن يعوقها احد

غمغم المخرج بكل عملية شديدة

- قولتلك نقفل المكالمة لكن انت اصريت ، صعب جدا نعرف صاحبة الرقم ده

كز وسيم على اسنانه غضبا يكاد يطحن ضروسه ، غادر وهو يغلي من الغضب يخشى ان يصب جام غضبه على أحد بريء .. اللعنة فقط يعلم تلك السخيفة وسينزع خصلات شعرها من رأسها .. رنين هاتفه جعله ينتبه انه يلكم الحائط بجواره بقبضه يده .. نكس رأسه ارضا وهو ينسل الهاتف من جيب بنطاله مستعد للرد على أول شامت ، ومن حسن حظه كانت ابنة عمه

أغمض جفنيه وهو يضع اصبع السبابة والابهام على جسر أنفه ليقول

- مش وقتك دلوقتي يا وجد

انفجرت وجد ضاحكة وهى حتى الان لا تصدق ما حدث لابن عمها الوسيم ، يتعرض لتلك الفضيحة ولأول مرة وهو يخرج منها بأقل الخسائر الممكنة ، تمتمت وجد بنبرة ناعمة

- تحب اقولك انك مكنتش فى المود ولا تحب اقولك مبروك عليك الفضيحة

مشاعر عنيفة تكالبت عليه من كل حدب وصوب ، جز على اسنانه مزمجرا ، هو على وضع الاستعداد للفتك بأى شيء جواره حتى لو كان صندوق قمامة التي ألقاها أرضا لتفرغ محتوياتها على الارضية النظيفة ، همس بحنق

- انتى عارفة لو كنتي قدامي كنت عملت فيكي ايه كنت كسرتلك رجلك

غرقت وجد فى موجة من الضحك الهستيرى زاده عنفا وسخطا ووعيدا لتلك المتصلة الحمقاء ليسمعها تهمس بنعومة

- عنيف يا سيمو

جحظ مقلتيه لتتكدر زرقاويه ... صاح بحدة

- اقفلى هو يوم اسود لما وافقت على اني أذيع المسخرة دي

لم ينتظر السماع لردها .. اسرع باغلاق الهاتف وهم أن يكسر هاتفه إلا أنه تذكر فى آخر ثانية انه اشتراه جديد من اسبوع فقط .. لم يهنئ به بعد .. أغمض جفنيه وهو يسحب نفسا عميقا ليزفره على مهل

كمحاولة يائسة للعودة الى طبيعته الباردة

ارتخت ملامح وجهه المتشنجة لك هناك زئير اسد .. لم يأخذ حقه بعد !!

*******

الوحدة مؤلمة

خانقة

تثير الرعب والملل

لتبدأ الشياطين الداخلية توسوس للنفس المذعورو بما يطمئنه ، ليفتح باب الخراب

لا تصدق انها حتى الان اتصلت ببرنامج إذاعي لتعرض عليه مشكلتها بل مصيبتها ، بلوتها .. هي ليست من هواة الاستماع للبرامج الإذاعية لكن ماذا تفعل حينما تكون الأميرة محبوسة قسرًا داخل أبواب قصرها ، يوجد كافة وسائل الراحة للجسد لكن ماذا عن النفس ؟!

ابتسمت فرح ساخرة ، منذ متى زواجها كان طبيعيا أو يجب أن يسير بكل راحة ويسر .. وما هو اثمها؟!

اثمها انها حاولت ان تصلح من ماضي زوجها ، حاولت ان تغيره للافضل .. أن تجعله يحيا حياة سعيدة معها .. لا بل يحيا مع شمس صغيرته ، تراجعت وهى تجلس على الاريكة وقد بلغ منها الصبر منتهاه .. المحارب يحتاج استراحة حتى يقدر على شحن طاقته للدفاع باستماتة عن أرضه

الحرب لا تنتهي

والأرض مجرد سراب

والغنيمة هي شمس الغانم

دمعت عيناها دون أن تشعر ، وهى تجلد ذاتها .. تلتحف برداء بالصبر لكن الرداء بدأ يشكوها

أريحي عقلك بنيتي

لو كان هو صخرا جلمود لأحس ولرق قلبه

لكنه جاحدًا

بل أنانى ، ارتفعت صوت بكاءها لتنتبه الصغيرة شمس إليها وهي تتوقف عن اللعب ، بعينيها الذهبيتين الشبيهة بعينيه نظرت اليها وعلى شفتيها ابتسامة ناعمة تهديها اليها ، والله لولاها هي التي تخفف عنها لربما ركضت فارة من ذلك المنزل.

انزلقت بجسدها لتجلس ارضا وهى ترفع كفيها تدعو صغيرته أن تأتى إليها .. الصغيرة تعلمت السير .. خطواتها متمهلة حذرة كانت تجعل فرح فخورة بما حققته ، فخورة بتلك الصغيرة التى تتمنى لو انها انجبتها من رحمها هى....

وحينما وصلت الصغيرة الى فرح ، شدتها فرح الى عناق موجع لقلبها .. تشم رائحتها الزكية ليسكن آلامها .. غمغمت بألم

-هل بابا فعلا صدق انى مقدرش اعيش من غيره فـ بيعاملني كدا

ابتعدت وهى تستمع الى كلمات من الصغيرة ، لا تلتقط سوى كلمتين من أثر حزنها .. "بابا" و "دادا" كلمة دادا هي فرح ..لا تعلم سر تمسك تلك الكلمة لتنادي به اسمها لكن لا يهم ، يكفى انها الوحيدة التى تشد من أزرها في ذلك المنفى حتى يعفو السلطان عنها

حاورتها حينما عقدت الصغيرة جبينها وكأنها الاخرى استشفت حزن فرح الذى اصبح يخنق انفاسها

- طب ليه يأذيني وانا بحبه عمرى ما عملت حاجه الا عشان مصلحتنا يا شمس

صمت مهيب من طرف شمس الصغيرة لتغلق جفنيها بقهر وتترك دموعها تواسيها .. شيء حي يتألم مثل قلبها

انتفضت حينما استمعت الى صوت جلادها

- هتتفضلي تكلمى مع نفسك كتير

رفعت عيناها البنية وهي ترمش بأهدابها عدة مرات ، تزيل ستار الضبابية التى صنعتها دموعها .. فى همس معذب همس قلبها

- نضال

اجلست فرح شمس فى منطقة المخصصة للعب لتقف تواجهه ندا بند.

عاقدًا ساعديه على صدره وهو ينظر بعينيه ما تفعله بصغيرته وكيف باقل لمسة تضحك شمسه .. شمسه المتوهجة فى كبد سماءه .. لكن فرح !!!

هى شوكة فى خاصرته ، هذا أدق معنى وصل إليه ويصف به علاقتهم المهترءة

كاد أن يغادر ويتركهما إلا أنها صاحت بقوة لا يعلم من أين استخرجتها

- هنفضل لحد امتى كده ... لا كلام ولا حوار حتى

كشف عن صف اسنانه العلوية وهو لا يصدق أي جراءة تصل بها تلك الفرح ، هل تحاسبه على رد فعله وهى السبب بما يحدث لها

قال ببساطة شديدة

- كل واحد بيتحاسب على غلطته ، وغلطتك مقدرش اغفرها

واستدار راحلا ليصل لباب شقته يغادر حتي يريح دماغه المجهدة الا انها اوقفته بجسدها وهى تقف حائلا بينها وبين باب الشقة وعينيها فى عينيه تتحداه ان يشيح بعينيه عنها

- انا عملت ايه لكل ده فهمني ... قولى عملت ايه لكل ده .. كل اللي عملته عشان نبقى سعدا مع بعض

رفع اصبع السبابة محذرا وقناع ملامحه الوسيمة نزعها بقسوة ليظهر أسوأ ما به

عينيه مظلمتين .. سوداوين .. يشبهان الظلمة التى لا يأتى منها الخير مطلقا .. وجهه المتوحش واسنانه عبارة عن انياب تلمع وهى جاهزة للفتك اربا ، العرق النابض فى عنقه هو ما يدل فقط على الحياة

- فرح اوعك تنسي .. اوعك فى يوم تنسي اني جبتك من الشغلانة القذرة دى وضميتك تحت جناحى

الصدمه الجمتها وهى تنظر إليه بذهول ، أى وظيفة قذرة هو يتحدث عنها .. بل هو الذى جعلها قذرة منذ أن تعرفت عليه

لقد دنسها

دنس براءتها .. طهرها .. حبها

التمع الجنون والغضب فى عينيها لتصيح فى وجهه

- هو انا عشان بسعى لأكل عيشي شغلانة قذرة ؟!! .. عشان اجيب اكل لعيلتي واتعرض للتحرش غصب عني ابقي بشتغل شغلانة قذرة ؟؟!!

رمقها من منابت شعرها الى أخمص قدميها ليهتف بقرف

- انتى عارفة انتى ايه ، مجرد ست بتمتعنى فى سريرى مش اكتر .. متبنيش امال كون انى اتجوزتك بحق وحقيقي

طعنة سددت فى القلب مباشرة ، سكينة غادرة منه وضعها بكل غل على قلبها .. الدموع بدأت تغزو عينيها إلا أنها لم تدعها تتساقط أمامه ، حاربتهم بكل ضراوة وصدى كلماته يرن في اذنيها كطنين مزعج ، همست بمرارة تشربت ما بها

- حقير

- مش زي حقارتك

ابتسامة جانبية زينت ثغره ليهمس ببرود وهو يزيح جسدها عن الباب ليغادر من الشقة وتركها هى فى منتصف الاعصار الذي أخلفه

نظرت الى نفسها من السطح العاكس

تسألها ما الجرم الذى فعلته دون أن تشعر

ما جرمها هي حتى تحظى برجل مثله

عادت تلتجئ السلام والسكينة من الصغيرة وهي تسحبها الى احضانها وأطلقت السراح لدموعها لعزاء نفسها

تمتمت تشكوها بكل نبرة يأس

-شوفتى يهدم الحب بيده ازاى

***

رغم استماع رهف للبرنامج الإذاعي إلا أنها لم تكن منتبه على صوت المذيع اطلاقا بل الكارثة التى أحدثتها متصلة لتستطيع إرباكه.. كل ما كانت تنتبه إليه هو صوت الأغانى فى كل فاصل

سعادة خبيثة طفقت كل ركن من جسدها ، تلك العادة اكتسبتها فقط له .. لانه هو الاخر يقضي ليلته للاستماع للاغاني اثناء تأدية عمله العظيم ، رفرفت بأهدابها وحمرة الخجل تغزو وجنتيها .. زجرت نفسها وهى تنكب لتتابع مذاكرة دروسها لكن طبق الكنافة أغراها منظره .. تركت كتابها وهي تسحب الطبق لتتناوله بتلذذ شديد .. كل قطمة ألذ من الأخرى .. لا يوجد شخص يستطيع أن يعدها بحب مثل مطعمه ، لقد كانت واحدة منهم قبل أن تعود لحياتها الطبيعة أو بقايا حياتها الطبيعة .. تتابع حياتها ودراستها كى تتخرج من كليتها وتساعد عائلتها فى المؤسسة ، تنهدت وهى تغلق جفنيها لتستمع إلى صوت المغنية والألحان تخرج بتدلل ليلفها فى غمامة ناعمة

شهقت حينما استمعت الى رنين هاتفها ، ارتبكت حينما نظرت الى اسم المتصل ، تبا ماذا تفعل .. بل ماذا تقول ؟ .. نظرت الى اهتزاز هاتفها والرنين الملح كصاحبه لتلتقط هاتفها وترد عليه قبل أن ينهي الاتصال وأول جملة خرجت من المتصل صوته الأجش

-عم تتدرسي ؟

صوته الشامي يفعل بها وبقلبها الأفاعيل ، العاطفة بصوته لا تستطيع أن تخطئها ابدًا ، غمغمت بهمس خافت

-بذاكر يانزار

ضحكة انفلتت منه وهو ينظر الى الفرن ينتظر نضج العجين ، ما جعل ابتسامته تتسع أكثر وعيناه تغيم بعاطفة هو استماعها الى صوت المغنية التي يستمع إليها الآن .. بعفويتها تستطيع أن تربكه

لتأتي والدته الان وتشاهد ابنها الذي يعود لمرحلة المراهقة بسببها هي ، ابتسم بحنان شديد قائلا

-عم تدرسي منيح ولا بدك حدا يشجعك

صمتها الطويل يستوعبه كثيرا ، يعلم انه تخطي معها أول عقبة .. لكنه متمهل طالما ستتفتح زهرته على يديه .. تنشر بعيق رائحتها المسكية له فقط ، حنت عليه اخيرا بردها المرتبك

-بذاكر كويس يا نزار متقلقش

بتهور مراهق عاشق غمغم بعنف وهو يرمي منشفته على طاولة المطبخ ، يحمد ربه كثيرا عدم وجود العاملين وإلا أكلوا وجهه .. من يصدق نزار العظيم الخشن متصلب الوجه فى الصباح يتحول الى عاشق متهور فى الليل ؟!!

-ياالله لو بتعرفي انو مصدق ايمتا يجي اليوم وكون انا وياك سوا ببيت واحد ،رح دللك يارهف.. انت انخلقتي لحتى تتدللي ...انخلقتي اميرة لحتى تكون كل طلباتك مجابة

انفلتت شهقة كتمتها سريعا كي لا يسمعها، أغمضت جفنيها وقلبها يرتجف .. بل يتراقص على كلماته العنيفة الصادقة منه.. اتقد وجهها بالحمرة وعيناها الزرقاوين تلمعان كما لو أن السماء تحتفل بالبدر الذى بدد من ظلام السماء ..

لعن نزار نفسه وهو يطلب من قلبه أن يستريح للحظات .. يزجره على انفالته من عقاله ، ابتسم بحرج وهو يمرر يده على خصلات شعره الداكنة ليقول

-شو رايك احكيلك جملة ضحكتني لواحد بحب الاكل كتير وقعد يتغزل بمرته

تناولت قطعة الكنافة وهي تسمح لهواء المكيف يلسعها ببرودته لتغمغم

-اكيد

همس بصوت خافت كما لو أنه يتحدث سرًا

-قال تخيلي انو لو هالمحيطات كلها زيت والصحرا زعتر عكتر مابعملو فيهن سندويشات بحبك

توقفت عن مضغ الطعام وأهدابها ترمشها لعدة مرات ، رعشة سرت في أنحاء جسدها والصمت خيم الوضع .. وكأنه يدع بها فرصة لتلمم شتاتها ، ما قاله ليس سهلا .. بل فى جميع أحاديثهم لم يلمح ابدًا .. ما خطبه اليوم ؟

-ماني سمعان صوتك

صاح بها بعد فترة من صمت طويل ، خشي ان يكون اصابها شيء إلا أنها استجمعت شتات نفسها لتوبخه بنبرة مرتبكة

-نزار.. بطل قلة ادب

انفجر نزار ضاحكًا ولفت انتباهه صوت الفرن ليسارع باخراج الكعك من الفرن وهو يقول

-يوووه ليش انا شو قلت ..ماكون قلت شي مو منيح لا سمحا الله

لم يصله صوتها كما المعتاد لكن اصوات غريبة صدرت بدلا من صوتها الذي تمنعه عنه بقسوة .. يالقسوة رهف ، قال بتساؤل

-عم تاكلي؟؟

عادت تضع اللقمة الاخيرة فى فمها وهى تهمس بدون وعي

-ايوا ...فريال جابتلي الكنافة النابلسية من المطعم بتاعك.. طعمها يجنن

تلألأت عيناه الراكدة ليقوم بقطع الكعك الذي سيعطيه لها فى الصباح ، تذوق قطعه منها وهو يهمس بخشونة

-صحة ياروحي ..لو كنت بعرف كنت عملتلك ياها بايدي ،بعد هيك لما تكوني مشتهية شي خبريني انا بعملك ياها

صاحت معترضة بخجل

-نزار مش مستاهله انا..

ثبتها بصوته الجاد وهو ينهي الجدال فى صالحه

-رهففف خلصنا بقا ، انتِ اميرتي وحقك تتدللي عليي

رفرفت باهدابها والهواء بات ثقيلا ، حرارة احتاجت جسدها وهى تقف امامه المكيف ، ترى ما الحرارة التى دبت فى جسدها رغم برودة الجو ؟! ، همست بارتباك

-انا هقفل

لم تنتظر وداعه بل اغلقت المكالمة كلما شعرت انها حشرت فى المنتصف ، هز رأسه يائسا وعلى شفتيه ابتسامة ناعمة تزين ثغره غير مدركا أن هناك شخص يشاهد ما يحدث بعينين تقطر منهما كرها وبغض لتهمس بيسان بكره

- سحرته .. سحرته بنت الغانم

هو الأحق ان يعطيها كل ذلك العطف والدلال وليست تلك السارقة ، غامت عيناها بحزن وهى تراه يضع شرائح الكعك فى حافظة طعام ليرسلها لتلك السارقة فى الغد ، لكن أين هى من كل ذلك ؟!!

غادرت المطعم وهى تتوعد لتلك السارقة التى نهبت خطيبها ، وتلك المعركة ستنتصر بها وستحفظ قلبها .

***

منذ مجيء الحارس وكل صباح تستيقظ بمزاج، كيف تصحو وكل يوم ترى وجه حارسها .. كلا بل عذابها الصباحي عاصي ، وضعت شادية ملمع الشفاه على شفتيها وهى تنظر الى المرآة .. تدقق وتفحص ملامحها السمراء التى تعرضت قديما الى التنمر من قبل فتيات فارغات العقل ، شمخت برأسها عاليا وهى تسحب حقيبة عملها لتستعد للذهاب للعمل كي لا تتصل بها نجوي او عروس تخبرها انها تريد الغاء زفاف ..

وجدته يتكيء بجذعه العضلي على سيارتها الحمراء ولا تعلم ما يخفي خلف عينيه ، رفعت حاجبها وهي تنظر بامتعاض لطريقته الغير مكترثة وكأنه سيد المكان وليس موظف تحت إمرتها .. خلع نظارته القاتمة وهو يشير بعينيه الى سبب وقفتها لتنظر اليه بحدة نحو سيارتها ، ابتسم بتكاسل وهو يزيح بجسده العضلي عن سيارتها الثمينة ليقول بصوت رخيم

- صباح الخير يا استاذة شادية

نظرت الى ساعتها المزينة فى معصمها لترفع عينيها تنظر اليه لتقول بحدة

- صباح النور يا استاذ عاصي ، اقدر اعرف سبب تأخيرك ايه

هز رأسه وهو يزفر بحدة ، يبدو أن الناظرة عادت لتمارس سلطتها عليه وكأنه تلميذ مشاغب ، تمتم بنبرة عادية

- سهرت وصحيت متأخر وجيتلك متأخر بعد نص ساعة مش مشكلة

رفرفت شادية بأهدابها وهى لا تصدق ذلك العديم الذوق ، الفظ .. وقفت امامه بنحول جسدها الرقيق أمام طوله الفارع وضخامة جسده جعل ثقتها قليلا تهتز كلما يقف فى وجهها يستعرض عضلاته عليها ، همست بحدة وعينيها تنظر اليه بشرر تقسم لو أن النظرات تحرق لأحرقته من موضعه

- انت مجنون ، انت بتتكلم معايا كده ازاى

بدأ الملل يعتري وجهه ليرفع بكفه طالبا منها الصمت

صمتت واتسعت عيناها جحوظا لحركته الوقحة

تمتم بحدة وهو يفتح باب سيارتها

- صداع ورغي على الصبح اتفضلي خلينا نتحرك عشان نكسب وقت

هزت رأسها نافية وهي لا تصدق جرأته ، يالله هل يراها ضعيفة الى ذلك الحد ؟؟؟! .. تمسكت بحقيبتها وهى تصيح

- لا لا .. كدا كتير .. رايحة لبابا

أصر قائلا بحدة ونبرة صوته كانت خفيضة

- اتفضلي معايا بالزوق ويبقي نشوف الاستاذ بابا هيعمل ايه

ثارت شياطينها ولا تصدق ما يحدث فى ذلك الصباح ، هل يلعب الند بالند معها .. كزت على أسنانها وهي تقترب منه ترفع اصبع السبابة محذرة

- متتحدنيش

رفع حاجبه بتسلية وهو يبتر تلك الضحكة المتشفية ليهمس بنبرة لعوب

- بتحداك يا شادية ، ويكون فى علمك ان انا الصف الكسبان

عيناها البندقيتين تتحدى عينيه الغامضتين ، تلعب معه حرب باردة الاعصاب .. كاد ان ينتصر عليها وهو يستمر فى دحض مقاومتها الحثيثة للبقاء والصمود الا انه اجفل حينما استمع الى صوت أنثوي ساخر

- تقدر يا باشا تاخدها ورا مصنع الكراسى بدل قدام باب بيتنا

صاحت شادية بصراخ موبخة لشقيقتها

- جيهاااان

عقدت جيهان ساعديها على صدرها لتقول ببرود

- الله انا بقول حاجه .. عموما طريقكم زراعى مع الف سلامة

الجمتها شادية من التفوه بالمزيد من الحماقات ، لتعود تنظر الى عاصي ووجهها مشتعل من الغضب والخجل فى آن واحد .. القت الحقيبة الخاصة بها امامه وصاحت بنبرة جادة

- عشان مش فيقالك بس والله هتشوف مني تصرف مش هيعجبك بس اصبر

التقط حقيبتها بكل هدوء بين ذراعيه ليميل برأسه نحو أذنها هامسا بجمود

- اتكملى على قدك يا استاذة

اشتعلت النار فى أوداجها لتستقل السيارة وهى تغلقه بكل حدة جعل عاصي ييأس منها ، حي جيهان بحركة من رأسه قبل أن يصعد للسيارة ويتحرك بها متوجها نحو عملا ويدعو الله ان يكون الصباح مشرق ، لطيف ، هادئ كما حدث منذ قليل مع الاستاذة الناظرة !!

..............

شيعتهما جيهان بنظرها حتى غابا عن انظارها ، ابتسمت بهدوء شديد وهى تضع السماعات فى اذنيها ، رفعت مستوى الصوت حتى تنعزل عن الدنيا باكملها وتبقي صخب الالحان يداعب اذنيها .. خرجت من البوابة وهى تلزم عيناها بعدم النظر إلى منزل ابن الجيران .. تحول سيرها البطيء الى هرولة وهى تغمض جفنيها للحظات .. تنساه أو تتحاول التناسي

تتمنى أن يأتي رجلا ليضع حبه فى قلبها بعيد كل البعد على أمثال اللزج أيهم وشاكلته ، يحق لها بنهاية سعيدة .. يأتي فقط .. يأتى و ....

شهقت بفزع شديد حينما شعرت بأنامل قاسية تلف ذراعها ليجذبها نحوه بقوة ، سقطت سماعة اذنها على اثرها أرضا متهشمة لم تتحمل الأرض القاسية، نبضاتها تقرع بجنون ولثواني جسدها تيبس من هول الموقف الذى تتعرض له الآن .. خرج تاوه مؤلم من شفتيها وعيناها تتسعان بذهول شديد الى الظلمة فى عينيه .. استكان قلبها وهي تراه لتقول متنهدة براحة

- يخربيتك وقعت قلبى ، فيه حد بيخض حد كده ؟ وبعدين انت عارف سماعتي الجديدة جبتها بكاااام يا استاذ انت

شدد وسيم أنامله على ذراعها وهو ينظر بغضب الى ما ترتديه .. بنطال رياضي ضيق مستفز .. مستفز لمشاعر أي رجل .. أما القميص القطني ذو الحملات فحدث ولا حرج ، الجزء السفلى مستعرض نحافة خصرها ، وبكل قلة عقل منها ، الا يكفى ان يشتعل حرفيا من تعليقات من بعض المخنثين من الرجال ، لا يعلم متى قام من فراشه ليلحق بها قبل ان تعرض للحى جسدها بسخاء ، تمتم بحدة

- ممكن تسيبك من الزفت اللي اتكسر امبارح وتقوليلي ومبترديش ليه عليا؟

رفرفت بأهدابها عدة مرات وهى ترى نظراته التي تزداد قتامة حينما يتفحص فى كل قطعة من ثوبها ، صاحت بحدة وهى تزيح بذراعها عنه

- ثوانى ... هو انت اخويا ولا ابويا عشان تسألنى ، مجرد جيران الباب فى وش الباب يعني لا تسألني بعمل ايه ولا بخرج فين ولا بنزل مع مين .. اخرك معايا صباح الخير مساء الخير

كظم وسيم غيظه ليصيح هادرا بعلو صوته

- جيهااااااان

بملامح باردة لا تتناسب مع الموقف المتوتر والمشتغل في الأجواء همست بميوعة

- اسمي جيجي

القي رداء المعاملة بالحسنى جانبا ليقترب ممسكا بعضديها وهو يهزها صارخا بعنف وسواد عينيه ألجمها للحظات وهي تست


google-playkhamsatmostaqltradent