-->

رواية لقيطة ولكن كاملة بقلم اسراء عبدالقادر

رواية لقيطة ولكن كاملة بقلم اسراء عبدالقادر

    رواية لقيطة ولكن كاملة بقلم اسراء عبدالقادر




    (لقيطة ولكن)
    الفصل الأول
    إسراء عبدالقادر الوزير

    قاربت الساعة الثامنة مساء واسدل الليل ستاره المظلم خافيا الشمس عن الأنظار مخلفا العتمة بالأرجاء، تلك الظلمة التي تعم الشوارع يكسر قتامتها أعمدة النور الصفراء المثبتة بالطرقات، ومع هذا الميعاد انتهى العمل بمكتب المحاماة الصغير الخاص به ليكون آخر من يغادر بعدما تأكد من حفظ المقتنيات الخاصة به وإحكام الغلق عليها، وبينما يحمل حقيبته السمراء بيمناه ومعلقا المعطف الأسود المصمم لمهنته الدفاعية على معصمه كان يعبر الطريق قاصدا الجهة الأخرى حتى صدمته إحدى السيارات المارة بسرعة جنونية جعلته يرتدُّ إلى الجهة الأخرى فيصطدم رأسه بأسفلت الأرضية غارقا بدمائه الغائرة كما تطايرت حقيبته السمراء إلى مكان آخر، وبينما يجتمع حوله الناس في هلع محاولين الاطمئنان على صحته استغل أحدهم الوضع في سرقة الحقيبة الواقعة بعيدا عن مرأى الجموع هاربا بها وقد تم المراد ونجحت المهمة المطلوب تنفيذها
    وعلى الرغم من نقاء القلوب البشرية وصفائها إلا أن طيبتها لم تكن أبدا بالقدر الذي يدفع أحد الواقفين بالتبرع لإسعافه سريعا خشية أن يحصل المسعف على السيئة جراء الحسنة ويلقى على عاتقه عبء الاتهام بكونه قد شارك بمقتل هذا الشاب اليافع إن فقد الحياة لا قدر الله، فكان من الأفضل انتظار سيارة الاسعاف التي هاتفها أحدهم، حتى توقفت سيارة ذات طراز حديث ضغط سائقها على المكابح بإشارة من سيده الجالس في الخلف حيث جذب انتباهه هذا الجمع من الناس ملتفين، خرج المالك الثري من السيارة واتجه إلى تجمع هذا العدد القليل مخترقا زحامهم محاولا التعرف على من وقع أسيرا للصراع بين الحياة والموت اليوم! مع مشاهدته للشاب فاقد الوعي المقاتل الذي يصارع لالتقاط الأنفاس والدماء مخضبة جسده وملابسه بقوة كما همهمات البشر من حوله بحسبي الله ونعم الوكيل، قال ملتفتا إلى الواقفين بجواره بتعحب:
    _ هو ليه ما راحش المستشفى لحد دلوقتي؟!
    _ في واحد اتصل عالاسعاف وهما على وصول اهو
    قطب حاجبيه الكثَّين المخضِّب الشيب شعيراتهما بدهشة كبيرة حيث يردف مستنكرا:
    _ هتسيبوا الولد ده بين الحيا والموت لحد ما تيجي الاسعاف! وافرض الطريق زحمة والإسعاف اتأخرت، الولد يضيع بسهولة كدة؟!
    أجابه نفس الشخص قائلا بشئ من نفاذ الصبر:
    _ والله ده اللي قدرنا عليه يا أخينا، عايز تساعد اكتر من كدة، اتفضل يالا
    نطق يقول بنبرة مقتضبة واحتقار بديا على صوته ومعالمه:
    _ معاك حق
    ثم التفت إلى سائق السيارة الذي وقف خلفه آمرا:
    _ تعالى ساعدني ناخد الولد ده عالمستشفى يا عوض
    أماء عوض برأسه طاعة وهو يقول:
    _ حاضر يا راضي باشا
    وبالفعل انتقل الشاب بمساعدة السائق وراضي والموجودين إلى السيارة الفارهة طابعا من دمائه على اريكتها الجلدية، في حين انطلق عوض بأقصى سرعته نحو أقرب مشفى خصوصي، حيث كانت الإسعاف ستقلُّه بالطبع نحو مشفى حكومي وهو أبعد من الخاص في هذه المنطقة، وعلى الرغم من كونها المرة الأولى التي يتصرف بها راضي على هذا النحو وليس من عادته التوقف عن أمر ينوي القيام به لسبب عارض كرجل يحتضر على الطريق، إلا أنه شعر بوخزة من الانجذاب نحو هذا الشاب الجريح كما ضميره الذي صدح يشفق على حاله متالما كما الأحوال الأنانية التي غرست شراع المصلحة في المقام الأول وخافت من قرصنة الاتهام، كل تلك العوامل دفعته إلى إنقاذه والاطمئنان على تنفسه كل دقيقة حيث يشد من قبضته على عروق هذا الغائب عن الوعي ويقوم بتدليك كفه كل دقيقة كي لا تشعر النبضات بلدغة البرد المؤدية إلى الموت!

    ولم يكتف بدخول المريض إلى غرفة الفحص وتوصية الطبيب بعمل اللازم، بل أراد جديا الاطمئنان على حاله وكأن نبضاته الضئيلة التي مسته كانت كافية لأن يصبح هاما بالنسبة إليه! انتظر لدقائق معدودات استطاع فيها ان يصرف عوض إلى منزله وقد تأخر الوقت كثيرا ثم بات يدعو الله بأن يخرج هذا الشاب المجهول من هذه الصدمة إلى قيد الحياة سالما دون مشكلة، حتى خرج الطبيب المعالج من غرفة الفحص وعلامات الوجوم كاسية ملامحه برعونة ليسرع إليه راضي قائلا بقلق:
    _ اي الأخبار يا دكتور؟
    زفر الطبيب بضيق وهو يقول:
    _ نزف دم كتير ومحتاج نقل نص لتر عالاقل عشان نعرف نكمل، وفصيلته مش موجودة هنا
    سأله بنوع من اللهفة:
    _ فصيلته اي يا دكتور؟
    أجابه بتلقائية مسترسلا:
    _ فصيلته A- وما عندناش حاجة سالبة تصلح معاه
    أسرع راضي يقول بجدية:
    _ انا نفس الفصيلة يا دكتور، خد من دمي
    حدق به الطبيب للحظات ثم ألقى نظرة خاطفة من أعلاه إلى أخمص قدميه ليثبت بصره على عينيه قائلا بنبرة ثاقبة:
    _ إنت متأكد؟
    أجابه راضي بثقة:
    _ طبعا متأكد، هو إنقاذ واحد من الموت عايزة سؤال؟! انا هتبرع له

    وما هي إلا عدة دقائق أخرى حتى وجد راضي نفسه مستلقيا بسرير يجانب سرير هذا المجهول، يصل بينهما انبوب بلاستيكي شفاف ينقل الدم من العجوز إلى الصغير المغشيّ عليه، يرمق وجهه بتأمل شديد وقد شعر بكونه رأى هذا الشاب من قبل، بل إن بينهما علاقة وطيدة تتخطى مجال الرؤية! ولكن كيف ولم يسبق له رؤيته بالواقع قط؟! أسئلة كثيرة دارت بخلده أجَّل الإجابة عليها لوقت لاحق في حين يطمئن على سلامته أولا! ولقد ظهرت بوادر الشفاء على وجهه سريعا حينما بدأ القلب بالتقاط المزيد من الدماء لتدويرها بالجسد الشاحب كشحوب الأموات، وبدأت العروق بإيصال الدم من جديد بعدما كادت تصل إلى مرحلة الجفاف! مما جعل الفرصة لأن يبث الدفء بالجسد المجمد من جديد، وبالفعل استطاع الأطباء القيام باللازم لتجاوز مرحلة الخطر معيدين السلامة لاعضائه من جديد، مع تجبير ذراعه وتضميد رأسه وتعليق المحاليل لامداده بالطاقة المفقودة، فرجع إلى غرفة عادية بينما التقط أحد الممرضين بطاقته التي كانت تختبئ بجيب بنطاله لتوقيع بياناته والمصروفات المطلوبة لعلاجه وبقائه يومين لديهم، ولم يتأخر راضي عن التكفل بذلك، وبينما يجلس إلى جانبه على الكرسي يرقبه وهو يلتقط أنفاسه عبر جهاز التنفس الاصطناعي وقلبه يكاد يرقص فرحا على سلامة الشاب والذي لا يعرف حتى الآن ما اسمه او هويته فقط أرجع سعادته إلى إنقاذ برئ يحتسب ذلك في ميزان حسناته، انقطع عن التحديق به ما ان صدح صوت هاتفه بالرنات المتتالية ليجفل عن تركيزه بمعالم هذا النائم المخدر ثم يلتقط هاتفه من جيب سترته السوداء فيطالع هاتفه الذي أضاء باسم ابنه المتصل، تنهد بعمق قبل ان يسحب زر الإجابة فأتاه على الفور صوت ابنه الجهوري هاتفا:
    _ إنت فين يا بابا؟ الساعة بقت 12، وكل اللي في البيت قلقوا عليك!
    بادر راضي يقول مطمئنا:
    _ اهدى يا ماهر انا كويس، بس أسعفت ولد عمل حادثة، كلها ساعتين وهبقى في البيت اطمن وطمن اللي عندك
    سمع صوت زفرة ابنه المحملة بالحنق والغضب بآن واحد تبعها بهتافه قائلا بسخط:
    _ اي هو اللي أسعفت واحد في الطريق؟ ما كنت سيبت الإسعاف تتصرف وكنت روَّحت عشان ترتاح، انت ناسي انك تعبان وسامح لك تروح الشركة بالعافية؟!
    هم ليجيبه ولكن انعقد لسانه عن الحديث ما أن وجد فتاة بمنتصف العقد الثالث تقتحم الغرفة مهرولة بلا استئذان وهي تمسك ببطاقة صغيرة بين اناملها، تتقدم من النائم على هذا السرير ضعيفا حتى صارت مجانبة له تنطق من بين شفتيها المرتجفتين ببكاء:
    _ ريان! حبيبي قوم
    وقعت البطاقة من بين اصابعها المرتجفة وهي تنقل بصرها الى جسده المتسطح على الفراش والملئ بالكدمات فضلا عن الكسر المصيب ذراعه الأيمن لتذرف المزيد من العبرات الساخنة ثم تلتفت إلى راضي الذي ظنته بالتأكيد عارفا إجابة سؤالها الذي أطلقته بحزن:
    _ اي اللي حصل؟!
    أغلق راضي الخط بوجه ابنه متجاهلا أسئلته المستهجنة بينما يجيب سؤالها المتوجس قائلا بنبرة هادئة مطمئنة:
    _ حادثة عربية، لكن الحمد لله هو خرج منها سليم واتخطى مرحلة الخطر
    ما ان انتهى حتى انحنى كي يلتقط البطاقة الواقعة أرضا بينما عادت بنظرها إليه قائلة بحسرة:
    _ قلت له كتير ما يروَّحش متأخر كدة بس هو ما بيسمعش الكلام
    ثم أخذت تمسِّد على جبهته برقة بينما تقول بقلق:
    _ ربنا يقومك بالسلامة
    بدافع الفضول أدار راضي البطاقة إلى الجهة الأخرى كي يستطيع معرفة اسم الرجل الذي جعله الله سببا لانقاذه، وسرعان ما تسمَّر مكانه وخلت معالمه من المشاعر بينما اتسعت حدقتاه بصدمة حينما لحظ الاسم المدون أعلاها مجانبا لصورته المراهقة!
    (ريان مختار الشرقاوي) كان هذا هو اسم الشاب المستلقي على السرير أمامه بلا حول ولا قوة، لا يسعه التصديق بكون القدر استطاع ان يدبر لقائهما دون سابق إنذار! ولم يكن لقاءً سهلًا على الإطلاق بل سبق أولًا بالتقاء فصيلتيهما معا ليتأكد من كونه يرى الآن ابنه الحبيب الذي تخلى عنه قبل سبعة وعشرين عامًا أمامه الآن حيٌّ يرزق يغلب الضعف على جسده هذه الساعات، ينظر إليه بتألم وحسرة شديدين بينما تعود إليه ذكرى ما تم قبل سبعة وعشرون عاما وحوار لا زال بعقله محفورا يذكِّره يوميا بذنبه الذي اقترفه أيام الطيش ودعمته انانيته واوهمته بأنه اتخذ القرار الصائب الذي جعله يخسر ابنه الصغير وصديقه الذي لم يُكِنَّ له سوى الوفاء! أجل صديقه العزيز ورفيق طفولته وصباه وشريك الجهد المتواصل حتى الوصول إلى المرتبة العليا، مختار الشرقاوي، لا يزال يذكر آخر محادثة تمت بينهما وكأنها صارت البارحة لا قبل ما يقارب ثلاثة عقود من الأعوام!

    ((_ عمري ما كنت اتصور انك بالحقارة دي يا راضي
    قالها مختار وهو يكز على أسنانه حادجا صديقه بنظرات حارقة بينما بادله الآخر بنظرات باردة قائلا بلا مبالاة:
    _ والله من قبل ما نضرب الورقة قلتلها مافيش ولاد
    صاح الثاني مستهجنا:
    _ قوم لما بقت حامل قطعت الورقة؟!
    أجابه الثاني بهدوء:
    _ انا متجوز ومعايا ولد يا مختار، ولو مراتي عرفت هتبقى مشكلة كبيرة وانت عارف كدة كويس، انا ما صدقت عملت لنفسي اسم وعرفت اتجوز بنت المدير إللي مش مقتنع بيا لحد دلوقتي، قوم يعرف الموضوع ده عشان يخليني أطلقها وأخسر كل حاجة!
    حدق به مختار بمقت واتهام قائلا بنبرة محتدة:
    _ مش مبرر وسهل تخليها في السر يا بيه، إنت خايف تشيل مسؤولية بدليل هتسيبها كدة بتتعذب بسبب أفعالك وانت أصلا معاك ولد يعني المفروض عارف كويس قيمة الضنا!
    ظل راضي صامتا لا يعرف كيف الحديث او المجال لدفع الاتهام عن نفسه وقد نفذت منه المبررات والحجج الفارغة، بينما يكمل مختار بقتامة يتخللها الاستحقار:
    _ عموما انا مش هناقش معاك كتير، انا جيت اقولك اني هتجوزها
    اتسعت عينا راضي بدهشة غير مصدقا ما ورد إلى أذنه توا بينما أكمل مختار مؤكدا:
    _ بمجرد ما تولد هتجوزها والولد هيتكتب باسمي أحسن ما يكون لقيط ولا امه تجهضه وتروح فيها بسببك، وعلفكرة انا كلمتها وعرفتها قبل ماكلمك، لأني كنت واثق انك هترفض
    وتحت نظرات صديقه المشدوهة هم ليستدير قبل ان يقول من فوق كتفه بحنق:
    _ واعتبر صحوبيتنا انتهت من دلوقتي))

    وكان صادقا بكل ما أطلق من وعيد في ذلك اليوم حيث تزوجها واستطاع محو فكرة الإجهاض عن رأسها داعما إياها بمحنتها متخذا من ريان ابنا له وهو الغير قادر عن الإنجاب، اختفيا عن الأنظار بعيدا عن مجال بحث راضي وكأن الأرض انشقت وابتلعت ثلاثتهم! فذهبوا جميعا تاركين راضي الذي حقق ما كان يبغى في عدة أعوام ولكن لم يجد قلبه الرضا ولم يسمح ضميره بالعفو عن هذا الجرم الذي ارتكبه بحق زينب ومختار وابنه وحق نفسه في المقام الأول، بات قلبه دوما ذا حلقة مفقودة ينشد الوصول إليها حيث ترك قطعة منه وتجاهلها في مقابل تحقيق طموحاته العالية وركضه خلف ملذات الدنيا الزائلة!

    أفاق عن شروده ببحر الذكريات العميق ما ان أحس بالبطاقة تسحب من يده بواسطة الفتاة التي قالت بنبرة ممتنة:
    _ شكرا
    استعاد وعيه سريعا وهو يلتفت إليها متأملا إياها بهدوء بينما يقول متسائلا بشرود:
    _ إنتي تقربي ليه إيه؟
    التفتت إلى ريان للحظة قبل ان تغمض عينيها ثم تعود بصرها إليه قائلة ببعض التوتر:
    _ أنا، أنا ابقى آسيا جارته، بشتغل في حسابات المستشفى هنا، وأول ما شفت بطاقته وأنا بسجل البيانات جيت جري ألحقه
    تنهد بتثاقل ثم أردف يقول:
    _ طب ما تتصلي على أهله خليهم ييجوا يقعدوا معاه!
    زمت شفتيها بحزن قبل ان تقترب من السرير قائلة بنبرة خاملة متألمة:
    _ أبوه ومامته متوفيين من زمان
    اعتصر الدمع عينيه بمجرد نطقها لهذه الجملة التي كادت تقتله من الألم المنبعث من حروفها وعنصر المفاجأة الذي كان ولا يزال يصاحبه في هذه الليلة العجيبة، يتمنى لو كان منفردا الآن كي يصدح صوته بأعلى الصرخات باكيا حزينا متحسرا على خسارة عزيزة تبناها عرفيا زوجته، و صديقا عده القلب الأقرب إليه مع مرور الزمان واقتحام الفراق! فات الأوان وماتت الفرصة التي ظنها للحظات ممكنة كي يستطيع المصالحة وطلب الغفران، قاطع نشيجه الخفيِّ آهات خفيفة الصوت انبعثت من حنجرة ريان تعبر عن الألم المجتاح برأسه وبقية أجزاء جسده، ليلتفت نحوه متناسيا الغصة التي علقت بحلقه فور وصول هذا الخبر المفجع إلى مسمعه ليلحظ انخراط صغيره في طور الافاقة بعد الإغماء، ولكن لم تساعده شجاعته بانتظار النظر الى عينيه حيث بات الضمير يعنفه وقلبه يعتصره الألم بلا رحمة او شفاء، ليقف عن الكرسي باقدام مزلزلة تكاد تحملانه بينما يلتفت إلى آسيا الشابة قائلا بنبرة يحاول جاهدا إخفاء اختناقها:
    _ طيب المهم اطمنت عليه، همشي انا دلوقتي
    ثم استدار متجها إلى باب الغرفة بينما اعتدلت آسيا بجذعها ثم أسرعت إليه منادية:
    _ استنى لو سمحت
    توقف عن السير دون ان يلتف كي لا يضعف ويجهش في البكاء ما ان يعود إلى رؤية صغيره من جديد، بينما تقول آسيا مكملة:
    _ اديني رقمك
    _ ليه؟
    سألها بنبرة جافة تخفي من الانكسار اطنانا فتقدمت آسيا لتطالع وجهه وهي تمسك بهاتفها قائلة:
    _ لإن لولاك بعد ربنا سبحانه وتعالى ريان بخير دلوقتي، وإذا فاق وما عرفش يوصل للي أنقذه هيزعقلي، لازم هيتصل بيك بعد كدة ويشكرك، وإلا ما يبقاش ريان!
    همهم في نفسه قائلا بمداعبة يسكن الحزن بثناياها:
    _ وإلا ما يبقاش ابن مختار!
    _ حضرتك بتقول حاجة؟!
    بادر يقول نافيا:
    _ لا لأ، سجلي الرقم
    وأملاها بفتور رقم هاتفه بينما يحدق بتفصيلات وجهها الملائكية بعمق وقد أدرك من فور دخولها حقيقة ما تكن به من مشاعر جياشة تمثلت في لهفتها وقلقها على ريان، ما ان انتهى من سرد الرقم حتى أكمل يقول:
    _ ابقى خلي بالك منه يا قمر
    أجابته قائلة بابتسامة واسعة:
    _ في عنيا
    بادلها الابتسامة ولكن ضعيفة تكاد تنفرج لها شفتاه ثم أكمل طريقه مغادرا الغرفة والمشفى بأكمله عائدا إلى بيته وحيدا رغم ما حوله من الاقرباء شريدا رغم ما حصل عليه من المكانة العالية!

    وقف عن الكرسي وهو يهتف من بين أسنانه غير مصدقا ما سمع توا عبر سماعة الهاتف الملصقة باذنه:
    _ كلام اي اللي بتقوله ده يا نضال باشا؟ معقولة لسة عايش؟!
    أتاه رد الثاني بنبرة واثقة يقول مبررا:
    _ مكانش ينفع نقتله يا ماهر، كفاية خدنا الملف وإلا كانت الشرطة تشك فينا من أول لحظة! نشكر بقى ولاد الحلال اللي انقذوه
    زفر ماهر بنفاذ صبر ثم أكمل بنبرة مقتضبة يملؤها الحقد:
    _ بس طول ما هو عايش مش هيبطل ينخر وراك ف كل قضية، ده ولد مش سهل أبدا
    أطلق نضال ضحكة عالية ساخرة شيطانية اتبعها بقوله بثقة:
    _ صبرك يا ماهر، كل حاجة ف وقتها حلوة، أنا عارف انه تلميذ وحش وخرج عن طوعك واتمسك بمبادئ وكلام فاضي وفتح مكتب صغير عشان يحقق المبادئ دي، خلي المبادئ تنفعه بقى! المهم مبروك عليك كسبان القضية يا سعادة المحامي الممتاز
    أجابه يقول بوجوم:
    _ الله يبارك فيك يا باشا
    ما ان أنهى الاتصال حتى ورد إلى مسمعه صوت بوق سيارة والده وقد أعلن وصوله أخيرا، ركض ماهر إلى الخارج بسرعة مستقبلا والده الذي ترجَّل عن السيارة من بابها الأمامي إشارة الى كونه من كان يقودها لا السائق، تقدم منه ماهر وهو يتساءل بلهفة يكسوها العتاب:
    _ يعني ينفع كل ده وقت تتاخره يا بابا؟ وبعدين فين السواق؟ انت ازاي تسوق لوحدك كدة و....
    قاطعه راضي ناطقا بنبرة ضائقة لا تحتمل النقاش:
    _ سيبني دلوقتي يا ماهر وأجِّل كل كلامك للصبح، أنا دلوقتي تعبان وعايز ارتاح
    ثم دلف عبر الباب الداخلي للفيلا فورا تاركا ماهر الذي عقد جبينه بحيرة غير فاهم لم تغيرت نبرة والده بهذه الطريقة كما معالمه المتقلصة؟! ولكنه أرجع ذلك الى تأثر والده بحادث الليلة فهو يعرفه ويعرف كيف قد يصل به الحال من التفجع على شاب كاد يفقد حياته قبل ساعات، اكتفى بأن لا تتدهور صحة والده بعد هذا الجهد البدني والمعنوي

    _ خلاص بقى ماتزعلش نفسك، فداك يا ريان
    أردفت بها آسيا وهي ترمق ريان بحزن محاولة التخفيف قليلا من الوجوم الكامن بصدره منذ أن أفاق وعلم ان حقيبته سرقت منه والتي كانت تحتوي على ملف بغاية الأهمية، فقد كان سيوقع بعصابة هذا المهرِّب الذي يتاجر بالمخدرات وأدوات السلاح دون أن يرق قلبه للحظة بمعرفة العواقب! نطق يقول بعبوس بدا بقسماته قبل نبرته:
    _ خسرت كتير اوي، والله حاجة تزعل! أكسب القضية ازاي دلوقتي؟!
    جلست على الكرسي جانبه قائلة بابتسامة حنو:
    _ يا عم القضايا جاية كتير والمشوار معاهم طويييل بس انت خف الأول وأن شاء الله تعرف تمسكهم ف حاجة اقوى تدخلهم كلهم السجن ومعاهم ماهر اللي اتتريق عليك ده!
    _ أن شاء الله
    قالها بفتور، ثم سرعان ما استطرد وهو يلتفت إلى آسيا قائلا باهتمام:
    _ إلا صحيح عايز اعرف، إنتي شفتي الراجل اللي انقذني انبارح؟ انا سمعت انه اتبرعلي بدمه كمان!
    اومات برأسها بسرعة وهي تقول إيجابا:
    _ آه الحمد لله شفته واخدت رقمه كمان
    اتسعت عيناه بدهشة قائلا:
    _ والله؟!
    _ آه والله، أخرج انت بس من المستشفى وأبقى اتصل عليه وقابله
    اراح رأسه على الوسادة البيضاء قائلا برضا:
    _ أكيد بإذن الله، ده ملاك جه انقذني ربنا يكرمه!

    إرسال تعليق

    جميع الروايات والقصص المنشورة علي الموقع هي روايات مجانية أخذنا إذن بنشرها من أصحابها إذا وجدت أي رواية لها حقوق ملكية فكرية أو تُريد إزالتها من الموقع اتصل بنا ، ونقوم بحذفها فوراً .