-->

رواية لقيطة ولكن الفصل الثالث 3 بقلم اسراء عبدالقادر

رواية لقيطة ولكن الفصل الثالث 3 بقلم اسراء عبدالقادر

    رواية لقيطة ولكن الفصل الثالث 3 بقلم اسراء عبدالقادر



    لقيطة ولكن)

    الفصل الثالث
    إسراء عبدالقادر الوزير
    هب عن مكانه واقفا وكأن لدغته حيَّة حيث هدر مستهجنا:
    _ كلام اي اللي بتقوليه ده يا تمارا؟ انتي حصلك حاجة ف مخك ولا ايه؟!
    ازداد المكر بنبرتها بينما تجلَّت معالم الانتصار بوجهها وهي تخرج بضعة أوراق من حقيبتها ثم تناوله إياهم في حين تردف بثبات:
    _ والله ده الدليل اللي يخليك تصدقني
    حدجها بنظرات مستهزأة ثم ألقى بصره بالأوراق لتأتيه الصاعقة الكبرى في هيئة سطور من الكلمات التي حملت من سر كان مدفون لسنوات وكشفته دون رحمة، فقد كان بها ما يفيد كون هويَّة خطيبته آسيا _التي من المفترض أنها ابنة صالح كما قيل له_ فلم تكن ابنته من الأساس وإنما في الأصل هي أحد أيتام الملجأ مجهولة الهوية وهو ما يدل على كونها لقيطة!!
    شعر بالهواء ينفذ من الغرفة بعدما عرف من خبر صادم لم يحسب له حسابا، القى الاوراق جانبا ثم قال بذهول:
    _ ازاي ده؟! يعني هي لقيطة وماتعرفنيش الموضوع ده ازاااي؟!
    نطقت تمارا بحزن زائف:
    _ والله ده سبب اني ما كنتش مرتاحة لها يا ريان، كنت علطول حاسة ان في حاجة غلط، والحمد لله ان شغلي ف قضية الملجأ ده عرفت منه الموضوع ده
    تجاهل كلماتها التي كانت بمثابة السم بالنسبة له ناطقا بصوت متقطّع:
    _ ليه خبِّت عليا؟ هو مش المفروض انا خطيبها ولازم اكون عارف حاجة مهمة زي دي؟
    هتفت تمارا بحنق داخلي:
    _ انت برضه مكانش ينفع تدي الأمان بالشكل ده، دي هي واللي كان عامل نفسه أبوها ده جُم سكنوا ف العمارة عندك من غير ما يكون ليهم قرايب كأنهم كانوا هربانين من حاجة، وثقت فيها بزيادة ودي النتيجة، عرفت تضحك عليك بكلمتين
    لم يعد يحتمل المزيد مما تقوله هذه الغبية التي لا يمكن إعطاء اسم مناسب لما تفوهت به أهو من باب المواساة أم الزجر والتعنيف! مسح على وجهه بتعب ثم وقف من جديد قائلا:
    _ طب انا همشي دلوقتي، شكرا عالمعلومة يا تمارا
    ثم خرج من الغرفة منصرفا وعقله شارد وكأنه صار مغيَّبا بعالمٍ آخر، فقد وقع ما لم يكن بحسبانه أو جرى بخياله يوما! هذه التي كان سيعقد قرانه عليها صارت مجهولة الهوية مخادعة من الدرجة الأولى، إن كانت تحبه وتخاف عليه كما كان يظن فكيف لها أن تخفي أمرا هاما كهذا؟! كيف لها أن تبني حياةً جديدة على الكذب والنفاق؟! كيف؟!
    اخرج هاتفه من جيبه ثم ضغط على شاشته عدة مرات ووضعه على أذنه حيث أردف بعبارات مختصرة:
    _ الو ايوة يا آسيا؟....انتي فين؟....طب خليكي مكانك انا جاي....هتعرفي لما اجي
    ثم أغلق الخط سريعا ولم يعد باستطاعته سماع المزيد فقد مجرد وصول نبرتها إلى أذنه يصيبه بالغضب العارم فكيف حين لُقياها؟ حتما سيكون لقاءً صعباً مليئاً بالأوجاع، فهو على قدر غضبه يعشقها ولكنه سيقسو على قلبه حتى يحقق مراده من تأديبها وعقابها بالطريقة التي تناسبها

    طرقات متتالية على باب الشقة جعلتها تقف عن الأريكة ثم تتجه لتفتح وقد خمَّنت وصول ريان بعد مرور نصف ساعة من اتصاله المُقتَضَب، ما ان فتحت الباب حتى وجدته يقف أمامها متخشبا قاتم المعالم ولكن لم تنتبه لذلك وإنما أشارت للداخل قائلة بابتسامة:
    _ اتفضل يا ريان
    دلف دون إبداء رد فعل لابتسامتها الواسعة لرؤيته من جديد بعد مرور ساعات على الإفطار، جلست على مقربة منه وهي تقول مازحة:
    _ كنت لسة هجهز صنية الغدا عشان ابعتهالك بس انت فاجئتني ف التليفون ان انت برة أصلا، حتى استغربت دانت دايما بتاخد استراحة قبل ما تكمل شغل من تاني
    وبينما هي تتحدث بحماستها المعهودة عند الجلوس معه كان هو بمكان آخر حيث يرتب خطوات ما سيقول لمواجهتها بتلك الحقيقة الصادمة وهو يتمنى بداخله أن تكون كذبة أو على الأقل تنكرها، لما لحظت صمته الرخيم ومعه ملامحه الواجمة ركَّزت بتعبيرات وجهه في حين تتساءل بقلق:
    _ باين عليك زعلان، في حاجة يا ريان؟!
    مجرد ان انتبه بعينيه الى خاصتيها المكسوتان بالقلق حتى انفلت زمام سيطرته على اعصابه ونسي المقدمات ودخل بصلب الموضوع متسائلا بقتامة:
    _ انتي كدبتي عليا ليه يا آسيا
    اتسعت عيناها فجأة بينما انقبض قلبها بخفقات سريعة حيث عقدت حاجبيها في حين تساله بدهشة:
    _ كدبت عليك ف...
    لم يسمح لها بإكمال تساؤلها وإنما هتف زاجرا:
    _ أيوة كدبتي، لما تكوني لقيطة وتدخلي عمارتنا انتي واللي المفروض كان ابوكي وماتعرفوناش يبقى كدبتي، ان يبقى فاضل على فرحنا شهرين وانتي تخبي عني حقيقة مهمة زي دي يبقى كدبتي، تحبي اجيب لك دليل ملجأ ..... اللي جيتي منه يا ست؟!
    ما أن لاح اسم الملجأ الى مسمعها حتى شهقت بفزع وقد تبين جذريا انكشاف الحقيقة أمام آخر من تمنت حدوث ذلك معه، عرف الحقيقة وسيتكرر السيناريو من جديد، سيناريو هروبها من المنطقة بأكملها وانتقالها مع صالح إلى حيث مكان ريان ووالده، صدمة خوف اجواء من الغضب الساخنة كانت تعم بالأرجاء، وقد قامت آسيا بما لم يتوقعه ريان بالمرة حينما ركعت أمام قدميه خانعة تهتف بصوتها الباكي في رجاء يكسوه الجزع:
    _ أبوس ايدك سامحني يا ريان، عارفة اني غلطت وكان المفروض أعرفك من الاول، أرجوك ماتعرفش حد
    ما كان جوابه سوى أن ظل على حاله صلدا يرمقها بمعالم قاسية متجهمة، لم يرق لحالها وهي ملاكه الصغير التي ما استطاع أبدا تركها تذرف عبرة واحدة! بل كان دوما لها خير جناح خاصة بعد وفاة والدها قبل عام، ابتعد خطوتين للوراء ما ان ظن كونها ستقبل قدميه في حين يتحدث بنبرة غاضبة يؤنبها:
    _ علطول كنتي تقوليلي انك بتحبيني وانك مش هتتخلي عني
    ثم رفع بضعة أوراق يمسكها بيننا هادرا بزجر:
    _ هو ده الحب اللي كنتي بتحبيهولي يا ست آسيا؟! أعرف حقيقة انك لقيطة من برة؟!
    أخذت عبراتها بالانهمار بلا انقطاع في حين تشعر بأنها عاجزة مكبلة لا تقو على النظر إليه، تشعر بالخطر يحلق حولها وقد أحست بتكرار المشهد من جديد حيث يقوم بفضحها كمن قبله، وفي ذات الوقت تتجنب نظراته الحادة وهي تشعر بالخزي بسبب كتمانها للأمر عن حبيب قلبها الذي سكن بربوعه دون أخذ الإذن حتى! فضلا عن تذكرها للحقيقة التي باتت كالعلقم في حياتها وليست بملك يدها لازالتها! فقط كل ما استطاعت القيام به هو أن تقف من جديد وأطرافها مزلزلة من شدة الخوف حيث تردف من بين نشيجها قائلة بتألم:
    _ انا آسفة أوي، عارفة اني غلطت ف حقك وكان لازم اقولك بدل ما تعرف من بعيد، وعارفة أن انت مستحيل تسامحني، ليك عندي همشي من هنا ومش هتشوف وشي تاني
    ودون أن تسمح له بفرصة الرد صعقته بنزع خاتم الخطبة عن بنصرها معيدة إياه إليه مكملة بحسرة:
    _ أكيد نصيبك مع واحدة أحسن مني
    ثم ابتعدت إلى الوراء بخطوات وئيدة حتى وقفت عند الباب تطلب منه الخروج دون كلام، فهم مقصدها وخرج دون أن ينبس ببنت شفة، خرج وهو يتخبط بأفكاره المتصارعة يكاد يصرخ من الألم على فقدانها وما اقدم عليه من عمل أحمق سيتسبب بفراق معشوقته الآسرة، ولكن كان وقع الصدمة شديد إلى الحد الذي دفعه الى طرد من كانت له كالوتين!

    _ بعد خلاء الأدلة من بين يدي محامي الادعاء ريان مختار الشرقاوي حكمت المحكمة حضوريا ببراءة المتهم أحمد عودة وإلغاء التهم الموجهة إليه، رفعت الجلسة
    ألقى كلمته الأخيرة مع طرقة عالية الصوت انبعثت من مطرقة العدالة معلنة انتهاء الجلسة وضجيج الفرح قد ملأ قاعة المحكمة ولكن ليس الجميع، فقد وقف ريان عن الكرسي وأخذ يلملم اغراضه داخل الحقيبة وعلامات الوجوم تكسو وجهه برعونة، فما كان ينقصه سوى هذا أيضا!
    وما كانت فرصة كهذه يستطيع أن يخسرها ماهر الذي تقدم منه حتى صار مقابله يحدجه بنظرات متشفية، فتجاهله ريان موليا وجهه إلى أوراقه مسارعا بلم حاجياته بينما ينطق ماهر بنبرة يسكن الخبث بربوعها:
    _ أهم حاجة تكون اتعلمت إن مش لازم تفتح لنفسك مكتب وتعمل كل التكاليف دي عشان تكسب قضية، المهارة هي المقياس يا ريان، مش المبادئ
    أغلق ريان الحقيبة بعنف حتى كاد يقطع سحابها في حين التفت إلى ماهر مواجها إياه بملامح ممتعضة تعلوها عيون حارقة تكاد تضرم النار به في لحظة، حاول الحفاظ على ثباته قائلا بمقت:
    _ مش شرط المهارة يا أستاذ ماهر، المبادئ هنا هي كل حاجة، ودي تماما إللي خليتني سيبت مكتبك واستقليت
    ثم أردف بنبرة باردة يتعمد استفزازه:
    _ بس واضح كدة أن في ناس خسروها بدليل الحادثة اللي حصلت لي وخسرتني أهم دليل كان هيوقع اللي بيدفع لك اتعابك وفرحان بفوزه ده!
    ضيق حدقتيه بحقد شديد وقد اصطكت أسنانه ببعضهما غيظا قبل أن يتحرك إلى الخارج بخطوات متسارعة غاضبة تاركا ريان الذي زفر في ضيق يعلوه التعب، يسير نحو باب المحكمة ومنه إلى سيارته الصغيرة والعبوس مرتسم بمعالمه حيث ما كاد يفيق من محادثته الأخيرة مع آسيا بالأمس واليوم خسر قضية من أهم القضايا التي لكانت لها دور جليٌّ بمستقبله المهني! يحاول جاهدا إلقاء همومه جانبا والتركيز بالطريق دون أن يستتبع شروده حادثا جسيما قد يقضي عليه! ما ان وصل إلى شقته حتى فتح الباب ثم دلف واغلقه ليستند يظهره عليه، ألقي الحقيبة جانبا ثم ابتعد إلى الصالون حيث يجلس على الأريكة ثم يغمض عينيه بارهاق شاردا بآسيا التي كان يتمنى فعليا لو تطرق الباب الآن كي تأتيه بالغداء ثم لا تنوي الذهاب قبل التخفيف عنه وتذكيره بكون القادم أفضل، تمنى ويا ليت المطالب بالتمني! بعد مرور دقائق أنصت إلى صوت طرقة الباب ليقف عن مجلسه سريعا ثم يتجه إلى الباب وقد تقافزت نبضاته حيث أحس للحظة بكون الطارق آسيا وامنيته ستتحقق الآن، وصدق حدسه حيث وجدها ورأى طلتها الرقيقة ولكن كانت شاحبة والوجوم يعتلي ملامحها! فانتقل ببصره سريعا الى الحقائب الكبيرة المجانبة لها، وليس الغداء كما اعتقد! عاد بعينيه إليها ما أن بدأت بالحديث قائلة باقتضاب:
    _ أخيرا لمِّيت كل حاجتي من الشقة
    ثم أخرجت مفتاحا وبعض الأوراق النقدية من داخل حقيبتها وناولتهم له قائلة تحت أنظاره المصدومة:
    _ اتفضل، إيجار الشهر ومفتاح الشقة
    انفغر فاهه وتصلبت عروقه وتجمدت نبضاته حيث خالفت ظنه ولم تأت للترويح عنه بأجمل كلمات التشجيع كعادتها، ظل مسلطا بصره عليها وقد انعقد لسانه عن الكلام وعقله صار مشتتا لا يعرف ماهية القرار الذي لابد من اتخاذه في هذا الظرف المباغت! ينظر إليها بنظرات مبهمة فسرتها غاضبة! واعطته العذر لذلك حيث ما عرف لم يكن بقليل! قطع شروده صوت السائق الذي اقترب منهما موجها حديثه:
    _ التاكسي جاهز يا آنسة
    ارتدت نظارتها السوداء منقذة الدمع الذي يكاد يحرق عينيها في حين تقول بلهجة جامدة ظاهريا:
    _ اوكي يالا
    حمل السائق حقيبتين من الحقائب بينما اختطفت آسيا نظرة واحدة إليه قبل ان تقول بهدوء:
    _ بعد إذنك
    ثم اختفت عن ناظريه كنسمة الهواء العليل مخلِّفة وراءها اختناق شديد أصاب صدره برحيلها، يرجوها بقلبه أن تبقى وتؤنس وحدته الموحشة بموافقتها كشريكة لحياته، في حين يلجمه العقل عن الحديث وقد بات هذا أفضل الصواب!
    ولكن لم ييأس هذا المتحكم بالخفقات بل كان كافيا لدفع صاحبه كي يهرول صوب النافذة المطلة على الشارع فيرمقها من خلف الزجاج متابعا إياها وهي ترقب دخول الحقائب ثم تتحرك لتحتل المقعد الخلفي، ما ان اغلقت الباب المفتوح زجاجه حتى رفعت بصرها إلى الأعلى فتلتقي نظراتهما للحظات قبل ان تطرق برأسها بحزن وقد خانتها عبراتها للخروج من جديد، ولم يكن حاله بأفضل بل شعر بفؤاده يختلج من مكانه راكضا خلف سيارة الأجرة التي تحركت بسرعة صوب وجهة لا يعلمها! وبقلوب مفطورة أعلن العاشقان الانفصال!

    مرت الساعات وكان الألم هو المهيمن على الأجواء، حيث تبكي وهي تستريح بظهرها على السرير بمسكنها الجديد بحرقة، تلعن حظها الذي وقعت فيه وتسبب بخسارتها لمن ظنت بقائه معها حلم جديد صعب التحقيق، ولما صار اصطدمت بواقع أليم ذكَّرها بكونها لقيطة لا حق لها في الحياة! حاولت التماسك وتناسي الأمر كما حدث بالسابق ولكن هيهات! فقد كان يجاورها قبلا صالح الذي تبناها من الملجأ وعاملها معاملة طيبة تليق بابنة لا متبناة، مع زوجه آية تجاهلا كون هذه الرقيقة لقيطة، بل اكتفوا بمعالم الراحة التي حلت بصدورهم فور رؤيتها، منتشلين إياها من همزات الموجودين وقد عانت طوال الوقت من كلمة لقيطة هذه حتى صارت تبغض حروفها! باتت ابنتهم الصغيرة التي ترعرعت في كنفهما واكتسبت طباعهما الطيبة حتى توفيت والدتها لتقضي سنون مراهقتها في رعاية والدها حتى أعجب بها أحد الزملاء في العمل، وبطبيعة صدقها التي تعلمتها من والدتها المرحومة، أخبرته بحقيقتها وياليتها ما فعلت حيث فضح أمرها وأخبر كل من بالعمل بذلك حتى تبدلت نظرات الأغلبية إليها ما بين شفقة وازدراء وكأنها هي من ارتكبت الخطيئة التي جعلت والدتها المزعومة تلقي بها بمكب القمامة عرضة للموت! والآن الأمر يختلف، فلقد فقدت من شعرت بوخزة الحب تصيب قلبها منذ سكنت مع والده ببنايته! فقدت من كان لها حبيب والآن انضم إلى جمع المحتقِرِين! ظلت تذرف الدمع حتى أحست بجفاف قنواتها الدمعية، فما كان منها سوى ان أطلقت آهة عالية تبعتها بصوت مستغيث هاتفة:
    _ يااارب، ارحمني

    كان يجلس أمام الطاولة الموضوع عليها طبقين من الطعام، اقتطع قطعة من رغيف الخبز، هم ليغمسه بقطعة الجبن البيضاء ولكن ورد إلى ذاكرته صوتها المشاغب وهي تنادي بغضب مصطنع:
    _ كل السلطة يا بيه
    فاجابها يقول بضجر:
    _ مابحبهاش
    _ معلش حبها

    ومشهد آخر قدمت فيه طبقا كبيرا به قطع من المعجنات قائلة بابتسامة:
    _ دوق الكرواسون اللي عملته باديا دول وقول رأيك
    وقد اجابها وقتها برضا وإعجاب:
    _ أكيد هيعجبني مش من ايديكي!

    وآخر حيث كانت تردف باحتجاج:
    _ قلت مية مرة ماتاكلش من برة، ده أكل مسمم
    فقال بنبرة معتذرة يبرر:
    _ معلش ده الموظفين طلبوا ديلفري ونادوني اكل، ماكانش ينفع ازعلهم، معلش آخر مرة
    لوحت بسبابتها أمام وجهه محذرة:
    _ اوعى تتكرر
    أجاب كاتما ضحكاته بشدة:
    _ حاضر يا ماما

    أبتسم رغما عنه بعدما تذكر قليلا من اللفتات التي تصير بينهما يوميا، مما دفعه إلى فقدان الشهية عن الطعام الذي لم تقدمه له آسيا، فوضع لقمة الخبز على سطح الطاولة ووقف مغادرا الطعام وقد أعلنت شهيته الإضراب!
    اتجه إلى غرفته وجلس على السرير، مسح على وجهه بتعب قبل ان يلتفت الى هاتفه الذي صدح بالرنات، ليزفر بضيق قبل ان يمسك بالهاتف عازما إغلاقه ولكن توقفت يداه ما ان أنتبه إلى الاسم المضيء بشاشته _الأستاذ راضي_ فبدلا من سحب الزر الأحمر اختار الأخضر ثم وضع الهاتف على أذنه وكل ما للدهشة من معنى صار باديا على وجهه، بينما يقول الطرف الآخر:
    _ سلام عليكم، ريان معايا؟
    أجاب ولا يزال على دهشته:
    _ أيوة أهلا يا أستاذ راضي، عامل إيه
    _ الحمد لله بخير، وانت؟
    _ الحمد لله
    ثم استطرد يقول متسائلا بنبرة يشوبها القلق:
    _ مالك يا ابني؟ باين من صوتك في حاجة مزعلاك!
    أردف ريان بنبرة متثاقلة:
    _ لا لا مافيش
    بالتأكيد لن يخبر غريبا بما يحدث معه بالمكالمة الثانية! بل لابد من الكذب، ولكن الأكيد هنا هو كونه يحمل بصدره اثقالا بحجم جبال ولكن يتعالى عن روايتها، نطق راضي بنبرة هادئة:
    _ طيب بص، تعالى نادي ..... وقولهم انك من طرف راضي شعلان، وأنا هكون مستنيك هناك
    تنهد ريان بألم قبل ان يردف بضجر:
    _ ممكن يا أستاذ وقت تا...
    قاطعه يقول بتصميم:
    _ مافيش مناقشة، تعالى ونتكلم سوا أحسن ما تقعد في البيت وتتعب
    ثم أغلق الهاتف سريعا دون انتظار رد منه فما عاد يحتمل المجادلة بل صدره بالأمر الواقع لئلا يرفض في حين شعر بقلبه الذي يكاد يرقص فرحا بعدما أحسَّ بعودة لقاء صغيره من جديد! كانت لوعة الاشتياق تحرقه، ودوما يحاول نسيانه بإنهاك نفسه في العمل حتى تراجعت صحته، يبحث عن حجَّة مناسبة للاتصال به ولا يجد! حتى أتاه خاطر اليوم بكون ابنه ملقى ببئر عميق معبأ بالأحزان ليجد نفسه ودون مشاورة عقله يتصل به لتتأكد شكوكه من صوت ابنه المتصلب المتصنع الجمود في حين يطلب دقيقة واحدة الاختلاء مع نفسه كي يجهش في البكاء كطفل صغير!

    ما ان انتهى ريان من هندمة ملابسه حتى اتجه إلى الباب فحمل مفاتيحه الخاصة بالمنزل والسيارة بينما يضع محفظته بجيب بنطاله، قبل ان تلامس يده مقبض الباب سبقته رنات الجرس ليدير المقبض ثم يفتح الباب فإذ بها كانت رنة تمارا التي صعق جديا للقائها في هذا المكان وهذا الوقت، أفرغ رأسه من كم الاسئلة قائلا ولا يزال مانعا طريق الدخول بجسده العريض:
    _ أهلا يا آنسة تمارا، عاملة إيه
    تنحنحت بصوتها الرفيعة نبرته قائلة:
    _ اهلا يا أستاذ ريان
    بادر يسألها بتعجب:
    _ في حاجة ولا إيه؟
    رفعت الأوراق التي كانت بحوزتها مادة إياها إليه قائلة:
    _ آه كنت عايزة أوريك آخر المستجدات ف قضية الملجأ وانت النهاردة ماجيتش المكتب
    ثم مدت شفتيها جانبا قائلة بشفقة مصطنعة:
    _ مسكين انا عاذراك، اللي شفته مش قليل
    على الفور فهم تلميحها وما تودُّ الوصول إليه، لما استشعرت عبوسه من التذكر أردفت تقول ببعض اللين:
    _ مش هتدخلني ولا إيه؟
    أجابها يقول معتذرا:
    _ آسف جدا يا آنسة، مش هقدر اراجعه معاكي دلوقتي عشان رايح مشوار، اجِّليه لبكرة وانا بإذن الله جاي
    على حالها تبتسم باريحية في حين تقول:
    _ تمام ولا يهمك
    وبالفعل صرفها وخرج من خلفها، احتل المقعد الأمامي بسيارة الأجرة بعدما أدلى بوجهته لسائقها، متجها إلى النادي الثقافي العملاق الذي ذكر اسمه راضي، آلاف التساؤلات قابعة بعقله، حول ماهية اتصال هذا الرجل من جديد، أيعقل أنه لا يزال يفكر بأمره كما يفعل هو؟ هل يعتقد نبرته مألوفة كما يظن؟ هل يجد في حديثه الراحة كما يحس هو؟ لماذا قد يهتم لأمره إلى الحد الذي يدفعه إلى دعوته للنادي في التو واللحظة للتخفيف عنه؟ بل الأحرى ان يتساءل، كيف ورد إلى ذهنه واتصل به كصديق عزيز يطمئن على صديقه؟
    ترجل عن السيارة بعد فترة من الوقت، تخطى تساؤلات الأمن حول بطاقة العضوية بمجرد تلفظه باسم راضي شعلان، وما استتبع ذلك من استنتاجه بكون هذا الرجل ذا نفوذ كبير في نادٍ لا يدخله سوى عِليَة القوم!
    ظل يتأمل المكان الكبير الاتساع حوله كالضائع تماما، حتى أتاه أحد النادلين قائلا باحترام:
    _ تعالى يا فندم، استاذ راضي بانتظارك
    اماء له ريان بوقار قبل ان يتبعه نحو المقهى الخاص بالنادي والذي يضم العديد من الطاولات كبيرة الحجم وأصحاب البدل الكاملة يترأسونها كل بعائلته عدا رجل هناك يجلس وحيدا، يرمق مياه النيل أمامه بشرود، جذب انتباه ريان قبل ان يُعلِمه النادل بماهيته هناك، والذي لم يكن سوى راضي شعلان!
    كان يحدق بالمياه العذبة أمامه بشرود شديد لم يقطعه سوى صوت خطوات اقتربت منه، أجفل عن الرؤية للنيل ملتفتا إلى مصدر الصوت وراءه والذي لم يكن سوى صغيره العزيز ريان، وقف فور رؤيته قائلا بسعادة:
    _ اهلا يا ريان
    ثم فرد ذراعيه استعدادا لاحتضانه ليمتثل ريان ولا يرد طلبه ويلقي بنفسه بين ذراعيه مجاملة تتحول إلى الإحساس بالسكينة حينما اصطدمت خفقاتهما معا، وتوالت الثواني حتى أكملت دقيقة ليبتعد عنه ريان بينما يقول مبتسما:
    _ الحمد لله بخير
    دعاه راضي إلى الجلوس مشيرا إلى الكرسي قائلا بترحاب:
    _ اتفضل
    ما ان جلسا حتى التفت راضي إلى النادل مناديا:
    _ متر
    ثم عاد يلتفت إلى ريان متسائلا:
    _ تشرب ايه؟
    تحدث ريان بنبرة ضائقة:
    _ لا ولا حاجة
    نطق راضي بعتاب:
    _ كدة يبقى انت بتزعلني يا ريان، عمرك سمعت عن قعدة كافيه من غير حاجة تشربها؟!
    لم يجبه وإنما أشاح بوجهه إلى الناحية الأخرى ولم يعد بإمكانه احتمال الحديث حتى، فهم راضي من ذلك كون ريان يحمل من الهموم ما لا يطيق فوجَّه حديثه إلى النادل قائلا:
    _ كوبايتين لمون
    ثم عاد ببصره إلى ريان الذي يكسو الألم والانكسار ملامحه وكأنه مهزوم بمباراة، حمحم مجلياً حنجرته قبل أن يتكلم بنبرة يسكنها بدون مقدمات:
    _ مالك يا سيدي؟ زعلان ليه؟
    أشاح ريان بوجهه نحو النيل أمامه قائلا بلا مبالاة:
    _ مافيش حاجة مواضيع شغل و...
    قاطعه راضي يقول بنبرة تصميم:
    _ ما تكدبش عليا يا ولد!
    عاد ريان يحدق به بينما يكمل راضي وهو ينظر باتجاه النيل بنبرة جادة:
    _ شايف النيل اللي قدامك ده، على الرغم من إنه شريان الحياة ومانقدرش نعيش من غيره، والمفروض انه يبقى مبسوط بكدة، إلا إني شايفه علطول زعلان، حزين عشان ما عادش البشر يهتموا بيه زي زمان، ما عادوش يحافظوا عليه ويعرفوا قيمته ولا يقدروها، عمري ما شفته فرحان!
    ثم عاد ينظر إلى ريان يتفرس بمعالمه قائلا:
    _ من عيونك قدرت اعرف انك شايل هم أكبر من النيل! يا ترى ليه يا ابني؟ معقول الحزن مشيِّلك للدرجة دي؟
    اعتصر ريان عينيه بقوة محاولا الحفاظ على رباطة جأشه قبل الانهيار وإطلاق الدمع أمام راضي والموجودين، ما ان فتح عينيه حتى وجد راضي يرمقه بتركيز دون ان يحيد ببصره الى جهة أخرى يحثه على الاطمئنان له والحديث معه، وهو ما كان ريان يتمناه وبشدة، أن يلقى من يستمع إليه بكل آذان صاغية! أطلق تنهيدة حارة من أعماق صدره قبل ان يسترسل في الحكاية التي بدأت قبل ثلاث سنوات بمجئ آسيا مع والدها صالح وكيف تعلق بها ولم يبين، وكيف بعدما مات والدها ووالده بنفس العام صارا أزرا لبعضهما في أقسى الأوقات، والآن يعرف عنها حقيقة مزقته ودفعته إلى القسوة على فؤاده لأجل عقابها ولم يكن يعرف انه لا يعاقب سوى نفسه! استمع إليه راضي إلى أن انتهى ريان من سرد هذه القصة العجيبة خاتما إياها بقوله متعجبا:
    _ انا السبب، انا اللي سبتها وف نفس الوقت كان لازم اسيبها، بس مش عارف اعمل ايه؟ انا مشتَّتْ، مش عارف أعمل إيه؟
    ربت راضي على ركبته قائلا بتساؤل:
    _ مش هي دي البنت اللي جات وخدت رقمي؟
    اماء ريان برأسه بحزن بينما أكمل راضي بنبرة واثقة:
    _ رجعها يا ريان
    قطب ريان حاجبيه بدهشة بينما يرمق راضي بتساؤل وقد وجد باقتراحه الأمان، بينما يكمل راضي بنفس النبرة الواثقة:
    _ ماقدرش اوصف لك اد أي هي كانت خايفة عليك وقت ما شافتك يوم الحادثة، البنت دي بتحبك يا ريان، الحب بييجي مرة واحدة بس، وانت خلاص خدت حقك من الحب واللي يستحيل تلاقي زيه في الدنيا
    ثم تشدق مستنكرا:
    _ قوم ترميه بالسهولة دي؟! وإن كانت لقيطة ماظنش ده ذنبها يا حبيبي
    نطق ريان بنبرة باكية متسائلا:
    _ يعني لو انا ابنك، تقبل اعمل حاجة زي دي؟
    تسارعت خفقاته كالمضخات فور نطق ابنه لتساؤل كونه ابنه وهو بالحقيقية ابنه! جملة عجيبة غريبة ولكنها حقيقة!
    حاول الحفاظ على انفعاله قائلا بنبرة صادقة يسكنها السرور:
    _ انا عشان باصص لك زي ابني بقولك روح لها حبيبي، انا ليا ولد واحد، وإنت التاني يا ريان
    أردف ريان قائلا بشكر:
    _ اشكرك جدا يا أستاذ، ده شرف ليا

    عاد إلى منزله بعد مرور ساعتين وتأكُّد راضي من رسم الابتسامة المتثاقلة على شفتيه كما بعقله حلا جديدا أيَّد القلب بقراره ولكن لا يزال العقل محاربا إياه، استلقى على سريره ثم أخذ يمسح على وجهه بتعب قبل ان يجد من تمسك بيديه بين كفيها الناعمين، فتح عينيه بسرعة ليجدها هي تجلس على ركبتيها مقابله ترتدي فستانا ابيضا بسيط الطراز، شعرها البني الكثيف منسدل على كتفيها حتى صارت كممثلات هوليوود وبطلتها الساحرة، ترمقه بابتسامة واسعة وعينين حالمتين ليردف بنبرة سريعة مستغيثة وكأنه كان بانتظار هذا اللقاء على أحر من الجمر:
    _ آسيا انا مش عايز اسيبك، آسيا انا بحبك، آسيا انا...
    قاطعته بوضع سبابتها على شفتيه إشارة إلى الصمت بينما تحتوي رأسه بين كفيها مقربة شفتيها من رأسه ليغمض عينيه بدوره حتى تقبل جبهته برقة ثم تبتعد بهدوء فيعود ليفتح عينيه من جديد، فلا يراها وقد تبخرت كنسمات الهواء حوله، أطلق زفرة متعبة وقد عاد يتخيل طيفها من جديد! فهل من سبيل الى الرحمة من سيطرة هذه المتحكمة بقلبه المستبدة؟!

    إرسال تعليق

    جميع الروايات والقصص المنشورة علي الموقع هي روايات مجانية أخذنا إذن بنشرها من أصحابها إذا وجدت أي رواية لها حقوق ملكية فكرية أو تُريد إزالتها من الموقع اتصل بنا ، ونقوم بحذفها فوراً .