-->

رواية جلاب الهوي كاملة بقلم رضوي جاويش

رواية جلاب الهوي كاملة بقلم رضوي جاويش

    رواية جلاب الهوي كاملة بقلم رضوي جاويش




    وقفت العربة رباعية الدفع السوداء امام البناية المقصودة ليطل منها هو ناظرا لها بتردد و أخيرا تنهد و اسند جبينه على عصاه في قلة حيلة يتساءل هل ما سيقدم عليه الان صحيح .. ام لا ..!؟.. دوما ما كان يحكم الشرع و الأصول و الأعراف في كل ما يقوم به من أفعال .. لكن ما يهم بفعله الان لا يجد له تصنيفا في ايهم .. لكنه رغم عن ذلك هو مضطر لفعله ..

    همس سائقه و كاتم أسراره مناع بصوت هادئ و هو مدرك تماما لتلك العاصفة العاتية التي تجتاح نفس سيده وولى نعمته :- مش هتنزل يا عفيف بيه ..!؟.. العمارة بتاعت الباشمهندس اهى ..

    رفع عفيف جبينه من فوق كفيه المتشابكتين فوق الرأس المعقوف لعصاه هامساً  بما يعتمل بصدره لمناع :- و الله ما اني عارف يا مناع اللى هنعِمله دِه صح .. و لا عملة شينة هنتعيروا عليها العمر كله ..!؟

    همس مناع بدوره :- يا عفيف بيه .. ما اللي حُصل برضك مش هين .. و انت باللي بتعمله بتمنع المصيبة الكَبيرة واللى بچد ممكن نتعيروا بسببها العمر بطوله و تطول عيال عيالنا كمان يا بيه ..

    هز عفيف رأسه متفهماً و مدركاً لصدق حديث مناع و حقيقة ما همس به ..

    تنهد من جديد و قد استقر به الامر ليندفع خارج السيارة و خلفه مناع لداخل البناية و التى جاءا خصيصا اليها ليمنعوا ما لا يمكن منعه او الوقوف امام طوفانه ..

    **********************

    وقفت في حيرة امام خزانة ملابسها لا تعرف ما عليها انتقائه لتضعه في تلك الحقيبة المشرعة أمامها على طول الفراش

    كل ما يدور برأسها الان هو انها لن تستطيع وداع اخيها الوحيد قبل سفرها المحدد له بعد الغد صباحا .. فها هي تجد نفسها مضطرة للسفر بديلا عن احدى زميلاتها الطبيبات لذاك المؤتمر بالخارج نظرا لظروف ألمت بها .. و ها هي متحيرة في كم الملابس و نوعها و المفترض وضعها في حقيبتها حتى يتنسنى لها الاهتمام بالامور الأخرى الخاصة بشقتهما .. تلك الشقة هى ميراثهما الوحيد من والديهما الراحلين و التي سكنتها معهما و أخيرا مع اخيها الذى يعمل الان مهندسا للرى معين حديثا بإحدى مدن الصعيد ..

    تنهدت وهي تندفع خارج الغرفة باتجاه المطبخ لتصنع لنفسها كوبا من الشاي الساخن لعله يمنحها بعض الدفء وتساءلت ماذا ستفعل في تلك البلاد الباردة التي هى في سبيل السفر اليها عما قريب وهي لا تحتمل البرد بهذا الشكل و ابتسمت و هي تحتضن كوب الشاي الذي صنعته على عجالة متخيلة نفسها أشبه بتلك الدجاجة التي تحتفظ بها في المبرد و هي وسط ذاك الثلج الذى يحيطها من كل جانب في تلك البلد الاروبية الباردة..

    جلست تضع شالها الصوفي يضم كتفيها والذي كان يوما ما لأمها و فتحت التلفاز لعلها تأنس بما يصرف عنها ذاك الشعور القاتل بالوحدة ..

    تستمر القصة أدناه

    و لكن لم  يفلح اي من تلك المشاهد المعروضة على الشاشة في جذب انتباهها لتسرح كعادتها في ذكريات الماضى الذى تزخر به أركان تلك الشقة العتيقة ..

    رحل والداها تباعا لتصبح هي المسؤولة عن اخيها الذى لا تكبره الا ببضع سنوات .. أصبحت الام و الأب له في مرحلة خطيرة من حياته .. لكنه لم يخيب ظنها وكان دوما نعم الأخ العاقل المستقيم أخلاقيا و دينيا والذي كانت تفخر به دوما في كل محفل مؤكدة على الرغم من فارق العمر البسيط بينهما انه ابنها و ليس اخيها ..

    لكم تفتقده ..!؟..

    يغيب كثيرا منذ جاء تعيينه في تلك البلدة البعيدة فلا تره الا عدة ايّام كل شهر او ربما اكثر .. وخاصة في الآونة الأخيرة اصبح يمر اكثر من شهر و نصف الشهر حتى ينعم عليها بزيارة لا تستغرق يومين لا تسمن و لا تغنى من جوع .. اه لو يعلم مقدار اشتياقها لمحياه و مجلسه الذى لا يخلو من المزاح و المحبة!؟..

    تنهدت و هي تتذكر عتاب احدى صديقاتها

    "... لما لا تتزوجي ..!؟.. هل عدم الرجال أنظارهم ..!؟.."..

    و كم ظلمت الرجال ..!! .. فالعيب فيها لا في الرجال .. فهى لم تعدم إطلاقا وجودهم بحياتها .. و كم تقدم لها الطالب تلو الاخر يتمنى الاقتران بها لكن هى من كانت ترفضهم بحجج مختلفة كان أولها اخيها و دراسته و انها كرست حياتها لخدمته حتى يقف على قدميه ويشق طريقا لمستقبله .. و ها قد فعل ..!؟.. فما حجتها الان ..!؟..

    الجميع يعلم انها على مشارف الثلاثين .. و انها بحكم عادة المجتمع الغبية هي الان على وشك الحصول على كلمة عانس و الدخول الى نادى العنوسة المجتمعي بجدارة .. فلا امل قريب في الاقتران بمن تراه مناسب قبل بلوغ هذه السن المخيفة ..

    ابتسمت في حسرة و هي تهمهم .. ان لا احد يدرك .. و لن يدرك بطبيعة الحال ان السبب الحقيقى في عزوفها عن الزواج هو رغبتها الدفينة و التي تحتفظ بها في أعماق قلبها .. انها تتمنى لو تتزوج عن قصة حب عميقة و رائعة كتلك التي عاشها أبواها ..

    ذاك السر الذى لم تطلع عليه حتى اقرب صديقاتها زينب وظلت تحتفظ به داخلها تغذيه يوما بعد يوم بأحلام وردية و حكايات من نسج خيالها عن فارس أحلامها
    كانت تشعر انها ستنال التقريع الشديد من صديقاتها ان أخبرتهم بذلك .. و تحاشت ان يتهموها بأنها لازالت ترفل في أحلام المراهقة و ان ذاك ليس تفكير طبيبة تعيش فى مطلع التسعينيات من القرن العشرين بل انها احلام فتاة من مطلع القرن الماضي .. و ان عليها النظر حولها للواقع الذى ينتظرها وليس الأحلام التى تُغرق صاحبها في التعاسة عندما يتأكد من صعوبة تحقيقها و يصطدم بالواقع ومجرياته .. +

    تنبهت ان كوب الشاي بين كفيها قد برد وهى لم تتناول نصفه تقريبا .. همت بالنهوض الى المطبخ مجددا الا ان جرس الباب علا رنينه لتستدير عائدة لتفتحه و هي تلتقط حجابها من على المقعد المجاور لباب الشقة .. رفعت قامَتَها القصيرة نسبيا لتنظر من تلك العين السحرية التى اصر نديم اخيها على تركيبها بالباب منذ امد بعيد حتى يصمئن بأنها لن تفتح الباب لغيره عندما لا يكون بالمنزل وخاصة عندما كان ينسى مفتاحه كعادته ..

    تطلعت عدة مرات في حيرة من تلك العين فلم تر بوضوح من يكون بالخارج ..

    هتفت بخوف من خلف الباب :- مين بره .!؟

    تكلم عفيف بلهجة هادئة لا تعكس مطلقا خبايا نفسه :- سلام عليكم .. افتحي يا داكتورة عايزينك ف كلمتين ..

    هتفت بنبرة ترتعش خوفا :- إنتوا مين ..!؟ و كلمتين ايه اللى إنتوا عايزيني فيهم ..!؟..

    هتف عفيف من جديد :- عايزينك بخصوص الباشمهندس نديم ..

    كان ذكر اسم اخيها هو كلمة السرالتي جعلتها تنتفض في ذعر لتفتح الباب بلا وعي و خاصة عندما ادركت انهم من الصعيد حيث يعمل اخوها وهتفت في قلق بالغ و هي تشرع الباب :- ماله نديم!؟.. هو بخير ..!؟.. أوعى يكون حصله حاجة!؟..

    تطلع اليها عفيف للحظة قبل ان يحيد بناظريه عنها تأدبا و هو يهتف :- متجلجيش يا داكتورة .. هاتعرفى كل حاچة .. بس مينفعش ع الباب كِده ..

    تنبهت انها لاتزال على عتبة الباب واقفة في ذعر و هو يقف في هدوء بجلبابه و عمامته وعصاه التي تسبق موضع قدماه بخطوة و خلفه يقف احد مرافقيه كأنه ظل له ..

    ترددت هل تسمح لهما بالدخول ام لا .. و خاصة انها بمفردها بالشقة و حتى خادمتها التى تعينها بأعمال المنزل من وقت لأخر ليست هنا ..

    ادرك هو ما يعتمل بنفسها من صراع ليهتف مؤكدا :- انا مش هاخد من وجتك كَتير يا داكتورة و مناع .. و أشار لمرافقه .. هيدخل معاي .. وهجولك المفيد و نتوكلوا ع الله ..

    كان فضولها و رغبتها في معرفة كل ما يخص اخيها اكبر من اي قلق او صوت تحذيري همس داخلها يردعها ..

    تنحت جانبا مفسحة لهم الطريق في محاولة لوأد التحذيرات التى تصدح عاليا بجنبات صدرها و تركت الباب مفتوح و الذى وقف مناع على عتباته كحارس لن يتزحزح عن موضعه حتى يأذن سيده بذلك..  عادت ادراجها للداخل حيث وجدت عفيف يقف في منتصف الردهة لا يحرك ساكنا ..

    همست محاولة تلطيف الأجواء :- اتفضل .. تحب تشرب ايه ..!؟..

    هتف عفيف بلهجة محايدة :- احنا مش چايين نضايفوا يا داكتورة ..!؟ فين اخوكِ الباشمهندس نديم ..!؟..

    هتفت بذعر :- نديم ..!؟.. ليه ..؟!!. هو مش المفروض عندكم ف الصعيد ..!؟.. مش إنتوا برضو من البلد اللى اتعين فيها بقاله سنة ..!؟..

    أومأ عفيف برأسه مجيبا :- ايوه .. هو كان متعين في بلدنا مهندس ري لحد امبارح ...

    هتفت في ذعر :- يعنى ايه ..!؟.. راح فين وعملتوا فيه ايه ..!؟..

    هتف عفيف بلهجة باردة :- انتِ اللى هتجوليلنا راح فين يا داكتورة دلال .. مش دلال برضك ..!؟..
    اومأت برأسها إيجابا و هي تهتف في تعجب:- أدلك ازاى على مكانه و انا معرفش هو فين أصلا ..!؟.. و بعدين انت عايزه ليه من أساسه!؟.. اخويا عمل ايه عشان تيجى تدور عليه بالشكل ده ..!؟..و انت مين م الأساس ..!؟..

    تستمر القصة أدناه

    رواية جلاب الهوي كاملة PDF بقلم رضوي جاويش



    جلس عفيف في نزق هاتفا :- ان كان على انا مين ..!؟.. فأنا عفيف النعماني .. كبير نچع النعمانية اللي اخوكِ شغال فيه .. و ليه بدور عليه!؟.. عشان المصيبة الكَبيرة اللى عملها و اللي لو ملحجنهاش هتضيع فيها رجاب و أولهم رجبة المحروس اخوكِ.. +

    شهقت دلال في رعب و لم تعلق للحظات محاولة استيعاب الامر برمته ..الا ان عفيف لم يمهلها لتستفيق حتى من صدمتها بل اندفع باتجاه الردهة الداخلية التى تشمل غرف المنزل ..

    هتفت هي في تعجب :- انت رايح فين .. !؟،..هي وكالة من غير بواب ..!؟..

    لم يستمع لندائها او اعتراضها بل اندفع يفتح جميع الغرف في ثورة عارمة حتى وصل أخيرا لغرفتها ليطالع الحقيبة المفتوحة على الفراش مؤكدة ان احدهم كان في سبيله للرحيل بدوره .. لمعت في رأسه الفكرة ليجز على أسنانه في غيظ هاتفا بصوت كالفحيح من بين شفتيه المطبقتين تقريبا و هو يستدير ليطالع دلال التى كانت في أعقابه تحاول منعه من اقتحام حرمة منزلها بهذا الشكل السافر :- جلك اهُربى جبل ما نوصلولك .. مش كِده ..!؟..

    تراجعت خطوة للخلف في هلع من مرأى الغضب الكامن في حدقتيه الفحميتين ..

    وردت في حروف متقطعة :- اهرب ايه .!؟ و اهرب ليه من أساسه ..!؟..

    هتف عفيف بصوت كالرعد :- تهربي عشان تداري ع المصيبة اللى اخوكِ وجع فيها حاله .. و هيوچعنا كلنا وياه .. هو مش عارف هو هيچر علينا ايه باللى عِمله دِه ..!!

    تجرأت و سألت في تردد:- معلش بس هو اخويا عمل ايه لكل ده ..!؟. اعرف بس ..

    همس بنبرة مشتعلة بالقهر :- اخوكِ يا داكتورة هرب وَيَا اختي الصغيرة .. و الله و اعلم ايه اللى حصل دلوجت ..

    شهقت دلال من جديد هامسة :- نديم مش ممكن يعمل كده ..

    هتف في غضب :- لااه .. عِمل .. وهي اللى چالت الكلام دِه بنفسها .

    واخرج من جيب جلبابه ورقة مطوية ألقاها باتجاه دلال التى تلقتها في عجالة و فضتها لتقرأ اعتراف المغفلة الصغيرة اخته بالحب..

    انها تحب نديم وقررت الهرب معه بعيدا رغبة في الحفاظ على ما بقي من حقها في اختيار شريك حياتها و حتى لا تُغصب على الزواج من احد أبناء عمومتها حتى ولو لم يكن مناسبا لها او لا تحبه ..

    أغلقت دلال الخطاب و نظرت الى ذاك الواقف كالطود بحجرتها لتشعر فجأة ان ابعاد الغرفة نفسها قد تغيرت و تبدلت بشكل عجيب ..

    همس ساخرا :- هااا.. صدجتى يا داكتورة ..ايه رأيك في عمايل اخوكِ ..!؟..

    هتفت مدافعة :- اخويا متربى و مش ممكن يعمل كده ..!؟.. ده تربيتى .. نديم لا يمكن يعمل كده ..

    انفجر عفيف ضاحكا بسخرية :- تربيتك ..!؟ و الله وتربيتك زينة يا داكتورة ..عرفتى تربي صحيح .. 1

    لتهتف هي بغضب كان المرة الأولى الذى يظهر جليا بصوتها منذ قدومه :- اعتقد تربيتى لأخويا اللي مش عجباك متفرقش كتير عن تربية اختك اللى هربت معاه.. 21

    ساد الصمت للحظات كانت نظرات كل منهما للاخر كفيلة بقتله حيّا .. وأخيرا قطع عفيف ذاك الصمت مندفعا باتجاه الحقيبة التى كانت ممتلئة لمنتصفها تقريبا بالملابس من كافة الأنواع و الأشكال ليغلقها بعنف هاتفا :- هما دجيجتين تچهزي فيهم حالك و تلبسي و أهي  شنطنتك چاهزة ..

    اندفعت هاتفة بحنق :- اروح فين!؟..واجهز ايه ..!؟.. انت اكيد جاى تهزر!؟.. انا مسافرة مؤتمر طبى مهم جدا بكرة ..

    هتف بلهجة جزلة :- مؤتمر مهم !؟ اكيد مش اهم من حياة اخوكِ و اللي ممكن يحصل له بعد العملة السودة اللى عِملها ..

    تنهدت و قد ادركت انه يعلم تماما نقطة ضعفها فهمست بقلة حيلة :- يعنى انت عايز ايه دلوقت ..!؟.. اخويا و انا معرفش مكانه و معتقدش انه عمل اللى انت و اختك بتقولوه ده .. مش يمكن بترمي بلاها عليه !؟ ..

    جز على اسنانه غاضبا :- و الله لو راچل اللى جال الكلمتين دوول لكان زمانه مدفون بمطرحه .. اما مكان اخوكِ .. سواء عرفاه ولا لاااه .. لما يعرف انك عندينا هايجي زاحف..  وساعتها هعرف مكان اختى .. و الحساب يچمع ..

    قال كلمته الأخيرة في لهجة جعلت البرودة تسري بأوصالها ويرتعش لها بدنها كله ..

    وأخيرا اندفع خارج الغرفة وهو يهتف في لهجة امرة :- هستناكِ بره يا داكتورة .. شهلى لسه الطريج طويل و ماجدمناش النهار بطوله..

    عاد لموضعه الأول مع مرافقه الذي لم يبرح مكانه في الردهة الخارجية بينما أغلقت هي باب حجرتها لا تعرف ما عليها فعله و لا كيف يمكنها التصرف ..

    نظرت للحقيبة المغلقة أمامها على الفراش و هي تشعر انها كالدنيا التي أغلقت أمامها  في تلك اللحظة المصيرية أبواب الخلاص ..

    فهل هناك من منجى ..!؟..

    ***********************

    قررت انها لن تستسلم لذاك المتسلط الذي جاء لبابها يرهبها و يثير فيها رغبة الحماية لأخيها لترحل معه بهذا الشكل .. انها لن تبرح مكانها حتى تدرك مكان اخيها لعلها تستطيع ان تنقذ ما يمكن انقاذه و خاصة ان ذاك الرجل لا يعلم لغة للتفاهم غير العنف و ما يمكن ان يتبعه من مصائب هى فى غنى عنها .. انها متأكدة ان اخيها لا يمكن ان يقوم بتلك الفعلة المشؤومة .. لا يمكن ان يضع نفسه فى مأذق كهذا ابدااا ولو بدافع الحب ..

    عزمت ان تضع قرارها موضع التنفيذ و تسللت بخفة من حجرتها حتى المطبخ و فتحت بابه الذي يطل على سلم الحريق كما هو الحال فى معظم البنايات القديمة ..

    وما ان هبطت السلم حتى اصبحت خلف بنايتها فاندفعت تشير بلهفة لأحدى سيارات الأجرة التى توقفت بجوارها لتصعدها على عجالة امرة السائق بالاندفاع مبتعدا فى أقصى سرعة ..

    طال انتظاره لها و شعر ان الامر اصبح غير عادي بالمرة .. توقف على اعتاب الردهة مناديا :- يا داكتورة .. متهئ لي طولتى جووى كِده ..

    لم يسمع ردا .. فشعر بالقلق يعربد بصدره فاقترب من باب الغرفة فإذا به مشرعا و هى ليست بالداخل .. اندفع باتجاه المطبخ و صدق حدسه عندما رأى ان هناك باب اخر للخروج غير باب الشقة الأصلي و انها هربت ..

    صرخ لاعنا مما استرعي انتباه مناع خفيره ليلحق به للداخل هاتفا فى اضطراب :- چرى ايه يا عفيف بيه !؟..

    هتف عفيف بغيظ :- هربت .. هنعملوا ايه دلوجت !؟.. جلت هتاچي معانا .. چوم اخوها يظهر و نلموا الموضوع بدل الفضيحة ما تفوح ريحتها و تبجى سيرة النعمانية على كل لسان .. و الله ساعتها ما هيكفيني الا اني اشرب من دمهم الچوز..

    هتف مناع محاولا امتصاص غضب سيده :- هتداوى يا عفيف بيه .. ربك هيدبرها ..

    اندفع عفيف خارج الشقة و تبعه مناع بدوره و اغلق خلفه بابها و هو يشفق فى قرارة نفسه على حال سيده الذى وضعته اخته الصغري فى مأذق كهذا ... كانت مدللته و اخته الوحيدة التى لم يكن يرفض لها طلبا و لو كان فى اقاصى الارض .. كيف تفعل به ذلك !؟.. كيف تضع رأسه في الطين و تجعل ذكره العطر مضغة فى افواه أسافل البشر ..

    اندفع عفيف لداخل السيارة وتبعه مناع امام مقودها وهمس فى حذّر متقيا نوبة غضب سيده :- هنطلعوا على فين دلوجت يا عفيف بيه !؟.. ع النچع ..!؟

    هتف عفيف فى اصرار :- لاااه .. مش راچع الا و معايا حد فيهم .. يا الباشمهندس و اختي .. ياخته الداكتورة عشان تبجى الطعم اللي يچيبه .. مش هعتب النچع الا و حد فيهم بيدي .. اطلع ع الفندج اللي بيتنا فيه عشية .. و ترچع انت على هنا تاني  تجعد جدام العمارة .. و لو لمحت الداكتورة رچعت تكلمني ف ساعتها ..

    هتف مناع مؤيدا :- حاضر يا عفيف بيه .. مش هايغمض لى چفن لحد ما ربنا يسهلها و ترچع ..

    هتف عفيف و مناع يدير السيارة مبتعدا :- هترچع .. يعنى هتروح فين !؟.. و خصوصى انها جالت لى انها مسافرة بكرة و كانت محضرة شنطتها .. يعنى غصبا عنها هترچع ان مكنش عشان السفر ..هترچع عشان اخوها..

    ابتسم ابتسامة صفراء عندما استشعر انه على حق .. و انها لامحالة عائدة من جديد الى شقتها و لن تستطيع ان تبتعد مهما حاولت ..

                 ***************

    بكت دلال بدموع ساخنة و صديقتها زينب تقدم لها مشروبا ساخنا فى محاولة لتهدئة أعصابها المحترقة لوعة على اخيها الأصغر ..

    هتفت دلال من بين دموعها :- مش عارفة اعمل ايه !؟.. قوليلى يا زينب .. اعمل ايه !؟.. بقى بزمتك نديم ممكن يعمل اللى بيقول عليه الراجل العجيب ده !؟.. انت تصدقى الكلام الأهبل ده على نديم!

    هزت زينب رأسها نفيا مؤكدة بثقة:- طبعا مش ممكن .. نديم ميعملش كده .. لا تربيته و لا اخلاقه تسمح له بانه يعمل الكلام المريب اللى قاله الراجل المجنون ده .. اهدى بس انت يا دلال و اكيد نديم هيظهر بين لحظة و التانية و نفهم منه ايه الحكاية ..

    انتفضت دلال صارخة :- نفهم ايه يا زينب !؟.. هو الراجل ده هيسيبه اصلا لو ظهر !؟.. ده مش بعيد يقتله حتى من قبل ما يتكلم معاه و يعرف فين الحقيقة .. دوول شكلهم ناس مش بيتعاملوا الا بالسلاح .. و الدم أرخص حاجة عندهم .. يا حبيبى يا نديم .. يا ريتنى ما وافقت تتعين بعيد كده .. انا ايه اللى خلاني سبيتك تبعد عني !؟... اعمل ايه يا رب !؟.. اعمل ايه ..!؟.

    لم تنطق زينب بحرف فلم يكن لديها ما تواس به صديقتها فقد كانت على حق بكل كلمة نطقتها و ما من هناك لحل لتلك المعضلة ..

    مرت لحظات من الصمت لم يقطعها الا شهقات متقطعة صادرة من دلال على حال اخيها الذى لا تعلم مصيره حتى اللحظة الآنية ..

    و اخيرا هتفت فى حزم :- انا هروح مع الراجل ده و اللى يحصل يحصل ..

    انتفضت زينب مذعورة :- انتِ اتجننتى يا دلال !!.. تروحى فين!؟.. تروحى بلاد بعيدة مع حد ما نعرف ان كان صالح و لا طالح!؟..او حتى ممكن يتعامل معاكى ازاى !؟ .. و لا يعمل فيكِ ايه !؟..ده جنان رسمي

    هتفت دلال بقلة حيلة :- امال اعمل ايه !؟.. اسيبه لحد ما يوصل لنديم و يعمل فيه حاجة !؟.. اهو لو رحت معاه أكون موجودة لو حصل حاجة يمكن اقدر انقذ الموقف .. اهو أكون قريبة منه و اعرف اذا كان نديم وقع ف ايده و لا لأ .. يمكن ساعتها اقدر اتصرف .. اعمل اى حاجة يا زينب بدل ما اقعد كده حاطة أيدي على خدي مستنية خبر اخويا يجيلي ..

    ربتت زينب على كتفها متعاطفة و هتفت فى إشفاق :- و الله ما عارفة اقولك ايه !؟.. ربنا معاكِ .. و ينتهي الموضوع ده على خير ..

    انتفضت دلال فى اتجاه باب الشقة راحلة لتهتف زينب متعجبة :- على فين دلوقتى !؟.. استنى طب خدى نفسك .. انت ملحقتيش تستريحي م المشوار ..

    هتفت دلال و قد كانت بالفعل تقف على اعتاب الشقة الخارجية :- مفيش وقت يا زينب .. لازم ارجع و حالا .. انا متأكدة ان اللى اسمه عفيف ده مستنيني .. لازم أخليه يرتاح انى بقيت ف ايده قبل ما نديم هو اللى يقع ف ايده و ساعتها معرفش ايه اللى ممكن يحصل .. دعواتك ..

    هتفت زينب خلفها بعد ان اندفعت مبتعدة :- ربنا معاكِ .. و لو احتجتى اى حاجة اتصلى بيا .. و متقلقيش هبلغ اعتذارك حالا عن السفرية .. ربنا يسهل لك الحال ..

    هتفت دلال مؤمنة :- اللهم امين ..

    اشارت لأحدى عربات الأجرة لتستقلها عائدة الى حيث ذاك الذى تعلم تمام العلم انه بانتظار ظهورها.. و هاهى قادمة لتقدم له نفسها قربانا على طبق من فضة فداء لأخيها .. و ليكن ما يكون ..

                *******************

    كان القطار يتهادى مبتعدا عن محطة قنا وامامه اكثر من ثلاث عشرة ساعة سيقضيها يمخر عباب الطريق من قلب الصعيد حتى القاهرة و منها للأسكندرية .. كانت عيناه فى سبيلها للنعاس الذى جافاه  بعد كل ما حدث عندما استيقظ بكامل وعيه مع صوت رئيس القطار مناديا رغبة فى الاطلاع على التذاكر ..

    مد كفه بداخل سترته الثقيلة و أخرجهما ليهز رئيس القطار رأسه فى استحسان و يندفع متجها لأحد المقاعد الأخرى .. لاحت منه نظرة جانبية على محياها .. كانت قد راحت فى النوم منذ مدة قصيرة فقد جافاها النعاس بدورها .. فما حدث خلال الساعات الماضية يشيب له الوليد .. اشفق على حالها و هو يراها تضم ذراعيها حول جسدها رغبة فى بعض الدفء ..

    نهض و خلع عنه سترته ووضعها برفق عليها و رغم انه حاول الا يوقظها بفعلته الا انها انتفضت فى ذعر متطلعة اليه فى شرود لدقيقة و اخيرا تذكرت ما حدث فدفعت سترته بعيدا فى رفق و بدأت الدموع تترقرق بمآقيها و استدارت تولي وجهها لنافذة القطار الزجاجية التى لمح دموعها الصامتة منعكسة على صفحتها .. تنهد فى قلة حيلة و ادار ظهره لها بدوره و هو يتساءل فى اضطراب و تيه .. هل ما فعله كان صحيحا !؟.. و هل كان عليه الهرب برفقتها !؟.. لم يجد نديم ما يجيب به على تساؤلاته التى شعر انها متأخرة بعض الشئ عن موعدها الطبيعى و المنطقى اناذاك غير زفرة قوية خرجت لاأراديا من اعماق صدره مؤكدة على كم المعاناة التى يرفل فيها عقله و مدى التيه الذى يسربل قلبه ...

             ********************

    ما ان هم عفيف بوضع عصاه جانبا و شرع فى خلع عمامته حتى سمع رنين هاتف يلح فى طلبه .. اندفع ملبيا ليؤكد عليه عامل الفندق انها مكالمة لأجله .. جاءه صوت مناع هاتفا فى لهفة :- رچعت يا عفيف بيه .. الداكتورة اخت الباشمهندس توك راچعة ..

    هتف عفيف فى عجالة :- طب خليك مطرحك .. و راجب مدخل العمارة و كمان خلى عينك على السلم الورانى اللى هربت منيه .. و انا چاى مسافة السكة .. سلام ..

    اغلق عفيف الهاتف و اندفع يضع عمامته على عجالة و يجذب عصاه مندفعا للخارج ليلحق بها ..

    لم يمر بعض الوقت الا و كان عفيف امام البناية من جديد .. اندفع باتجاه مناع متسائلا :- هااا .. خرچت و لا لساتها فوج !؟..

    اكد مناع :- لاااه .. تخرچ فين و انا چاعد من ساعتها كيف الصجر !؟.. لساتها چوه ..

    هتف عفيف امرا :- طب تعال وراي ..

    اندفع عفيف بداخل البناية و خلفه مناع في عقبه كظله .. ما ان هم بطرق باب شقتها حتى وجدها تفتح فى هدوء و بجوارها حقيبة ملابسها التى كانت مشرعة منذ ساعات قليلة على فراشها و هى تقف فى ثبات هاتفة بنبرة حازمة :- انا جاهزة يا عفيف بيه ..

    هتف و على شفتيه ابتسامة صفراء كرهتها من فورها :- كنت عارف انك هترچعي .. اتفضلى يا داكتورة..

    مد مناع كفه متناولا حقيبتها حاملا إياها وهبط الدرج فى صمت لتغلق هى باب شقتها خلفها .. ليهبط عفيف الدرج بدوره و هى خلفه تتبعه فى هدوء ..

    ما ان وصلا حتى العربة السوداء الفارهة حتى توقفت للحظة و عفيف يفتح بابها الخلفى هاتفا :- اتفضلي..

    وقفت فى تيه للحظات لا تعلم هل ما تفعل فى صالح نديم !؟.. هل ذهابها سيكون رمانة الميزان التي ستحفظ التوازن عندما تحل الكارثة و يجده ذاك الرجل !؟.. ام انها تقدم نفسها الان كبلهاء على طبق من فضة كطعم لاصطياد اخيها ليقع بين براثن ذاك العفيف!؟

    تاهت فى خواطرها و نزاعات نفسها و لم تستفق الا على طلب عفيف هاتفا :- اتفضلي يا داكتورة اركبى !؟.. و لا غيرتي رأيك !؟..

    كان ردها هو اندفاعها داخل العربة و قد سلمت امرها لله و استودعته نفسها و أخيها .. و ليقض الله امرا كان مفعولا .. مرت لحظات حتى انتفض قلبها بين صدرها و ازداد وجيبه عندما بدأت السيارة فى المسير لتبدأ رحلتها الى ارض لم تطأها اقدامها من قبل .. رحلة لا تعلم مداها و لا ما يخبئه لها القدر خلالها .. ألتقطت انفاسها فى عمق و تطلعت من النافذة فى اتجاه المجهول ..

                *******************

    يتبع غدا الجزء الثاني

    إرسال تعليق

    جميع الروايات والقصص المنشورة علي الموقع هي روايات مجانية أخذنا إذن بنشرها من أصحابها إذا وجدت أي رواية لها حقوق ملكية فكرية أو تُريد إزالتها من الموقع اتصل بنا ، ونقوم بحذفها فوراً .