رواية نجمة الباشا الفصل السادس 6 كاملة - دينا ابراهيم ورحمة سيد

رواية نجمة الباشا الفصل السادس 6 كاملة -  دينا ابراهيم ورحمة سيد

    رواية نجمة الباشا الفصل السادس 6 كاملة 



    رواية نجمة الباشا كاملة 
    من هنا


    أغلق "سليم" الهاتف مع المأمور بعد أن أخبره بتأجيل طلب أجازته في الوقت الحالي، تنهد بينما يفرك عينيه المنغلقة يشعر أن الآم رأسه قد زادت، عض شفتيه في آسى فقد مر أسبوعين منذ تلك الليلة التي جن جنون غيرته فيها بسبب نجمة، ولم يتذوق فيهما طعم النوم مع الهاجس التي زرعته نجمة ملتهمًا ما تبقى من عقله.
    يشعر بتأنيب ضمير قاتل كلما تذكر الذعر الخام داخل مقلتيها صحيح أنه تراجع عن لعبته معها ما أراده هو تطبيق المقولة المتبعة في مجاله "قرصة ودن" كي لا تنساق وراء جنونها وتفقده هو صوابه، ليكتشف بعدها انه فاقد لصوابه بالفعل فـ نجمة حبيبته وليست أحد المجرمين ليفعل فعلته تلك.
    استقام ثم مط ذراعيه يحاول التغاضي عن شعور التكسير المتملك لجسده متمتمًا:

    -منك لله يا نجمة، بهدلتي قلبي وضيعتي عقلي ودلوقتي صحتي بتروح مني بسببك يا شيخة!

    توقف عن مط ذراعيه ثم رمش مرتين على التوالي قبل ان تنكمش ملامحه في استنكار هامسًا:

    -والله عال وبقيت أكلم نفسي كمان!

    زفر في حدة وانزعاج مما وصل إليه حاله فها هو يجلد ذاته داخل جدران مكتبه ويحارب مشاعر شوقه لها ولصوتها الرقيق بينما هي تعيش حياتها منعزلة عنه دون أن تفكر مرة بالتواصل معه!
    ليسخر عقله منه، لما تلومها وأنت الجاني في معاقبة نفسك بعدم الاقتراب منها مقتنعًا بأن أي حركة منك ستجد رد فعل من نجمة مصدره خوفها منك ومما يمكنك فعله بها.
    زمجر مستنكرًا جنونه، فقد قولب ذاته بفعلته داخل قالب الجبروت دون وعي منه وبالطبع هي لن تبادر بالاتصال به وكل فعل منها حوله سيكون كالمشي على قشور البيض.
    حرك كفيه فوق خصلات شعره القصيرة في شبة هستيريا يرغب في اقتلاع رأسه الذي يتخذ بها قرارات متهورة دون تفكير، فها هو الآن يخشى التقرب من سارقة القلب فيكتشف انه خسرها وفقد ثقتها للأبد.

    -ايه يا باشا أخبار النجمة أيه ؟

    قطع "عدي" زميله أفكاره فرمقه سليم في ذهول قبل ان يرد متعجبًا:

    -نجمة، أنت عرفت منين؟!

    عقد عدي بين حاجبيه متمتمًا ببلاهة وهو يتقدم من سليم يتحسس جبهته:

    -مالك يا سليم يا حبيبي ما كل الناس عارفه هو سر !!

    ازداد ذهول سليم أضعافًا وعقله المُغيب بمُعذبته ونجمته يرميه نحو هوة بعيدة كل البعد عما يقصده عدي، لكنه همس في عدم فهم:

    -كل الناس عارفه ازاي يعني، جاوب بصراحة عرفت منين موضوع نجمه ده؟

    حينها لم يستطع عدي كبت ضحكته وهو يربت بأصابعه فوق كتفه في استنكار:

    -في أيه يا أبو المجاريح مالك؟
    أنا قصدي النجمة اللي فوق كتافك يا حضرت الظابط، الترقية يعني ده أنت ضايع.

    حينها زفر سليم بعنف وهو يضرب على جبهته غير مصدقًا... لا يصدق أن كل الإشارات بعقله أصبحت تشير لشيء واحد... نجمته التي قلبت حياته وتفكيره وعقله رأسًا على عقب.

    أما عدي فقد جلس جواره غامزًا بطرف عيناه مشاكسًا إياه:

    -اللي واخده عقلك!

    حرك سليم رأسه في قلة حيلة محيطًا وجهه بيداه معًا يؤكد على جملة صديقه التي أحسها بكل جوارحه:

    -هي سرقت عقلي وسرقت قلبي وسرقتني من حياتي كلها فعلًا يا عدي.

    ارتفع حاجبي عدي الذي هز رأسه وهو يسبل أهدابه مغمغمًا بنبرة درامية ساخرة:

    -اممممم وإيه كمان يا حنين؟

    حينها انتبه سليم أنه إنساق خلف التيه الذي يجتاح روحه، فهب يضرب عدي الذي تعالت ضحكاته بينما سليم يزمجر بغيظ:

    -تصدق أنا راجل مشوفتش تربية عشان افضفض مع واحد زيك، اتكل على الله ياعم شوف رايح فين!

    ضحك عدي على حالة صديقه ثم قال من وسط ضحكاته بينما يلقي السلام مغادرًا:

    -خلاص ياعم ماتزقش اديني ماشي، لو احتاجتني أي وقت رنلي.

    -اتكل على الله يا عم!

    صاح بها سليم في انزعاج ثم جلس يزفر بعنف مقررًا معاودة اشغاله التي يؤجلها منذ الصباح فقاطعه صوت رنين هاتفه، ليتمتم مستنكرًا:

    -مش هنشتغل في يومنا ده!

    رفع الهاتف فكاد يسقط من بين أصابعه عند لمح أسم نجمة يضيء الشاشة، فجأة ارتبك متسائلًا هل يجب أن يجيب؟
    شعر بسعادة مختبئة خلف رجفة تملكت قلبه، لكن الوقت قد فات والرنين توقف.
    أغمض جفنه الأيمن أثناء زمه لشفتيه يشعر بالحيرة لكنه يخشى اجابتها خوفًا من قرارها بمواجهته بفعلته المشينة لأنه حاليًا لن يتمكن من ايجاد مبرر لها، أما ان كانت تتصل بدافع الخوف فوقتها ستتمزق احشاءه وهنا أيضًا لن يجد رد مناسب.
    عاد الهاتف للرنين من جديد لكنه استقام مغادرًا مقررًا ترك هاتفه داخل حقيبته الصغيرة خوفًا من الاستسلام والتراجع عن قراره.

    *****

    قبل ساعتين من تلك الواقعة....

    داخل منزل نجمة، استيقظ الجميع على صوت خبطات متتالية متسارعة الرتم فوق باب المنزل، خرج والدها اولًا هاتفًا:

    -طيب طيب، في حد يخبط كده؟!

    فتح الباب في انزعاج واضح لكنه فوجئ باندفاع أربعة رجال توسطهم صاحب المبنى الذي يقطن فيه والذي يحاول منذ الأزل إبطال عقد الإيجار القديم الخاص بشقتهم واسترجاعها، هتف "شاهين" والد نجمة مستنكرًا:

    -انت اتجننت يا صلاح، بتتهجم عليا في بيتي؟

    -اصبر على رزقك لسه التهجم مجاش وقته،
    أنا جاي اديك إنذار بالإخلاء الودي يعني أنت تعزل من سكات ونقطع العقود ويا دار ما دخلك شر...قولت أيه؟

    تقدمت نجمة في خطوات مرتعشة تحاول مساندة والدها مستهجنة:

    -أيه شغل قطاع الطرق ده يا أستاذ صلاح،
    بابا ماضي عقد مع والدك الله يرحمه واللي أنت بتعمله ده ما يصحش ومتفتكرش اننا هنسكت ونعديه بالساهل ابدًا.

    تدخل والدها يدفعها نحو زوجته يخشى عليها من الشر المشع من عيون هؤلاء الرجال، ثم حاول دفع الرجال للخارج أثناء حديثه الحاد:

    -ادخلي جوا يا نجمة، كلامنا برا يا صلاح مش وسط اهل بيتي،
    أنا سبق وقولتلك رجعلي فلوسي وانا هاخد بيها شقه وامشي من هنا،
    لكن انت عايز تتجبر عليا وتاخد مني شقتي وفلوسي اللي دافعها لأبوك.

    دوت ضحكة صلاح الذي أغلق الباب محتميًا برجاله قائلًا في لهجته الساخرة:

    -فلوس؟
    وهي شوية الملاليم اللي ادتهم لأبويا دول فاكرهم فلوس، دول اعتبرهم حق قعادكم في شقتي يا حبيبي.

    اشتغل وجه شاهين بالغضب ليخبره مزمجرًا:

    -مش هيحصل يا صلاح وانا مش هسكت على حقي وبالقانون.

    دوت ضحكة صلاح من جديد أثناء تحريكه لأصابعه معلنًا في تحدي:

    -حلو يا حبيبي، خلي بقى القانون ينفعك.

    علت صرخات نجمة ووالدتها وهن يتابعن أحد الرجال يندفع كي يعتدي على والدها بالضرب في قوة ردت جسده للخلف، اندفعت نجمة تدافع عن والدها وسط صرخاتها المرتعبة ليمسك رجلًا أخر معصمها موقفًا تقدمها.

    -كفاية!

    صرخ صلاح في رجُله رافعًا كفه كي يتوقف قبل أن يهدد شاهين والشر ينضح من مقلتاه:

    -معاك لحد بليل يا شاهين لو الورق مجاش واتقطع قدامي هولع في البيت باللي فيه،
    ميبقاش من ماله ولا يهناله يا ... يا حبيبي ... بينا يا رجالة.

    دفع الرجل نجمه نحو والدها المستند على ركبتيه والذي يرفض إظهار الضعف أمام أهل بيته فصاح شامخًا:

    -وديني ما هسيبك يا صلاح وديني ما هسيبك!

    لم يبالي صلاح بتهديداته وأشار لرجاله باتباعه والمغادرة مغلقين الباب خلفهم، أمسكت نجمة بذراع والدها تشعر بالقهر هامسة وسط بكاءها:

    -قوم يا بابا منهم لله.

    -متعيطيش يا نجمة ابوكي مش هيسكت على الإهانة اللي حصلت دي.

    هزت رأسها توافقه والدماء السائلة على جانب فمه تسقط على قلبها كالسم القاتل وتسخر من ضعفها ولأول مرة في حياتها تمنت لو كانت رجلًا وليست امرأة ضعيفة، تقدمت والدتها المرتعدة نحو زوجها وحسدتها نجمة للقوة التي تظهرها ملامحها وهي تواسي زوجها:

    -ولا عاش ولا كان اللي يهينك يا اخويا، احنا مش هنسكت قوم معايا، قوم..

    سندته والدتها محتضنة إياه نحو غرفتهما مغلقة الباب أمامها ومنها إلي المرحاض بالتأكيد لتضميد جروحه البسيطة ولإخفاء قهره عن عيني ابنتهما، مسحت نجمة دموعها في غضب ما ان انتقلت أفكارها إلى سليم وتلقائيًا وجدت نفسها تركض تبحث عن هاتفها متناسية وعودها ومخاوفها بعدم الاقتراب منه فقلبها يعلم ان لا سند لها غيره.
    بلعت حسرة تجاهله عندما اتصلت أكثر من مرة فقوبلت بعدم اجابته، رمت الهاتف من يدها وسحبت ملابسها مقررة المخاطرة والذهاب بنفسها إليه وبالفعل دقائق قليلة وكانت تتسلل للخارج دون اخبار والديها برحيلها متأكدة ان ذويها منشغلان ولن ينتبها إليها الآن.

    *****

    وقف سليم أمام سيارة مخفر الشرطة يحادث بعض زملاءه قبل ان يهتف لأحد الرجال:

    -حد يجيبلي شنطتي من فوق قبل ما نطلع.

    -حاضر يا باشا.

    هرع الرجل ينادي أحد العساكر ولم ينتبه سليم للباقي وقد لمح نجمة تتقدم نحو البناء في عزم وهالة منظرها الشاحب والدموع الجافة فوق وجنتيها، تقدم نحوها في هلع حتى انتبهت له وغيرت مسار خطواتها تقابله سريعًا، ارتجف قلبها في اطمئنان تحاول اطفاء مخاوفها عندما وقف أمامها مباشرة يتفحصها بقلق يشع من عينيه متسائلًا في نبرة متوترة:

    -نجمة، مالك يا نجمة، حصل أيه؟

    حاولت السيطرة على ارتعاشه شفتيها وكبح حزنها لكنها انفجرت باكية تخبره في اضطراب دون قدرة على تمالك مشاعرها:

    -بابا ... بابا يا سليم اتضرب.

    اضطرب سليم واتسعت عيناه وهو يتابع انهيارها وسمح لنفسه بمسك ذراعها وسحبها معه نحو سيارته المركونة على بُعد أمتار قليلة منهما ومن أعين المارين.
    جلست جواره في صمت تحاول السيطرة على شهقاتها بينما يبحث هو عن قنينة الماء يقدمها لها ويراقبها ترتشف منها وتتنفس في بطء، لا يريد أن يزيد من هلعها وحدسه ينبئه بأن هناك كارثة قد حلت بها دفعتها للقدوم إليه بتلك الطريقة، فأخبرها في صوت يخفي خلفه الكثير من الهواجس:

    -براحة أهدي وأحكيلي كل اللي حصل؟

    حركت نجمة رأسها في موافقة وجذبت بضع أنفاس وهي تتعلق بالأمان داخل عينيه بتلقائية، ثم اخذت في تلو ما حدث على مسامعه وملامحها تتنقل ما بين الغضب والقهر بينما يهز سليم رأسه يحثها على الاستمرار حتى انهت سردها بجملتها التي خطفت قلبه:

    -ولقيت روحي جيالك وعارفة أنك الوحيد اللي هتقدر تسندني.

    رفع أصابعه يربت على جانب وجهها الرقيق مؤكدًا:

    -وأنا مش هخيب ظنك، روحي البيت وسبيلي أنا الموضوع ده،
    وغلاوة دموعك دي ما هيعدي انهارده غير وأنا جايبلك حقك.

    احتضنت نجمة يده بكفيها هامسة في امتنان وخجل:

    -أنا اسفة اني بشغلك وبخليك....

    -بس بلاش كلام عبيط، لو مش أنتي اللي هتشغليني، هنشغل بمين؟

    حركت نجمة رأسها ولأول مروة تشعر بالامتنان وبقيمته لكونه شرطي قادر على مساعدتها واستعادة حقها.

    *****

    في مساء ذات اليوم داخل قسم الشرطة...

    وقف سليم في انتظار حضور نجمة ووالدها أمام ذلك الرجل المدعو "صلاح" الذي كان يقف وسط رجاله عاقدًا حاجبيه والضيق يستوطن ملامحه غير راضٍ أبدًا عما يحدث ويخطط له سليم .. فرفع سليم هاتفه محادثًا نجمة في خفوت:

    -انتوا فين؟

    -احنا داخلين القسم اهوه يا دنيا متقلقيش.

    -دنيا، ماشي مقبولة منك، مع السلامة.

    اخبرها سليم الساخر ثم أغلقت نجمة الهاتف فسمعت توبيخ والدها من جديد:

    -طيب يا نجمة، أنا هوريكي تتصرفي ازاي من غير رأيي!

    -الله يا بابا قولتلك كنت مخضوضة وبعدين معملتش حاجه انا رجلي وقفت قدام القسم وكنت هرجع،
    بس الرائد سليم لما شافني أصر يعرف في أيه ولما عرف اصر يساعدنا!

    توقف والدها يتذمر في وجهها مستنكرًا:

    -والرائد سليم يساعدنا بتاع أيه!

    هنا تدخلت والدتها مدافعة عن ابنتها قائلة:

    -وبعدين معاك يا شاهين، أكيد الراجل حاسس بتأنيب ضمير لما مرمطنا على الفاضي المرة اللي فاتت مش موضوع يعني.

    حركت نجمة الخجلة رأسها مرات متتالية بالموافقة، فزفر والدها قبل أن يستغفر الله متمتمًا:

    -انا مش عارف سبتكم تيجوا معايا ازاي!

    امسكت نجمة بذراع والدتها التي تتبع زوجها بأنف شامخ فهي من رفضت الجلوس وتركه يأتي وحيدًا.

    وبالفعل وصل "شاهين" حيث سليم المنتظر ودلفت بعده زوجته ونجمة التي احتدت ملامحها بغل ما إن رأت صلاح، فأشار سليم لشاهين قائلًا في هدوء:

    -اهلًا يا استاذ شاهين، اتفضل أقعد.

    ثم نظر لصلاح نظرة مُحذرة وأكمل:

    -تقدر تقعد يا صلاح.

    عاد سليم لينظر إلي شاهين المتجهم الملامح ليصدح صوته أجش ثابت وعملي:

    -صلاح ندمان وهيحل الموضوع بشكل ودي يا استاذ شاهين.

    حينها ارتفع صوت صلاح معترضًا وهو يشير بيده:

    -هحله بس مش هاسيب حقي يا باشا.

    أندفع بعده شاهين يزمجر بنبرة شرسة:

    -ده أنا اللي مش هسيب حقي.

    رفع سليم يده ينهي صراع جديد كاد يشتعل، ثم أردف بنبرة حازمة:

    -نهدا شوية وكل واحد هياخد حقه، صلاح هياخد شقته وأنت هتاخد فلوسك يا استاذ شاهين.

    فأومأ شاهين مؤكدًا برأسه:

    -وهو ده اللي أنا قولته يا حضرت الظابط، أنا أصلًا مش عايز شقته أنا عايز فلوسي.

    فتح صلاح فمه يكاد يزمجر والطمع يحركه:

    -ملكش عندي .....

    قاطعه سليم الذي أشار له بيده ليصمت، يُحذره بنظرة خفية من غضب يُدرك صلاح عاقبته جيدًا لو أصر على طمعه..!

    ثم قال سليم بنبرة دبلوماسية:

    -هاتدي الحاج شاهين فلوسه يا صلاح وليك عنده إنه يخلي البيت وتاخد بيتك، هو ده الصح والعدل.

    كانت نجمة تراقب ما يحدث بابتسامة منتصرة وهي ترى صلاح يبتلع اعتراضه على مضض، قبل أن يهز رأسه موافقًا :

    - ماشي يا باشا بس من بكره البيت يفضى !

    اومأ سليم برأسه، ثم وقف أمام صلاح الذي استقام هو الآخر احترامًا، ليشير سليم بعينيه نحو شاهين آمرة بصوت خافت لكنه حاد مُقلق:

    -حلو، أعتذر للحاج شاهين، وإيدك لو اتمدت على أي حد تاني هقطعهالك أنت وشوية الأوباش اللي كنت جايبهم، ماشي؟!

    مرر صلاح يده فوق وجنته متذكرًا صفعة تذوقها قبل قليل لكنه حارب خوفه محاولًا الاعتراض في حنق:

    -لا يا باشا ما هو السبب هو اللي ...

    قاطعة سليم في صوت حازم بينما يهز رأسه متشدقًا من بين ابتسامة صفراء محذرة:

    -اعتذر يا صلاح وخلينا نحلها ودي، ولا أنت عايز تونسني انهارده في القسم؟

    زحف التوتر لملامح صلاح التي انكمشت رويدًا رويدًا ثم استسلم في النهاية لينطق على مضض:

    -انا اسف يا حاج شاهين، مش هتتكرر تاني.

    حرك شاهين رأسه الشامخة يتنهد مطولًا وقد رُدت له كرامته التي هُدرت على يد الحقير.
    انهى سليم الوضع حين ربت على كتف صلاح بشيء من العنف المتعمد وهو يتابع من بين أسنانه بابتسامة لا تمت للمرح بصلة:

    -جدع يا صلاح، ما يوصلنيش انك ظهرت قدامهم تاني أبدًا ولا يكون ليك علاقة بيهم، اتفقنا يا صلوحه؟

    بلل صلاح شفتيه هامسًا موافقته دون أن يستطع النطق بالمزيد...

    فيما كانت نجمة تحدق في سليم بابتسامة واسعة، وداخلها شعور عنيف يهتاج به صدرها من الامتنان و... الحب !
    خجلة أنها من أسقطت كل مبادئها المزعومة ودفنتها تحت سابع أرض متخطيه فوقها نحو استغلال سلطته في مساعدتهم...
    لتدرك أن الوظيفة التي كانت تطلق عليها شعارات الاستغلال والجبروت ليس بهذا السوء، بل لكل مهنة مميزات وعيوب...

    *****

    بعد مرور شهران.....

    كانت نجمه ممددة على فراشها ممسكة بهاتفها تتلاعب به وتلك الابتسامة تزين ثغرها أثناء عبثها بصورة سليم على شاشة الهاتف لتُكبرها... تسأل نفسها متى استسلمت لهوج تلك العاطفة ؟!...
    لقد حارب سليم مخاوفها بمواقفه الرجولية التلقائية، محى شبح تلك الصورة التي كانت مرسومة بعقلها عن شخصيته كضابط.
    حتى في أكثر لحظاته جنونًا وتهورًا عندما أتى بها وبأهلها إلى قسم الشرطة لم يستغل ضعفها ليتزوج بها رغم توقعها لذلك، بل أدركت حرص سليم الكبير على ألا يزرع خوف داخلها تجاهه هو لا يريدها خائفة ابدًا بل يريدها راضية بكامل ارادتها...!
    وها هي أعلنت رضوخها لتلك النبضات الجاهرة العصية ... وما أروعه حينما يكون الاستسلام لــ "سليم " .. المتعجرف دومًا بامتلاكه لها.
    تنهدت لا تصدق حتى تلك اللحظة أن مشاعره اجتاحتها حتى تشجعت أمام نفسها بل أقوى هي صارحت "دنيا" رمز مخاوفها وهواجسها نعم كانت مكالمة قصيرة ولم تكن دنيا راضية لكنها شعرت بانتصار كبير وبأنها كسرت حاجز غبي خفي عن الأعين داخلها...
    هي فخورة بنفسها لأنها صارحتها بمشاعرها نحو سليم بل ودافعت عنه.. دافعت عنه وكأنها تدافع عنه ضد هاجسها.
    لوت ثغرها في تذمر فقد
    مر شهران عليهما يتحدثان فيهما كل لحظة من اليوم، تطورت فيها علاقتهما إلى الأفضل، ومع ذلك هو لم يصارحها مرة بحبه صراحةً أو يطالب بالزواج منها كما كان يفعل في أسوأ احوالهما.
    انتفضت نجمة من افكارها فكالعادة كلما تذكرته حضر، نظرت للهاتف المهتز معلنًا عن اتصاله، وتلك الابتسامة التي تخصه بها وحده عادت لتجد مكانها على ثغرها، ثم اجابت وهي تستحضر صوتها العذب:

    -
    ايوه يا سليم.

    شاكسها الاخر متمتمًا:

    -
    عليكي واحدة سليم بتجيب أجلي!

    ضحكت برقة ولم تعلق، ليكمل سليم في حنو:

    -
    وحشتيني يا نجمة.

    تمتمت نجمه مجيبة في خجل:

    -
    امم، ميرسي.

    ارتفع حاجبي سليم مستنكرًا وكأنها تراه وأستطرد:

    -
    إيه ميرسي دي ان شاء الله؟
    لا اظبطي كده لاظبطك، أقولك وحشتيني تقوليلي وأنت وحشتني يا سليم يا حبيبي!

    كبحت نجمه ضحكتها بصعوبة، ثم سألته في مكر مغيرة الموضوع:

    -
    خلصت شغلك؟

    تنهد سليم مبتسمًا يعشقك دلالها وقد أدرك محاولتها لتغيير الموضوع:

    -
    ايوه ياستي خلصته، بس عندي شغل تاني أهم بكتير.

    سألته نجمه عاقدة حاجبيها بعدم فهم:

    -
    شغل إيه اللي أهم؟

    حك سليم ذقنه النامية ثم أجاب بصوت أجش مُذبذب موقفًا محرك السيارة بعد أن كان يسير في المنطقة التي تقطن بها نجمة، وتحديدًا أمام بنايتها ولكنه لن يخبرها بذلك كي لا تظنه مختلًا نفسيًا يطاردها أو شيء من هذا القبيل، سعل سليم في خفة يزيل الحرج من أفعاله عن صوته قبل أن يخبرها في صراحة:

    -
    في موضوع كده شاغلني أوي ومش عارف أعمل إيه بجد تعبت منه!

    -
    موضوع إيه؟! ما تتكلم من غير ألغاز يا سليم مالك ؟

    الفصل السابع من هنا 


    إرسال تعليق

    جميع الروايات والقصص المنشورة علي الموقع هي روايات مجانية أخذنا إذن بنشرها من أصحابها إذا وجدت أي رواية لها حقوق ملكية فكرية أو تُريد إزالتها من الموقع اتصل بنا ، ونقوم بحذفها فوراً .